حليفُ القرآن.. نهضةٌ تصنع الوعي وتُسقط مشاريع الهيمنة

لم يتناول السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي حفظه الله،  في كلمته بمناسبة ذكرى استشهاد الإمام زيد بن علي عليه السلام (25 محرم 1445هـ الموافق 12 أغسطس 2023م)، سيرةً تاريخيةً تُستعاد في مناسبة سنوية، بل قدّم قراءةً عميقة لنهضة الإمام زيد عليه السلام باعتبارها مشروعًا قرآنيًا متجددًا، يستند إلى الوعي والبصيرة، ويؤسس لمواجهة الانحراف والطغيان في كل زمان،  وجاءت مضامين الخطاب لتؤكد أن الإمام زيد لم يكن قائد ثورة في ظرف تاريخي محدد، وإنما قائد مدرسة إصلاحية متكاملة، حملت القرآن منهجًا، والعدل هدفًا، والحرية مسؤولية، وجعلت من مواجهة الهيمنة والاستبداد واجبًا دينيًا وأخلاقيًا،  ومن هذا المنطلق، ربط السيد القائد بين نهضة الإمام الشهيد والواقع الذي تعيشه الأمة اليوم، معتبرًا أن أدوات الهيمنة قد تتغير، لكن أهدافها تبقى واحدة، وهي السيطرة على الإنسان، وتحريف وعيه، وإبعاده عن المبادئ التي تصنع عزته واستقلاله،  وفي هذا التقرير، نقرأ أبرز الأبعاد والدلالات التي تضمنها الخطاب، من خلال مجموعة من المحاور التي تكشف طبيعة المشروع الذي حمله الإمام زيد، ورسائله المتجددة في واقع الأمة.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

الإمام زيد .. رمزٌ إسلامي تجاوز حدود التاريخ

استهل السيد القائد حديثه بالتأكيد على المكانة الاستثنائية التي يحتلها الإمام زيد بن علي في الوجدان الإسلامي، باعتباره أحد كبار أعلام أهل بيت النبوة، وشخصية تحظى بإجماع الأمة على فضلها وعلمها وتقواها، وهو ما منح نهضته بعدًا يتجاوز الانتماءات المذهبية، لتصبح نموذجًا إسلاميًا جامعًا،  ويبرز الخطاب لقب “حليف القرآن” باعتباره الوصف الذي يلخص شخصية الإمام زيد، فهو العالم الذي عاش مع القرآن فهمًا وسلوكًا وحركة، ولم يسمح أن يكون القرآن مجرد نص يُتلى، بل حوله إلى مشروع عملي لإصلاح الأمة، ومواجهة الانحراف، وإقامة العدل.
ومن هنا، يؤكد السيد القائد أن قيمة الإمام زيد لا تكمن في نسبه الشريف فحسب، وإنما في كونه جسّد المبادئ القرآنية في مواقفه، فأصبح قدوة للأمة، ومصدرًا تستلهم منه معاني القيادة الواعية والمسؤولة.

نهضةٌ انطلقت من القرآن لا من طلب السلطة

ويكشف الخطاب أن الدافع الحقيقي لثورة الإمام زيد لم يكن الوصول إلى الحكم أو تحقيق مكاسب سياسية، وإنما القيام بالمسؤولية التي فرضها القرآن تجاه واقع الأمة، فالإمام الشهيد أعلن بوضوح أن القرآن لا يسمح له بالصمت أمام تعطيل أحكام الله، وتحريف الدين، واستعباد الناس، وهو ما جعل نهضته ثورة قيم ومبادئ قبل أن تكون مواجهة سياسية،  ويؤكد السيد القائد أن الإمام زيد تحرك بدافع الغيرة على دين الله، والحرص على إصلاح أمة جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مستعدًا لبذل حياته في سبيل إنقاذها من الانحراف، وهو ما يمنح نهضته بعدها الرسالي والإنساني العميق.

