الإسلام ..  بناء الإنسان المرتبط بالله علماً وعملاً

يقدم  الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه،  واحدة من أبرز الرؤى الفكرية والتربوية التي أعادت تقديم الإسلام باعتباره مشروعاً عملياً لبناء الإنسان والأمة، لا مجرد هوية شكلية أو انتماء وراثي،  وفي دروسه الرمضانية، خصوصاً في تأمله العميق لدعاء نبي الله إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ}، تتجلى فلسفة قرآنية متكاملة تقوم على صناعة الإنسان المسلم لله بكل كيانه، المرتبط بالله في وعيه، ومشاعره، وأعماله، وسلوكه، وتوجهاته،  هذا الطرح لا يتوقف عند حدود الوعظ الروحي، بل يتحول إلى مشروع تغييري شامل يعيد تعريف معنى الإسلام الحقيقي، ويعيد ترتيب علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبمجتمعه، وبقضايا الأمة الكبرى.

 

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

الإسلام لله .. لا للنفس ولا للعناوين الأخرى

يركز الشهيد القائد على أن جوهر الإسلام الحقيقي هو الذوبان الكامل في طاعة الله، والتحرر من الأنانية والنزعات الذاتية، ومن خلال استحضاره لشخصية إبراهيم عليه السلام، يقدم نموذجاً للإنسان الذي لم يكن مشغولاً بنفسه أو بمكانته، رغم عظم منزلته كنبي وخليل لله، بل كان همه الأول أن يقبله الله عبداً مسلماً خاضعاً له، ففي قوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} يرى الشهيد القائد أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يقدمان أعلى صور العبودية؛ إذ لا يظهر في دعائهما أي شعور بالاستحقاق أو التفاخر بالعمل، رغم أنهما يرفعان قواعد بيت الله الحرام. بل إنهما يتوجهان إلى الله بروح الخضوع والخشوع والتجرد الكامل من الأنا، وهنا تتضح إحدى أهم الدلالات الفكرية في المشروع القرآني، وهي أن الإنسان كلما اقترب من الله ازداد تواضعاً وخوفاً من التقصير، لا غروراً أو شعوراً بالامتياز،  فالإيمان الحقيقي لا يصنع شخصية متعالية، بل يصنع إنساناً ذائباً في مرضاة الله، ناسياً لنفسه أمام عظمة التكليف الإلهي.

بناء الأمة المسلمة لله

ومن أعمق الأبعاد التي يتناولها الشهيد القائد في هذا السياق، اهتمام الأنبياء ببناء أجيال مرتبطة بالله، كما في قوله تعالى: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ}، فالقضية هنا ليست مجرد توريث أسماء أو انتماءات، بل صناعة أمة تكون هويتها الأساسية الإسلام لله وحده،  ولذلك يرفض الشهيد القائد كل العناوين التي تحاول أن تفصل الأمة عن هويتها الإيمانية الأصيلة، سواء كانت عناوين قومية أو طائفية أو ثقافية تُقدَّم بديلاً عن الانتماء لله،  ويؤكد أن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان المؤمن هو أن تنشأ ذريته بعيدة عن الله، أو منقطعة عن هديه،  ولهذا تصبح التربية مسؤولية إيمانية كبرى، هدفها صناعة جيل تكون علومه إسلامية، وأعماله إسلامية، وثقافته مرتبطة بالقرآن، وسلوكه قائماً على الهداية الإلهية،  إن الشهيد القائد هنا يربط بين التربية وبين مشروع النهضة الحضارية للأمة، فالأمة التي لا تُنشئ أبناءها على القرآن ستبقى عرضة للضياع الفكري والتبعية الثقافية والانهيار الأخلاقي.

العلم المرتبط بالله .. لا المعرفة المنفصلة عن الهداية

ومن أبرز معالم الرؤية القرآنية لدى الشهيد القائد تأكيده أن العلم الحقيقي ليس مجرد تراكم معرفي، بل هو علم يقود إلى معرفة الله، وإلى تزكية النفس، وإلى بناء الإنسان الصالح،  وفي تفسيره لقوله تعالى: {رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} يوضح أن العملية التعليمية في المنهج الإلهي ليست منفصلة عن التربية الإيمانية، بل إن العلم الذي لا يصنع إنساناً مزكّى مرتبطاً بالله يتحول إلى عبء أو أداة انحراف، ومن هنا ينتقد الشهيد القائد واقع الأمة حين أصبحت كثير من العلوم منفصلة عن هداية الله، وأصبحت العملية التعليمية في كثير من المجتمعات الإسلامية تنتج عقليات مبهورة بالغرب، أو منفصلة عن قضايا الأمة، أو غارقة في الماديات،  إن الرؤية القرآنية التي يقدمها تقوم على إعادة بناء العقل المسلم ليكون واعياً بالله، مدركاً لمسؤوليته، متحركاً في الحياة وفق هدى القرآن، لا وفق ثقافة الاستلاب والتبعية.

