الإمام زيد في رؤية الشهيد القائد.. صناعة الرجال قبل صناعة الأحداث وبناء الوعي قبل تغيير الواقع
في سياق مشروعه القرآني، قدّم الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه قراءة مختلفة لسيرة الإمام زيد بن علي عليه السلام، فلم يتعامل معها باعتبارها مجرد حدث تاريخي أو ثورة انتهت بانتهاء معركتها، وإنما باعتبارها منهجاً عملياً متجدداً لصناعة الإنسان المؤمن القادر على حمل الرسالة ومواجهة الانحراف في كل زمان، ويكشف هذا المقطع من الدرس الاول من ملزمة ( في ظلال دعاء مكارم الأخلاق )، عن أحد أهم مرتكزات الرؤية الفكرية للشهيد القائد، وهي أن صناعة التغيير تبدأ من بناء الإنسان، وأن الأزمات التي تعيشها الأمة لا تعالج بكثرة الأتباع ولا بضجيج الشعارات، وإنما ببناء نواة مؤمنة تمتلك الوعي والإيمان والبصيرة والاستعداد للتضحية.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الإمام زيد عليه السلام .. نموذج الرسالة المستمرة
يستحضر الشهيد القائد خروج الإمام زيد عليه السلام بوصفه حدثاً ممتداً في التاريخ، مؤكداً أن الإمام “ترك أمة ما تزال تسير على نهجه من ذلك اليوم إلى الآن”، وهي إشارة إلى أن قيمة الثورات الرسالية لا تقاس بنتائجها العسكرية المباشرة، وإنما بقدرتها على إنتاج مدرسة تستمر عبر الأجيال، وبهذا التحليل، تتحول ثورة الإمام زيد إلى مدرسة تربوية وفكرية، أنتجت رجالاً حملوا مشروعها جيلاً بعد جيل، لتصبح القضية الأساسية هي بقاء المنهج لا بقاء الأشخاص.
رسالة مباشرة إلى العلماء والمعلمين
لا يتوقف الشهيد القائد عند استحضار النموذج التاريخي، بل يحوله إلى خطاب عملي موجه لكل عالم ومربٍ ومعلم، فهو ينتقد بشدة حالة اليأس التي قد تصيب بعض العاملين في ميدان الدعوة والتعليم عندما يعتقدون أن الناس لم يعودوا يتأثرون بالكلمة أو أن الواقع أصبح مغلقاً أمام أي عملية إصلاح، ويرى أن هذا التفكير يمثل بداية الهزيمة النفسية، وأن الواجب هو الاقتداء بالإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، الذي واجه ظروفاً أشد قسوة بعد فاجعة كربلاء، لكنه لم يستسلم، بل بدأ مشروعاً هادئاً وعميقاً لبناء الرجال.
صناعة النخبة المؤمنة
ومن أبرز الدلالات التي يركز عليها النص أن عملية التغيير لا تشترط كثرة العدد، فالشهيد القائد يدعو المعلم إلى اختيار عدد محدود من التلاميذ الذين يمتلكون الاستعداد النفسي والإيماني، ثم يمنحهم الدين كاملاً، ويبني في نفوسهم روح الأمل والثقة بالله، ويغرس فيهم المسؤولية تجاه الأمة، ويؤكد أن خمسة طلاب، أو ثلاثة، أو حتى طالباً واحداً، قد يكونون بداية مشروع حضاري كبير، إذا أُحسن إعدادهم، وهنا تتجلى فلسفة قرآنية عميقة تقوم على أن النوعية تسبق الكمية، وأن بناء الإنسان أهم من تضخيم الأرقام.
القرآن مصدر الأمل
ومن القضايا المركزية التي يتناولها النص ربط التربية بالقرآن الكريم، فلا يكتفي الشهيد القائد بالدعوة إلى تعليم العلوم والمعارف، وإنما يؤكد أن القرآن هو الذي يبعث الأمل الحقيقي في النفوس، ويحرر الإنسان من الشعور بالعجز والهزيمة، فالقرآن ليس كتاباً للعبادة الفردية فقط، بل كتاب لبناء الشخصية المؤمنة القادرة على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.
