“مجزرة الحجاج الكبرى”.. توثيق تاريخي لواحد من أبشع فصول الدم في الجزيرة العربية

لا تزال أصداء صرخات الحجاج اليمنيين تتردد منذ مائة عام شاهدة على لحظة غدر تاريخية نادرة المثال، وفي الذكرى المئوية لواحدة من أكثر الفواجع إيلاماً في التاريخ العربي الحديث، يأتي كتاب “مجزرة الحجاج الكبرى” للدكتور حمود عبد الله الأهنومي، ليعيد فتح ملفات “مذبحة تنومة وسدوان” التي وقعت عام 1923م، هذا العمل الموسوعي لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يغوص في جذور الصراع السياسي والعقائدي ويفكك شفرة تلك الجريمة الدموية التي أدت إلى إبادة أكثر من ثلاثة آلاف حاج يمني أعزل في وديان عسير، مقدماً شهادات حية ووثائق تنشر لأول مرة، لتضع القارئ أمام حقيقة “يوم الدم” الذي ظل لعقود طي الكتمان والنسيان المتعمد، ويقدمها في قالب استقصائي يجمع بين صرامة البحث الأكاديمي وحرارة التوثيق الإنساني.

يمانيون| محسن علي

الهوية والتوثيق.. جهد بحثي استثنائي

يعد كتاب “مجزرة الحجاج الكبرى” في طبعته الثالثة (2020م) الصادرة عن مركز شهارة للدراسات والبحوث، المرجع الأهم والأشمل لهذه الواقعة، لمؤلفه د. حمود الأهنومي الذي بذل جهداً مضنياً في تتبع الروايات الشفهية، والبحث في بطون الكتب التاريخية، ومطابقة الوثائق البريطانية والنجدية واليمنية، ليخرج بتقرير نوعي يتجاوز 300 صفحة، موثقاً أسماء 119 شهيداً و44 ناجياً بتراجم تفصيلية، مما يمنح الضحايا وجوهاً وأسماءً بعد أن كانوا مجرد أرقام في سجلات التاريخ.

 

السياق التاريخي.. فخ “الأمان” الغادر

يستعرض الكتاب الأوضاع السياسية في نجد والحجاز واليمن قبيل المجزرة، فبينما كان الإمام يحيى حميد الدين يسعى لتأمين طريق الحج، تلقى تطمينات من قادة ابن سعود في عسير (مثل عبد العزيز بن إبراهيم) بأن الطريق آمن، انطلقت القافلة اليمنية الكبرى، التي ضمت علماء وتجاراً ونساءً وأطفالاً، وهي تحمل “الأمان” المزعوم، لتفاجأ في منطقة “تنومة” و”سدوان” بحصار محكم من جيش “الإخوان” (الوهابية) بقيادة خالد بن لؤي.

 

هندسة الغدر.. كيف نُصِب الفخ؟

يكشف التقرير الاستقصائي الذي يقدمه عن “هندسة دقيقة” لعملية الإبادة، لم يكن الهجوم عفوياً، بل سبقه تمهيد سياسي تمثل في إعطاء “صكوك أمان” غادرة من قادة ابن سعود في عسير للإمام يحيى حميد الدين.

الخديعة الكبرى: بينما كان الحجاج يتقدمون في وديان عسير وهم عزل، كانت “عيون” ابن سعود ترصدهم بدقة، وتنتظر اللحظة التي يحشرون فيها في مضيق “تنومة” الوعر.

التوقيت القاتل: اختير وقت الظهيرة (يوم الأحد 17 ذي القعدة 1341هـ)، حيث الحجاج في حالة استرخاء تام، بعضهم يجهز طعامه وآخرون يشدون رحالهم، لتبدأ “حفلة الموت” من رؤوس الجبال.

 

التوثيق الإنساني.. وجوه خلف الأرقام

أقوى فصول الكتاب هو ذلك الذي يعيد “الأنسنة” للضحايا، فالمؤلف لم يكتفِ بذكر رقم (3000 شهيد)، بل تتبع السير الذاتية لـ 119 شهيداً و44 ناجياً.

قصص الناجين: يروي الكتاب قصة الناجي الذي تظاهر بالموت وسط بركة من الدماء، وكيف عاد الناجون عراة تماماً بعد نهب ثيابهم، ليقطعوا مئات الكيلومترات مشياً على الأقدام في حالة يندى لها جبين الإنسانية.

