عاشوراء في رؤية السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله .. حين تتحول كربلاء من ذكرى تاريخية إلى مشروع وعي ومقاومة
في كل عام تعود ذكرى عاشوراء لتفتح أمام الأمة الإسلامية واحدة من أكثر صفحات تاريخها حضوراً وتأثيراً، ليس بوصفها حدثاً مأساوياً ارتبط بزمن مضى، وإنما باعتبارها محطة مفصلية ما تزال تلقي بظلالها على واقع المسلمين ومستقبلهم. وفي كلمته بمناسبة عاشوراء 1444هـ، قدم السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي قراءة شاملة وعميقة لواقعة كربلاء، أعاد من خلالها رسم أبعادها الحقيقية، بوصفها معركة فاصلة بين مشروع الهداية الإلهية ومشروع الانحراف والهيمنة، وبين قيم الحق والعدل من جهة، وقوى الطغيان والاستبداد من جهة أخرى، ولم تتوقف الرؤية عند حدود استعراض المظلومية التاريخية للإمام الحسين عليه السلام، بل تجاوزت ذلك إلى تحليل جذور الصراع، واستكشاف آثاره الممتدة في مسار الأمة، وربط دروس عاشوراء بالتحديات التي تواجهها الشعوب في مختلف العصور.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
كربلاء.. حدث تجاوز حدود الزمن
ينطلق السيد القائد من تأكيد حقيقة جوهرية مفادها أن واقعة كربلاء ليست حادثة تاريخية عابرة يمكن حصرها في إطارها الزمني الضيق، وإنما تمثل قضية أمة بأكملها. فالأحداث العظيمة لا تُقاس بحجمها العسكري أو بمدتها الزمنية، بل بما تتركه من أثر في الوعي الإنساني وفي حركة التاريخ، ومن هذا المنظور، تبدو عاشوراء محطة استثنائية ارتبطت بمصير الإسلام ذاته، وهو ما يفسر المكانة الكبيرة التي حظيت بها في الحديث النبوي قبل وقوعها بسنوات طويلة، فاستحضار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمأساة الحسين عليه السلام قبل حدوثها يعكس حجم الدلالات التي كانت تختزنها هذه الواقعة في مستقبل الأمة ومسارها الحضاري،
وهكذا يضع الخطاب عاشوراء في إطارها الرسالي الكبير، باعتبارها قضية تتعلق بحاضر الأمة ومستقبلها بقدر ما تتعلق بماضيها.
الحسين امتداد الرسالة وصوت الإصلاح
في سياق تفسيره لأسباب الحضور الاستثنائي لعاشوراء في الوجدان الإسلامي، يبرز السيد القائد المكانة الخاصة للإمام الحسين عليه السلام، ليس فقط باعتباره سبط رسول الله، وإنما بوصفه الامتداد الأصيل للمشروع النبوي في الهداية والإصلاح، فالحسين في هذه الرؤية لا يمثل شخصية تاريخية فحسب، بل يمثل مدرسة متكاملة في الالتزام بالحق وتحمل المسؤولية، ومن هنا جاءت ثورته تعبيراً عن واجب ديني وأخلاقي تجاه الأمة، لا سعياً إلى سلطة أو مكسب سياسي، ويكشف هذا الطرح عن فهم عميق لمعنى الإمامة والقيادة في الإسلام، حيث تتحول المسؤولية إلى التزام بحماية الدين وصيانة قيمه عندما تتعرض للخطر، حتى وإن كان الثمن تضحية كبرى بحجم كربلاء.
الصراع الحقيقي .. مواجهة بين الإسلام والجاهلية
ومن أهم ما يميز الرؤية التي قدمها السيد القائد أنها تعيد تعريف طبيعة الصراع الذي أدى إلى واقعة عاشوراء، فبعيداً عن التفسيرات التي تختزل القضية في نزاع سياسي على الحكم، يؤكد الخطاب أن المواجهة كانت في جوهرها صراعاً بين مشروعين متناقضين، مشروع الإسلام الأصيل الذي حمله الإمام الحسين عليه السلام، ومشروع الانحراف الذي سعى لإعادة إنتاج القيم الجاهلية تحت غطاء السلطة، وفي هذا السياق يقدم يزيد بن معاوية باعتباره رمزاً لمشروع الانتقام من الإسلام ومن رسالته التحررية، لا مجرد حاكم انحرف في في إدارة الدولة ولذلك تصبح كربلاء امتداداً لمعركة أوسع بين الحق والباطل، وبين الرسالة الإلهية والقوى التي سعت إلى إفراغها من مضمونها، ومن هنا تتضح الدلالة الكبرى للثورة الحسينية باعتبارها موقفاً تاريخياً أنقذ الأمة من الانحدار الكامل نحو مشروع الاستبداد والانحراف.
