الرسول الأعظم صلوات الله عليه وعلى آله يعلن النفير العام لأمر عظيم
جاءت كلمة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله بمناسبة يوم الولاية وعيد الغدير لتقدم قراءة عميقة ومتكاملة لحدث الغدير باعتباره محطة مفصلية في تاريخ الرسالة الإسلامية، ولتؤكد أن إعلان ولاية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لم يكن حدثاً عابراً أو قضية تاريخية خلافية، بل كان بلاغاً إلهياً مصيرياً ارتبط بكمال الدين وتمام النعمة وحفظ الأمة من الانحراف والضياع، وقد ركزت الكلمة على الربط بين النص القرآني والحدث التاريخي، وعلى استحضار الدلالات العملية لمفهوم الولاية في واقع الأمة المعاصر، خصوصاً في ظل ما تواجهه من تحديات وصراعات ومشاريع هيمنة تستهدف هويتها واستقلالها.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الغدير .. بلاغ بمستوى الرسالة كلها
من أبرز المحاور التي تناولتها الكلمة التأكيد على عظمة الأمر الذي أُمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغه في غدير خم، حيث استند السيد القائد إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}، ويبرز التحليل الذي قدمه السيد القائد أن القرآن الكريم وضع هذا البلاغ في منزلة استثنائية، إذ ربط بين تبليغه وبين أداء الرسالة كلها، ما يكشف عن أن القضية لم تكن قضية شخصية أو تفضيلية، وإنما قضية تتعلق بمستقبل الأمة ومسارها بعد رحيل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وتشير هذه القراءة إلى أن الرسالة الإلهية لم تكتفِ ببناء العقيدة والتشريع والأخلاق، بل وضعت أيضاً الضمانة القيادية التي تحفظ تلك المنظومة من الانحراف، وهو ما يجعل الولاية امتداداً وظيفياً للرسالة وليس أمراً منفصلاً عنها.
كمال الدين وتمام النعمة.. دلالة الارتباط بالولاية
توقف السيد القائد عند العلاقة بين آية التبليغ وآية إكمال الدين، مؤكداً أن التسلسل القرآني والمنطقي يفضي إلى فهم أن إعلان الولاية كان الحدث الذي اكتمل به بناء الدين، فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}، فإن اكتمال الدين لا يمكن أن يتحقق مع بقاء فراغ خطير في قضية القيادة والهداية بعد النبي، ومن هنا تبرز إحدى أهم الدلالات الفكرية في الخطاب، وهي أن الإسلام ليس مجرد منظومة عبادية أو تشريعية، بل مشروع حضاري متكامل يحتاج إلى قيادة ربانية تواصل مهمة الهداية وتحافظ على نقاء المسار.
النفير العام .. لماذا جمع الرسول الأمة؟
لفت السيد القائد إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلن هذا الأمر في مجلس محدود أو لقاء خاص، بل أوقف عشرات الآلاف من المسلمين في ظروف استثنائية ليبلغهم رسالة الغدير، وهنا يطرح الخطاب سؤالاً جوهرياً: لماذا هذا الحشد الكبير لهذا الإعلان؟،
الإجابة التي تقدمها الكلمة أن القضية كانت تتعلق بمصير الأمة كلها، ولذلك كان لا بد أن يصل البلاغ إلى الجميع بصورة مباشرة وواضحة لا تحتمل الالتباس، ومن هذه الزاوية يصبح الغدير إعلاناً عاماً للأمة بأسرها، أشبه بإعلان دستوري يؤسس لمرحلة ما بعد النبوة، ويحدد المرجعية التي ينبغي العودة إليها في فهم الدين وإدارة شؤون الأمة.
الولاية في القرآن قبل الغدير
أبرزت الكلمة أن حادثة الغدير لم تكن معزولة عن السياق القرآني، بل جاءت امتداداً لمنظومة متكاملة من النصوص التي مهدت لمفهوم الولاية، وفي هذا الإطار استشهد السيد القائد بقوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}، معتبراً أن نص الغدير جاء تفصيلاً عملياً لهذا التوجيه القرآني، ويعكس هذا الطرح رؤية تعتبر أن الولاية ليست اجتهاداً سياسياً نشأ بعد وفاة الرسول، وإنما جزء من البناء العقدي الذي رسمه القرآن الكريم للأمة.