 

وقائع المجزرة.. إبادة تحت التكبير

ينقل الكتاب تفاصيل مروعة عن “يوم الأحد 17 ذي القعدة 1341هـ”، حيث باغت جيش الإخوان الحجاج وهم عزل، وبدأوا بإطلاق النار بكثافة من رؤوس الجبال على الحجاج المحشورين في الوادي، لم يكتفِ المهاجمون بالرصاص، بل نزلوا للإجهاز على الجرحى بالخناجر والسيوف، تحت شعارات عقائدية تكفيرية تعتبر الحجاج “مشركين”، ويصف كيف تحول الوادي إلى بركة من الدماء، مع نهب كل ممتلكات الحجاج من أموال وخيول وحتى ملابسهم، ليعود الناجون القلائل عراة إلا من “سراويلهم”.

 

سيكولوجية القتل.. “إخوان من أطاع الله” والمنطق التكفيري

يغوص الكتاب في العقلية التي نفذت المجزرة، وهي جيش “الإخوان” الوهابي بقيادة خالد بن لؤي، هنا، لا تظهر الجريمة كفعل عسكري فحسب، بل كـ “طقس عقائدي”:

القتل كقربة: كان المهاجمون يكبرون وهم يحصدون أرواح الحجاج، معتبرين إياهم “مشركين” تجب استباحة دمائهم.

الإجهاز على الجرحى: ينقل الأهنومي شهادات مروعة عن “تفتيش الجثث”، حيث كان المهاجمون يطعنون الجرحى بالخناجر للتأكد من موتهم، بل ويتبادلون التهاني بعدد من قتلوهم، معتبرين ذلك “قصوراً في الجنة”.

 

المحرك الخفي.. تقاطع المصالح البريطانية-السعودية

في تحليل سياسي عميق، يربط الأهنومي بين المجزرة وبين الرغبة البريطانية في تحجيم طموحات الإمام يحيى حميد الدين، الذي كان يرفض الوصاية البريطانية ويطالب باستعادة “اليمن الطبيعي” بما فيه عسير.

رسالة الرعب: كانت المجزرة “رسالة دموية” مشفرة للإمام يحيى: “هذا هو المصير الذي ينتظر كل من يقف في وجه المشروع السعودي-البريطاني”.

تمهيد الطريق للحجاز: كانت إبادة القافلة اليمنية الكبرى بمثابة “بروفة” عسكرية ونفسية قبل الانقضاض على الحجاز وإسقاط حكم الأشراف.

 

الدوافع.. تقاطع السياسة بالعقيدة

يحلل الكتاب أسباب المجزرة في أربعة محاور:

السبب السياسي: رغبة ابن سعود في كسر هيبة الدولة اليمنية ومنع تمددها نحو عسير.

السبب العقيدي: الفكر الوهابي الذي كان يرى في الحجاج اليمنيين (الزيود والشوافع) “مشركين” تجب استباحة دمائهم وأموالهم.

السبب المادي: الرغبة في نهب القافلة التي كانت محملة بأموال وتجارة ضخمة.

السبب العسكري: استخدام المجزرة كأداة “رعب” لتمهيد الطريق للسيطرة على الحجاز لاحقاً.

 

الأثر الوجداني والأدبي

خصص الكتاب فصلاً كاملاً للأدب اليمني الذي خلد المجزرة، مستعرضاً قصائد كبار العلماء والشعراء مثل العلامة الحسن بن علي الضحياني والقاضي يحيى بن محمد الإرياني، هذه القصائد لم تكن مجرد رثاء، بل كانت وثائق سياسية وقانونية تطالب بالعدالة والقصاص، وتؤكد أن هذه الدماء لن تسقط بالتقادم.

 

شهادة استغاثة من الماضي إلى الحاضر

يتميز هذا العمل بقدرته الفائقة على الربط بين “الوثيقة” و”التحليل”، فالمؤلف لم يكتب تاريخاً، بل كتب “شهادة استغاثة” من الماضي إلى الحاضر، محذراً من خطورة الفكر الذي يستبيح الدم تحت ستار الدين، كما أن الكتاب في مجمله يمثل “صفعة” قوية لسياسات التجهيل والنسيان، ويعيد الاعتبار لآلاف الأرواح التي أزهقت في وادي تنومة، مؤكداً أن الذاكرة هي الحصن الأخير ضد الطغيان.

 

ختاما.. الجريمة التي لا تسقط بالتقادم

يخلص الكتاب إلى أن توثيق هذه المذبحة ليس مجرد سرد لتاريخ أسود، بل هو “ملف جنائي” متكامل الأركان، كما أن “مجزرة تنومة” تمثل النموذج الأول لتوظيف الفكر التكفيري في خدمة الأجندات السياسية التوسعية، وهو النهج الذي يرى المؤلف أنه لا يزال مستمراً بأشكال مختلفة.

للمزيد.. يرجى الضغط على الرابط أدناه لتحميل الكتاب.

مجزرة_الحجاج_الكبرى_ط3_نسخة_النشر_الإلكتروني

You might also like