الهجرة النبوية في رؤية السيد القائد .. من استلهام التاريخ إلى صناعة الوعي ومواجهة التحديات
في كل عام هجري جديد تعود الهجرة النبوية الشريفة لتفرض حضورها كواحدة من أعظم المحطات المفصلية في التاريخ الإسلامي، ليس بوصفها حدثاً تاريخياً ارتبط بانتقال الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة فحسب، بل باعتبارها مشروعاً متكاملاً للتغيير وبناء الأمة وصناعة التحولات الكبرى في مسار البشرية، وفي كلمته بمناسبة الهجرة النبوية لعام 1438هـ، قدم السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي قراءة تتجاوز حدود الاستذكار التاريخي للمناسبة، لتضع الهجرة في إطارها الحضاري والإنساني والقرآني الواسع، مستحضراً الدروس والعبر التي تحتاجها الأمة في مواجهة التحديات المعاصرة، ومؤكداً أن الهجرة كانت في جوهرها مشروعاً للتحرر من الهيمنة والاستعباد والانطلاق نحو بناء مجتمع العدل والكرامة، ومن خلال تتبع مضامين الكلمة يتضح أنها ارتكزت على عدة محاور مترابطة تبدأ بتشخيص طبيعة الصراع الذي رافق حركة الأنبياء عبر التاريخ، وصولاً إلى إسقاط تلك السنن الإلهية على الواقع الراهن، وما يواجهه الشعب اليمني والأمة الإسلامية من تحديات سياسية واقتصادية وثقافية.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الهجرة النبوية.. محطة تأسيس لا مجرد ذكرى تاريخية
في مستهل حديثه يلفت السيد القائد إلى أهمية الهجرة النبوية باعتبارها الحدث الذي ارتبط به تاريخ الأمة الإسلامية وهويتها الحضارية، موضحاً أن اعتماد التقويم الهجري لم يكن إجراءً زمنياً مجرداً، بل تعبيراً عن مركزية هذا الحدث في تشكيل الوعي الإسلامي، ومن هنا يبرز انتقاده لحالة التراجع في الاهتمام بالتاريخ الهجري في الواقع الإسلامي المعاصر، معتبراً أن ذلك يمثل جانباً من مظاهر الابتعاد عن الذاكرة التاريخية للأمة، وما تحمله من دروس وعبر وقيم قادرة على إحياء روح النهوض والتغيير.
وفي هذا السياق تبدو الهجرة في الخطاب رمزاً لاستعادة الهوية، واستدعاءً لمرحلة صنعت فيها الأمة أعظم تحولات تاريخها عندما تحركت وفق المشروع الإلهي الذي حمله الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.
الرسالة الإلهية.. مشروع تحرير الإنسان
بعد ذلك ينتقل الخطاب إلى تأصيل فلسفة الرسالات السماوية، حيث يؤكد أن جوهر المشروع الإلهي عبر الأنبياء والرسل كان دائماً تحرير الإنسان من كل أشكال العبودية والاستغلال والطغيان، فالله سبحانه وتعالى لم يرد للإنسان أن يكون خاضعاً لأي قوة تستعبده أو تفرض عليه هيمنتها بغير حق، وإنما أراد له الحرية والكرامة والعدالة في إطار العبودية الخالصة لله وحده، ومن هذا المنطلق يقدم السيد القائد تفسيراً للهجرة النبوية باعتبارها جزءاً من حركة التحرر الكبرى التي قادها الأنبياء في مواجهة الطغاة والمستكبرين، مؤكداً أن الصراع الذي واجهه الرسول في مكة لم يكن خلافاً عابراً، بل كان صراعاً بين مشروع إلهي يسعى لإنقاذ الإنسان ومشروع استكباري يسعى للسيطرة عليه.
المستكبرون والمستضعفون.. معادلة الصراع عبر التاريخ
يخصص الخطاب مساحة واسعة لتحليل العلاقة بين المستكبرين والمستضعفين كما يعرضها القرآن الكريم، معتبراً أن هذه المعادلة تمثل أحد أهم مفاتيح فهم حركة التاريخ، ويبين أن القوى المستكبرة لم تكن في أي مرحلة من مراحل التاريخ تعتمد على قوتها الذاتية فقط، بل كانت تستمد نفوذها من حالة التبعية والخضوع التي تفرضها على المجتمعات، وفي قراءة لافتة، يؤكد أن الضعفاء الذين ينظرون إلى المستكبرين باعتبارهم مصدر القوة يغفلون حقيقة أساسية مفادها أن أولئك المستكبرين ما كانوا ليصبحوا أقوياء لولا اعتمادهم على الجماهير التي تخضع لهم وتمنحهم أسباب النفوذ والسيطرة، وهنا تتجلى إحدى الرسائل الفكرية المهمة في الخطاب، وهي أن التحرر يبدأ من الوعي، وأن التخلص من الهيمنة لا يتحقق فقط بمواجهة المستكبرين، بل أيضاً بكسر حالة الانبهار والانجذاب التي تجعل بعض المجتمعات تسير خلفهم بصورة عمياء.