الإمام علي عليه السلام.. النموذج القيادي الرسالي
استعرض السيد القائد جملة من الأحاديث النبوية التي تؤكد مكانة الإمام علي عليه السلام، مثل حديث: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»، وحديث: «علي مع الحق والحق مع علي»، ومن خلال استحضار هذه النصوص، أرادت الكلمة التأكيد على أن اختيار الإمام علي لم يكن قائماً على الاعتبارات القبلية أو السياسية، بل على أساس الكفاءة الإيمانية والعلمية والأخلاقية والجهادية، وتكشف هذه الدلالة عن معيار مهم في الرؤية الإسلامية للقيادة، وهو أن القيادة الحقيقية ترتبط بالهداية والعدل والعلم والتقوى، لا بالقوة أو النفوذ أو المصالح.
الغدير والصراع مع قوى الهيمنة
من أبرز الأبعاد التي ركزت عليها الكلمة الربط بين التخلي عن مبدأ الولاية وبين ما تعرضت له الأمة من انقسامات وتراجعات تاريخية، فالسيد القائد قدم الولاية باعتبارها مشروع حماية للأمة من الانحراف الداخلي ومن الخضوع للأعداء الخارجيين، مشيراً إلى أن الالتزام بالنهج الذي رسمه الرسول كان كفيلاً بأن يجعل الأمة أكثر قوة وقدرة على مواجهة خصومها، وفي هذا السياق، اكتسب الحديث عن الصراع مع اليهود والنصارى بعداً سياسياً وحضارياً، حيث تم تقديم الولاية باعتبارها إطاراً لبناء أمة مستقلة تمتلك قرارها وإرادتها، وترفض التبعية والخضوع لمشاريع الهيمنة والاستكبار.
حزب الله هم الغالبون.. معادلة النصر القرآنية
توقفت الكلمة عند قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}، باعتبارها معادلة قرآنية تربط بين الولاية والنصر، وتبرز هنا رسالة محورية مفادها أن الغلبة ليست مجرد تفوق عسكري أو مادي، وإنما نتيجة للارتباط الصحيح بالله ورسوله والقيادة المؤمنة التي تسير على نهج الحق،
وبذلك يتحول يوم الولاية من مجرد مناسبة تاريخية إلى مشروع عملي لبناء القوة والوعي والوحدة والثبات في مواجهة التحديات.
دلالات معاصرة
يمكن استخلاص عدة دلالات معاصرة من مضامين الكلمة، أبرزها التأكيد على أن قضية القيادة والهداية تمثل ركناً أساسياً في حماية الأمة، وكذلك ربط كمال الدين بوجود المرجعية التي تحفظ الرسالة من التحريف والانحراف، وإبراز الإمام علي عليه السلام كنموذج للقيادة القائمة على العدل والحق والعلم، والتأكيد على أن الولاية ليست قضية تاريخية منتهية، بل مفهوم حي يرتبط بواقع الأمة ومستقبلها، وكذا الدعوة إلى التمسك بالهوية الإسلامية المستقلة في مواجهة مشاريع الهيمنة والتبعية، وترسيخ مفهوم أن النصر والغلبة مرتبطان بالالتزام بمنهج الله والقيادة المؤمنة.
ختاما ..
تعكس كلمة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله بمناسبة يوم الولاية رؤية تعتبر حادثة الغدير إعلاناً إلهياً حاسماً لمستقبل الأمة الإسلامية، وترى في الولاية الضمانة التي تحقق كمال الدين وتحفظ الرسالة من الانحراف، ومن خلال الربط بين النص القرآني والواقع المعاصر، قدمت الكلمة يوم الولاية بوصفه محطة وعي وتجديد للعلاقة بالمنهج الإلهي، ومناسبة لاستحضار معاني القيادة الربانية والالتزام بالحق والعدل والاستقلال، باعتبارها الأسس التي تصنع قوة الأمة وتحفظ هويتها وتؤهلها لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.