رفض استنساخ الواقع المهزوم
ويطلق الشهيد القائد تحذيراً بالغ الأهمية عندما يقول: “لا تسمح بأن يكونوا عبارة عن نسخ للواقع الذي أنت فيه، ولا تسمح أن تمتد هزيمتك النفسية إليهم.” ، وهنا يضع قاعدة تربوية بالغة العمق، مفادها أن أخطر ما يمكن أن ينقله المربي إلى طلابه ليس نقص المعلومات، وإنما الهزيمة النفسية، فالمعلم الذي فقد الأمل، أو استسلم للواقع، سينقل هذا الشعور إلى الأجيال الجديدة، لتصبح عملية التعليم مجرد إعادة إنتاج للأزمة بدلاً من أن تكون طريقاً للخلاص منها.
من التعليم إلى صناعة المجاهدين
وفي رؤية الشهيد القائد، لا يقتصر دور التربية على تخريج متعلمين أو حفظة للعلوم، بل يتجاوز ذلك إلى صناعة رجال يحملون مسؤولية الدين، ولهذا يكرر الدعوة إلى تعليم الشباب كيف يكونون رجالاً، وكيف يكونون جنوداً لله، وكيف يكونون من أنصار الله العاملين لإعلاء كلمته، إنها تربية تتجاوز الجانب المعرفي إلى بناء الشخصية والهوية والرسالة.
نقد الواقع التعليمي والديني
ويتضمن النص نقداً واضحاً للواقع التعليمي في الأمة، فعلى الرغم من كثرة حلقات العلم في المساجد ومنازل العلماء، إلا أن الشهيد القائد يرى أن كثيراً منها أصبح “حلقات باردة”، لا تنتج وعياً ولا تصنع تغييراً، وإنما تعيد إنتاج الواقع نفسه، ويشير إلى أن كثيراً من القضايا المصيرية أصبحت غائبة عن مناهج التعليم والخطاب الديني، مما أدى إلى حالة من النسيان الجماعي لأولويات الأمة ومسؤولياتها.
زين العابدين.. مدرسة البناء الهادئ
ويضرب الشهيد القائد مثالاً بالإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، الذي عاش في مرحلة تعد من أصعب المراحل بعد واقعة كربلاء، ومع ذلك لم ينشغل بردود الفعل المؤقتة، وإنما ركز على بناء الإنسان، ومن رحم ذلك المشروع التربوي خرج الإمام زيد، وخرج معه رجال حملوا مشروع المقاومة والإصلاح عبر مئات السنين، وهذه المقارنة تقدم درساً عميقاً مفاده أن أعظم الإنجازات التاريخية تبدأ غالباً من مشاريع تربوية هادئة لا يلتفت إليها كثير من الناس في بداياتها.
الإيمان أساس المشروع
ويختتم الشهيد القائد هذه الرؤية بالإشارة إلى دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام: “اللهم بلغ بإيماني أكمل الإيمان.”، وهو دعاء يحمل دلالة عميقة، إذ يجعل كمال الإيمان هو الأساس الذي تُبنى عليه النهضة، فكل مشروع تغييري لا يرتكز على الإيمان العميق والبصيرة والارتباط بالله، يبقى معرضاً للضعف والانحراف.
دلالات استراتيجية
تكشف هذه الرؤية عن مجموعة من المرتكزات الفكرية، أبرزها أن صناعة الإنسان تسبق صناعة الدولة والمجتمع، وأن التغيير يبدأ بالنخبة الواعية قبل الجماهير، وأن القرآن هو المصدر الأول لبناء الأمل واستعادة الثقة، وأن أخطر أشكال الهزيمة هي الهزيمة النفسية، كما أن التربية الرسالية تصنع قادة المستقبل ولو بدأ المشروع بفرد واحد، والتاريخ يصنعه المربون الذين يبنون الرجال قبل أن يبنوا المؤسسات، أن مشروع الإمام زيد عليه السلام يمثل امتداداً عملياً لمدرسة الإمام زين العابدين في إعداد القيادات وصناعة الوعي، وبذلك يقدم الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه قراءة تتجاوز حدود السرد التاريخي، لتجعل من سيرة الإمام زيد عليه السلام مشروعاً تربوياً متجدداً، يؤكد أن الأمم لا تنهض بكثرة الإمكانات، وإنما بوجود الإنسان المؤمن الواعي الذي يحمل رسالته بثبات، ويغرسها في الأجيال حتى تتحول إلى مسيرة ممتدة عبر الزمن.