معركة الوعي .. أخطر ميادين المواجهة

ومن أبرز ما ركز عليه السيد القائد في خطابه أن أخطر ما مارسه بنو أمية لم يكن بطشهم العسكري، بل نجاحهم في تحريف مفاهيم الدين، وتوظيف علماء السوء لإضفاء الشرعية على الظلم والاستبداد،  ويقدم الخطاب هذه الحقيقة بوصفها درسًا يتجاوز التاريخ، فالمعركة الحقيقية تبدأ حين يُصادر وعي الأمة، ويُعاد تشكيل ثقافتها بما يخدم الطغاة، فتفقد قدرتها على التمييز بين الحق والباطل،  ومن هنا، يبرز الإمام زيد باعتباره قائدًا لمعركة الوعي، سعى إلى إعادة الأمة إلى القرآن، واستعادة المفاهيم الإسلامية الأصيلة التي تحفظ كرامة الإنسان، وتصون حريته، وتمنحه القدرة على مواجهة الظالمين.

مشروع الهيمنة .. أدوات تتغير والهدف واحد

ويربط السيد القائد بين تجربة الإمام زيد والواقع المعاصر، موضحًا أن مشاريع الهيمنة التي تواجهها الأمة اليوم تقوم على الأسس نفسها التي اعتمدها الطغاة في الماضي، وإن اختلفت الوسائل والأدوات،  فالاحتلال، والسيطرة على القرار الوطني، ونهب الثروات، والحصار، والحرب الإعلامية، وإثارة الفتن، كلها حلقات في مشروع واحد يستهدف إخضاع الأمة، وتجريدها من إرادتها المستقلة،  ويؤكد السيد القائد أن مواجهة هذه المشاريع تبدأ بإحياء الوعي القرآني، وبناء الإنسان المؤمن بقضيته، المتمسك بهويته، القادر على التمييز بين الحق والدعاية المضللة.

التحرر والاستقلال امتدادٌ لنهضة الإمام زيد

وفي إسقاط واضح على الواقع اليمني، يؤكد السيد القائد أن الدفاع عن السيادة الوطنية، ورفض الاحتلال، واستعادة الثروات، وإنهاء الحصار، تمثل امتدادًا طبيعيًا للمبادئ التي نهض من أجلها الإمام زيد.

ويشدد على أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار الاحتلال أو نهب الثروات أو حرمان الشعب من حقوقه، مؤكدًا أن طريق السلام واضح، ويقوم على احترام سيادة اليمن واستقلاله،  ويعكس هذا الطرح رؤية تعتبر أن معركة التحرر الوطني ليست قضية سياسية فحسب، بل مسؤولية أخلاقية ودينية ترتبط بحق الشعوب في الحرية والكرامة.

الاستقرار الداخلي ..  حصن الأمة الأول

وفي الشأن الداخلي، دعا السيد القائد إلى تعزيز التماسك الوطني، وإفشال كل محاولات الأعداء لإثارة الفتن والانقسامات، محذرًا من استغلال المشكلات الاجتماعية والسياسية لإضعاف الجبهة الداخلية،  ويؤكد الخطاب أن وحدة المجتمع وتماسكه تمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات الخارجية، وأن الوعي الشعبي هو الضمانة الحقيقية لإفشال مشاريع الاختراق والتفكيك.

ختاما ..

تعكس كلمة السيد القائد في ذكرى استشهاد الإمام زيد بن علي عليه السلام رؤية تعتبر أن نهضة “حليف القرآن” لم تكن ثورة انتهت باستشهاده، بل مشروعًا قرآنيًا متجددًا، يستمد حضوره من القيم التي قام عليها،  الوعي، والعدل، والحرية، ومقاومة الطغيان.
وتؤكد مضامين الخطاب أن بناء الوعي يمثل الركيزة الأساسية في مواجهة مشاريع الهيمنة، وأن الأمة التي تتمسك بالقرآن منهجًا، وتستلهم سيرة قادتها الرساليين، تمتلك القدرة على حماية هويتها، وصون استقلالها، وبناء مستقبلها بعيدًا عن كل أشكال الوصاية والاستبداد.

You might also like