أسرار أحكام القتل والطروح المسنونة والهجيم.. كيف تحكم الأعراف القبلية قضايا الدم والذم؟
تُعد قضايا القتل للنفس البشرية المعصومة من أخطر الجرائم المروعة التي تهدد نسيج أي مجتمع، وفي العرف القبلي اليمني، تتخذ هذه الجرائم أبعادًا خاصة تحكمها قواعد صارمة ومفصلة، “الباب الخامس” من قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن يكشف عن تفاصيل دقيقة ومذهلة تتعلق بأحكام القتل وقواعد الصلح والربع، مقدمًا نظرة عميقة على كيفية تعامل هذه المجتمعات مع أشد الجرائم خطورة، وتحديدًا قضايا القتل التي تنشأ في سياقات مختلفة، بما في ذلك الحروب والنزاعات القبلية، بدءًا من تعريف الجريمة المروعة وصولًا إلى تفاصيل تسوية قضايا “قتيل الحرب”، وما يترتب عليها من أحكام مغلظة كـ”المحشم”، وآليات لـ”قطع الدم بالدم”؛ هذه القواعد، التي قد تبدو معقدة للوهلة الأولى، تعكس نظامًا قانونيًا متكاملًا يهدف إلى حفظ الأمن والسلم الاجتماعي ضمن القبيلة،
نستعرض في هذا التقرير الـ28 من سلسلة قواعد العرف القبلي تفاصيل وأسرار وأحكام وقواعد هذه القضايا على النحو التالي:
يمانيون| محسن علي
أحكام القتل والطروح المسنونة والهجيم
أولاً: أحكام القتل: يُعتبر قتل النفس البشرية المعصومة جريمة مروعة في العرف القبلي، ما لم يكن هناك مبرر شرعي أدى إلى ذلك، وتتفاوت جسامة جريمة القتل من قضية لأخرى، حيث لكل قضية أحكام مسنونة تعتمد على طابع ووقائع وأسباب القضية، فبعض القضايا يُحكم فيها بأحكام مغلظة عندما يصاحب القتل عيب من العيوب، بينما يُحكم في قضايا أخرى بالحد الأصلي فقط، مثل قتل الزلة، وقتل الدفاع عن النفس، والقتل الهامي.
أحكام القتل في الحرب والفتنة
مفهوم قتيل الحرب: هو الشخص الذي يسقط قتيلاً في حرب تدور بين طرفين متحاربين، سواء كان هذا القتيل من أحد الأطراف أو من كليهما، وتنشأ الحروب عادة بين القبائل أو بين فروع رئيسية داخل القبيلة الواحدة أو بين القرى. يُعتبر قتيل الحرب في العرف القبلي “قتيل يوم أبيض”، بمعنى أنه ليس له غريم محدد بعينه من طرف الحرب الآخر، وإنما الغريم هو طرف الحرب بكامله، لا يُقضى بقتيل سقط في حرب إلا في يوم أبيض، أي في حال قيام حرب تالية، ولا يجوز عرفًا القضاء بقتيل الحرب بشخص بعينه من الطرف الآخر في غير حرب.
وقد سنت قواعد العرف القبلي حكمًا مغلظًا لأول قتيل يسقط في حرب، وهو حكم “المحشم” (المضاعف)، ولا يُحكم بهذا الحكم لمن تلاه من القتلى، فقد قيل عرفًا: “يحشم أولهم”، هذا الحكم جاء مسننًا في “علقة بدء الفرط بقتيل”، وهي من العلق البيضاء الساكنة.
أما في حال كان لكل طرف من أطراف الحرب قتلى، فإنه يتم “قطع الدم بالدم”، بمعنى أن القتيل من طرف يكون مقابلًا للقتيل من الطرف الآخر، وإذا كان هناك زيادة في عدد القتلى لدى أحد الأطراف، فإن الدم يبقى دينًا على المتحمل حتى يستوفي الطرف المنقوص حقه في الدم بطريقة “النقاء بالدم”، أو بـ”المخرج” بواسطة التحكيم العربي، وهو قطع الدم بتسليم الدية الشرعية وتسريح ثور مع متبوعه النقدي.
الصورة الأولى: في حال قبول الطرف المنقوص للتحكيم العرقي في الدم والذم
إذا كان القتيل هو القتيل الوحيد الذي سقط في الحرب، وقبل الطرف المنقوص في دمه مخارجة القضية بواسطة التحكيم العرفي القبلي من غريمه في الدم والذم، فإن ذلك يعني عرفًا التنازل من الولي عن حقه في القصاص الشرعي من الجاني، وقبوله للعقوبة التعويضية البديلة، هذه العقوبة تشمل مساق الدية الشرعية إلى جانب المحكوم العرقي في الذم، وهو حكم “المحشم” في العلقة الثابتة في القضية (“علقة بدء الفرط”)،بموجب قبول هذا التحكيم، يلزم على الطرف الجاني وضع طروح بنادق تحكيم في الدم والذم، وصياغة قاعدة تحكيم عرفية للطرف الآخر (ولي الدم) تنص على المخرج في الدم والذم.
