الإمام الحسين وكربلاء.. الثورة التي هزمت الزمن وكسرت معادلة الطغيان

في كل عام، لا تعود عاشوراء بوصفها ذكرى تاريخية تُستحضر أحداثها، وإنما تعود باعتبارها سؤالًا متجددًا يُطرح على الأفراد والأمم: كيف يكون الموقف عندما يتقاطع الحق مع الضغوط، والكرامة مع الإغراء، والإيمان مع مشاريع الهيمنة؟ ومن بين الكلمات التي تجاوزت حدود الزمان والمكان، بقيت صرخة الإمام الحسين عليه السلام “هيهات منا الذلة” حاضرة بقوة في الوعي الإسلامي؛ لأنها لم تكن تعبيرًا عن رفض ظرف سياسي مؤقت، بل إعلانًا خالدًا عن هوية الإنسان المؤمن حين يواجه خيار الخضوع أو الثبات.

وفي مضامين كلمات ومحاضرات السيد القائد، تتجلى هذه الصرخة باعتبارها مشروعًا قرآنيًا متكاملًا لصناعة الأمة الحرة، وبناء الإنسان الواعي، وترسيخ مفهوم العزة كقيمة إيمانية وحضارية لا تنفصل عن حركة الواقع.

يمانيون| بقلم: محسن علي

كربلاء.. من واقعة تاريخية إلى منهج حياة

في الطرح الذي يقدمه السيد القائد، لا تُقرأ كربلاء كحدث انتهى بانتهاء زمانه، وإنما باعتبارها مدرسة ممتدة تعيد تعريف مفاهيم القوة والانتصار والكرامة، فلقد وقف الإمام الحسين عليه السلام أمام معادلة قاسية: إما التسليم لواقع منحرف يمنحه السلامة الظاهرية، وإما الوقوف موقف الحق مهما كانت التضحيات، ومن هنا جاءت عبارته الخالدة “هيهات منا الذلة”؛ لتعلن أن القضية ليست رفض الموت أو قبوله، وإنما رفض تحويل الإنسان إلى كائن فاقد للإرادة، يقبل الباطل حفاظًا على مكاسب مؤقتة.

 

الذلة.. حين يخسر الإنسان موقفه قبل أن يخسر معركته

من أبرز المعاني التي يبرزها السيد القائد أن الذلة لا تبدأ من الهزيمة العسكرية ولا من محدودية الإمكانات، بل تبدأ من الداخل؛ عندما يفقد الإنسان ثقته بالله، أو يسلّم قراره للخوف، أو يقبل بالتنازل عن الحق، فالقرآن – كما يبرز في الطرح – يبني الإنسان العزيز الذي لا يخضع إلا لله، ويرى أن الاستسلام للظلم أو الخضوع للهيمنة هو سقوط أخلاقي قبل أن يكون خسارة سياسية، وبهذا المعنى تصبح صرخة الإمام الحسين معيارًا دائمًا: هل يحافظ الإنسان على قيمه وموقفه؟ أم يساوم عليها تحت ضغط الواقع؟

 

“هيهات منا الذلة”.. صناعة للإنسان الحر

في قراءة السيد القائد، لم يكن مشروع الإمام الحسين مشروع مواجهة عسكرية فحسب، بل مشروع تحرير للإنسان، بيد أن الإنسان الذي يخاف على مصالحه أكثر من مبادئه يصبح قابلًا للتوجيه والانقياد، أما الإنسان المؤمن الواعي فيمتلك قدرة الاختيار واتخاذ القرار، ولهذا تتحول عاشوراء إلى محطة تربوية تُعلّم: أن الحرية تبدأ من تحرر الإرادة، وأن الكرامة ليست شعارًا بل التزامًا، وأن الإيمان الحقيقي يصنع شخصية لا تستسلم للضغط ولا تُباع بالمكاسب.

 

الوعي والبصيرة.. السلاح الذي سبق السيف

ومن المعاني المركزية في محاضرات السيد القائد أن معركة الإمام الحسين بدأت قبل كربلاء؛ بدأت في ميدان الوعي، فالانحراف لم ينتصر بالقوة وحدها، بل بالتضليل، وصناعة الخوف، وتشويه الحقائق، ومن هنا فإن إحياء عاشوراء لا يتحقق بمجرد استحضار المشهد التاريخي، وإنما بإحياء البصيرة التي تجعل الأمة قادرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين المواقف الأصيلة والمواقف المزيّفة.

 

من الذكرى إلى المسؤولية

لا يتوقف الخطاب وفعاليات إحياء هذه المأساة عند حدود الإحياء العاطفي، بل ينتقل إلى المسؤولية العملية، فالوفاء للإمام الحسين لا يعني الاكتفاء بالمشاعر، وإنما تحويل القيم الحسينية إلى سلوك: الثبات على المبادئ، ورفض الظلم، ونصرة القضايا العادلة، بناء الوعي، حماية استقلال الأمة وهويتها، وهكذا تتحول «هيهات منا الذلة» من عبارة تُقال إلى مشروع يُمارس.

 

ختاماً

بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، ما تزال صرخة الإمام الحسين عليه السلام قادرة على استنهاض الضمير الإنساني؛ لأنها خاطبت جوهر الإنسان: الكرامة، وفي مضامين كلمات ومحاضرات السيد القائد، تتجدد هذه الصرخة باعتبارها دعوة مفتوحة للأمة كي لا تجعل قوتها في أدواتها فقط، بل في وعيها وإيمانها وثباتها، فحين تبقى الإرادة حرة، والقرارمستقلًا،والموقف منطلقًا من الحق.. تبقى صرخة الحسين حاضرة: “هيهات منا الذلة”.. لا كشعار يُرفع، بل كمنهج يُعاش.

You might also like