الارتباط الدائم بالله.. روح المشروع القرآني

من القضايا المركزية التي يركز عليها الشهيد القائد أن المؤمن لا ينبغي أن يعيش حالة الغفلة أو الشعور بالاكتفاء الذاتي، حتى وهو يتحرك في أعظم الأعمال الصالحة، فإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وهما يبنيان الكعبة، كانا يقولان: {وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، بما يكشف عن عمق الشعور بالحاجة الدائمة إلى الله، وهنا يلفت الشهيد القائد إلى خطورة تحول الأعمال الصالحة إلى مصدر للغرور أو الإحساس بالاستحقاق، مؤكداً أن الروحية الإيمانية الصحيحة تجعل الإنسان دائم الرجوع إلى الله، دائم الشعور بالتقصير، دائم الطلب للهداية والثبات، كما يبرز أهمية الدعاء حتى في القضايا التي وعد الله بتحقيقها؛ لأن الدعاء ليس مجرد طلب للنتائج، بل هو تعبير عن الارتباط بالله، واستحضار دائم لحقيقة أن كل شيء بيده سبحانه،  وهذه الرؤية تربي الإنسان المؤمن على أن يعيش حالة العبودية المستمرة، فلا ينفصل عن الله في جهاده، ولا في علمه، ولا في عمله، ولا في مشاريعه، ولا في أي جانب من جوانب حياته.

أخلاقية التسليم لله

وفي حديثه عن قول الله لإبراهيم: {أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، يقدم الشهيد القائد درساً أخلاقياً عميقاً في كيفية تعامل الإنسان مع النصيحة والتوجيه، فإبراهيم عليه السلام لم يتعامل مع الأمر الإلهي بروح الاعتراض أو الحساسية أو الشعور بالإهانة، بل استجاب مباشرة بروح التسليم والخضوع، ومن هنا يدعو الشهيد القائد المؤمنين إلى التحلي بهذه الروحية؛ فعندما يُقال للإنسان اتق الله، أو أخلص لله، ينبغي أن يستقبل النصيحة بروح التواضع والرغبة في الكمال الإيماني، لا بروح التكبر والانزعاج،  وهذا البعد الأخلاقي يكشف عن رؤية تربوية تسعى إلى صناعة مجتمع متواضع لله، قابل للنصيحة، بعيد عن أمراض الكبر والغرور وحب الذات.

دلالات الرؤية في واقع الأمة

تحمل هذه الرؤية القرآنية أبعاداً عميقة في واقع الأمة الإسلامية اليوم، خصوصاً في ظل الأزمات الفكرية والتربوية والثقافية التي تعيشها، فالشهيد القائد كان يرى أن مشكلة الأمة الأساسية ليست نقص الإمكانيات، بل ضعف الارتباط بالله، وتحول الإسلام لدى الكثيرين إلى مجرد هوية شكلية لا تنعكس على السلوك والوعي والموقف،  ولذلك فإن مشروعه القرآني ركز على إعادة بناء الإنسان المسلم من الداخل، ليكون  مرتبطاً بالله في كل تفاصيل حياته.
متحرراً من العبودية للطاغوت والثقافات المنحرفة، واعياً بمسؤوليته تجاه الأمة، متحركاً وفق قيم القرآن، حاملاً للعلم المرتبط بالهداية، عاملاً بروح الإخلاص والتواضع لله، إن هذه الرؤية لا تقدم الإسلام كطقوس جامدة، بل كمشروع حياة يصنع الإنسان الرباني القادر على مواجهة التحديات والانحرافات، وبناء أمة قوية في إيمانها، ووعيها، وأخلاقها، وموقفها الحضاري.

ختاما ..
تكشف كلمات الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي عن مشروع تربوي وإيماني متكامل، جوهره صناعة الإنسان المسلم لله بكل معاني الإسلام الحقيقي؛ الإنسان الذي تكون علومه وأعماله ومشاعره وآماله مرتبطة بالله، والذي يعيش حالة التسليم الدائم لله، بعيداً عن الغرور والأنانية والغفلة،  ومن خلال استلهام نموذج إبراهيم عليه السلام، يقدم الشهيد القائد صورة راقية للإنسان المؤمن الذي يذوب في طاعة الله، ويحرص على هداية ذريته، ويرتبط بالله في كل خطواته، ويجعل القرآن أساساً لبناء نفسه وأمته، وهي رؤية تؤكد أن نهضة الأمة الحقيقية تبدأ من إعادة بناء علاقتها بالله، ومن صناعة الإنسان القرآني الذي يتحرك في الحياة بهدى الله، علماً وعملاً، وعقيدةً وسلوكاً، وموقفاً ومسؤولية.

You might also like