مثال على قضية سقط فيها أول قتيل حرب، وتم قبول التحكيم في الدم والذم:
معطيات القضية:
ثبوت علقة بدء الفرط بقتيل بموجب وضع بندق فرع العلقة (الذم)، وثبوت القتل بموجب وضع بنادق فروع الدم والتحكيم، وقبول التحكيم من الطرف المنقوص في الدم والذم.
الحد الأصلي في القضية: الحد في العرض (رد الاعتبار): تسريح ثور مع متبوعه النقدي
الحد في الدم: الدية الشرعية، وتقدر حاليًا بـ (5,500,000) خمسة ملايين وخمسمائة ألف ريال
حكم الذم: حكم العلقة الثابتة: هو المحشم عدد غوالي العلقة البيضاء الساكنة: غالي واحد ، وقيمة الغالي: قيمة الحد الأصلي في القضية
حكم الذم في العرض: الحد الأصلي × عدد غوالي العلقة (ثورواحد × غالي واحد = 1 ثور)، وهذا هو قيمة الغالي في العرض.
حكم الذم في الدم: الحد الأصلي × عدد غوالي العلقة (5,500,000 ريال × 1 = 5,500,000 ريال)، وهذا هو قيمة الغالي في الدم، وبموجب قبول التحكيم في الدم والذم، يتم جمع حكم الحد الأصلي (الدم) وحكم الذم، ويسرح المحكوم كما في منطوق الحكم.
منطوق الحكم: تسريح ثورين ومتبوعهما النقدي (مساق العلقة والحد في العرض) دفع مبلغ أحد عشر مليون ريال (مساق الدم والذم) وفي هذه القضية، يساق المحكوم شاملًا وكاملًا، ولا يخفض منه شيء، لأن العلق البيضاء التي تقاس أحكامها بالمحشم لا تقبل التخفيض مطلقًا، وتقطع هذه القضية نهائيًا بموجب كيل الدم والذم.
الصورة الثانية: في حال كان طلب الطرف المنقوص التحكيم في الذم دون الدم
إذا كان القتيل هو القتيل الوحيد الذي سقط في الحرب، وطلب الطرف المنقوص في دمه (ولي الدم) المخرج والتحكيم من غريمه الجاني في الذم فقط، دون قبوله للتحكيم في الدم، فإن ذلك يعني عرفًا بقاء الدم دينًا على الجاني، وعلى الطرف الجاني أن يخرج في الذم، وهو حكم العرف في الحلقة الثابتة (“علقة بدء الفرط بقتيل” التي محكومها المحشم)، وبموجب الانصياع لهذا التحكيم، يلزم الجاني وضع بندق فرع العلقة في بداية الأمر، ثم وضع بنادق تحكيم في الذم، وصياغة قاعدة تحكيم عرفية تنص على المخرج في الذم (العلقة)، ويتم التوقيع عليها من الطرف المحكم (الجاني)،قد يكون التحكيم مباشرًا من الغريم لغريمه، أو لطرف ثالث محايد يتم اختياره من الطرفين بواسطة طروح العدال لفصل دعوى الذم بينهما.
مثال على قضية سقط فيها أول قتيل حرب، وتم قبول التحكيم في الذم فقط
معطيات القضية:
ثبوت علقة بدء الفرط بقتيل بموجب وضع بندق فرع الحلقة (الذم)، وثبوت القتل بموجب وضع بنادق فروع الدم والتحكيم، وقبول التحكيم من الطرف المنقوص في الذم دون الدم.
الحد الأصلي في القضية: الحد في العرض (رد الاعتبار): تسريح ثور مع متبوعه النقدي
الحد في الدم: الدية الشرعية، وتقدر حاليًا بـ (5,500,000) خمسة ملايين وخمسمائة ألف ريال
حكم الذم: حكم العلقة الثابتة: هو حكم المحشم: عدد غوالي العلقة البيضاء الساكنة: غالي واحد قيمة الغالي: قيمة الحد الأصلي في القضية
حكم الذم في العرض: الحد الأصلي × عدد غوالي العلقة (ثور واحد × غالي واحد = 1 ثور)، وهذا هو قيمة الغالي في العرض
حكم الذم في الدم: الحد الأصلي × عدد غوالي العلقة (5,500,000 ريال × 1 = 5,500,000 ريال)، وهذا هو قيمة الغالي في الدم، وبموجب قبول التحكيم في الذم فقط، يسرح المحكوم في الذم كما في منطوق الحكم
منطوق الحكم:
تسريح ثور ومتبوعه النقدي (مساق الذم في العرض) دفع مبلغ خمسة ملايين وخمسمائة ألف ريال (مساق الذم في الدم)، في هذه القضية، يساق محكوم الذم فقط وبموجب كيل الحكم (الحشم)، يُعطى الطرف الجاني صلحًا لمدة سنة كاملة.
ختاما
يعتبر هذا الصلح إجباري على الطرف المنقوص وليس اختياريًا، وذلك بقوة الثوابت العرفية المسنونة، لأن من كال الذم أو العيب، سُن له صلح لمدة سنة كاملة، ولا يجوز أن تقام حرب في مدة هذا الصلح، وبعد ذلك يتم القضاء بدين الدم من الطرف الجاني في يوم أبيض.
المرجع: قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن-للشيخ صالح روضان.