المال والنفوذ.. أدوات الهيمنة وصناعة التبعية
ويمضي الخطاب في تشريح أدوات السيطرة التي استخدمتها قوى الاستكبار عبر التاريخ، موضحاً أن الثروة والنفوذ كانا دائماً من أهم وسائل التأثير على المجتمعات.
فالقرآن الكريم يقدم المترفين بوصفهم رأس الحربة في مواجهة الأنبياء، لأن الرسالة الإلهية تهدد الامتيازات غير المشروعة التي راكموها على حساب الشعوب، ومن خلال استعراض عدد من النماذج القرآنية، يوضح الخطاب كيف تحولت الثروة لدى بعض الفئات إلى وسيلة للهيمنة الفكرية والسياسية والاجتماعية، وكيف أسهم ذلك في إبعاد كثير من الناس عن طريق الحق والعدل، ويكشف هذا المحور عن رؤية تعتبر أن الصراع الاقتصادي ليس منفصلاً عن الصراع الفكري والثقافي، بل يمثل أحد أهم أدواته ومجالاته.
من السنن القرآنية إلى الواقع اليمني
بعد بناء هذا الإطار الفكري ينتقل الخطاب إلى إسقاط تلك السنن على الواقع اليمني المعاصر، حيث يقدم قراءة للصراع الدائر باعتباره امتداداً للصراع التاريخي بين قوى الهيمنة والشعوب الساعية إلى التحرر، ويؤكد أن التدخلات الخارجية لا تستهدف خدمة الشعوب أو تحقيق مصالحها، وإنما تنطلق من حسابات ترتبط بالمصالح الاستراتيجية والثروات والمواقع الحيوية، ومن خلال هذه الرؤية يحذر من خطورة الارتهان للخارج، ويرى أن التبعية السياسية والاقتصادية تؤدي في نهاية المطاف إلى فقدان الإرادة الوطنية والاستقلال الحقيقي.
كما يركز على أن الثروات الوطنية ينبغي أن تكون رافعة للتنمية والسيادة، لا مدخلاً للهيمنة والوصاية الأجنبية.
الصمود وبناء القدرات.. الطريق نحو المستقبل
وفي الجانب العملي من الكلمة يبرز حديث السيد القائد عن تجربة القوة الصاروخية اليمنية كنموذج للإرادة الوطنية القادرة على تحويل التحديات إلى فرص، فبرغم الحصار والظروف الصعبة تمكنت هذه التجربة من تحقيق إنجازات كبيرة بفضل الإصرار والعمل والاعتماد على الذات، ولا يقف المغزى عند الجانب العسكري فقط، بل يتجاوزه إلى تقديم رسالة أوسع مفادها أن الشعب القادر على الإبداع في ميدان الدفاع قادر أيضاً على الإبداع في الاقتصاد والتعليم والإدارة والتنمية وسائر المجالات، ومن هنا تتحول الهجرة النبوية من مجرد ذكرى تاريخية إلى ثقافة عمل ومشروع نهوض يقتضي من الجميع ـ مؤسسات ونخباً وجماهير ـ تحمل المسؤولية والانخراط في عملية البناء والتطوير.
ختاما ..
تكشف كلمة السيد عبد الملك الحوثي بمناسبة الهجرة النبوية لعام 1438هـ عن رؤية فكرية متكاملة تجعل من الهجرة مدرسة متجددة لفهم الواقع وصناعة المستقبل. فالهجرة في هذا الخطاب ليست انتقالاً جغرافياً فحسب، بل انتقال من الضعف إلى القوة، ومن التبعية إلى الاستقلال، ومن الاستسلام للتحديات إلى صناعة الفرص.
ومن خلال الربط بين السنن القرآنية وتجارب التاريخ وواقع الأمة المعاصر، يقدم الخطاب دعوة واضحة إلى استعادة الوعي والهوية والثقة بالذات، باعتبارها الأساس الذي يمكن أن تنطلق منه الأمة نحو بناء حاضرها وصياغة مستقبلها بعيداً عن الهيمنة والتبعية، مستلهمةً في ذلك الدروس الخالدة للهجرة النبوية الشريفة.