حين أصبح السكوت خطراً على الأمة
ويكشف الخطاب أن خطورة المرحلة التي عاشها الإمام الحسين لم تكن مرتبطة بشخص الحاكم فقط، بل بطبيعة المشروع الذي كان يُراد فرضه على الأمة، ففي عهد يزيد، بحسب الرؤية المطروحة، بلغ الانحراف مستوى بات يهدد جوهر الإسلام وقيمه الأساسية، وأصبحت المقدسات والحقوق والحريات عرضة للاستباحة، وتحولت السلطة إلى أداة للهيمنة والقمع وإخضاع الناس، أمام هذا الواقع لم يعد الصمت خياراً ممكناً، ولم تعد المهادنة قادرة على حماية الأمة من الانهيار. ولذلك جاء موقف الإمام الحسين عليه السلام باعتباره موقفاً إنقاذياً يهدف إلى إيقاظ الضمير الإسلامي وكشف حقيقة الانحراف القائم، لقد أدرك الإمام أن التضحية قد تكون أقل كلفة من السكوت، وأن دماء الشهداء قادرة على فضح الباطل أكثر مما تفعله الخطب والمواعظ.
عاشوراء وصناعة الوعي المقاوم
ومن أبرز الرسائل التي تتجلى في كلمة السيد القائد أن عاشوراء ليست مناسبة للبكاء على الماضي ، بل مدرسة لصناعة الوعي، فالإمام الحسين عليه السلام يقدم نموذج الإنسان الذي يرفض الاستسلام للواقع المنحرف مهما كانت موازين القوة مختلة، ولذلك تحولت كربلاء إلى رمز عالمي للحرية والكرامة ورفض الظلم، وفي هذا الإطار تصبح عاشوراء مناسبة سنوية لتجديد الوعي بالقيم التي نهض من أجلها الإمام الحسين، وفي مقدمتها العزة والعدالة والكرامة الإنسانية ومواجهة الطغيان، كما تؤكد الرؤية أن إحياء الذكرى ينبغي أن يقود إلى استلهام الدروس العملية في الواقع المعاصر، لا الاكتفاء باستحضار المشهد التاريخي بمعزل عن تحديات الحاضر.
من كربلاء إلى الحاضر.. الرسالة المستمرة
لا يقف الخطاب عند حدود الماضي، بل يسعى إلى ربط عاشوراء بواقع الأمة اليوم. فالتحديات التي واجهها الإمام الحسين، والمتمثلة في الاستبداد والتضليل والانحراف عن القيم، ما تزال تتكرر بأشكال مختلفة في مختلف الأزمنة،
ومن هنا تبرز أهمية استلهام النهج الحسيني في مواجهة مشاريع الهيمنة والاستعباد، وفي الدفاع عن استقلال الشعوب وكرامتها وهويتها، وتتحول كربلاء في هذا السياق إلى معيار أخلاقي يحدد موقع الإنسان بين معسكر الحق ومعسكر الباطل، وبين ثقافة الخضوع وثقافة المقاومة.
ختاما ..
الإمام الحسين عليه السلام يظهر في هذه الرؤية قائداً نهض لإنقاذ الأمة من أخطر مراحل الانحراف، وتحولت تضحيته إلى منارة تهدي الأجيال في مواجهة الظلم والطغيان، وبذلك تبقى عاشوراء، كما يقدمها الخطاب، مدرسة مفتوحة للأمة تستمد منها معاني الصمود والكرامة والحرية، وتستحضر من خلالها مسؤوليتها المستمرة في الدفاع عن الحق ومواجهة الباطل مهما اختلفت الأزمنة وتبدلت الظروف.