من جدلية الاختلاف إلى سؤال الوحدة

تمثل قضية الوحدة والتفرق إحدى القضايا المركزية التي شغلت الفكر الإسلامي والسياسي المعاصر، وتبرز بصورة واضحة في الطرح الذي يقدمه الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه في الدرس الثالث من سلسلة آل عمران، حيث يقدم رؤية نقدية حادة لمفهوم الاختلاف المذهبي والفكري عندما يتحول إلى حالة دائمة من التشظي والانقسام داخل الأمة، وينطلق الخطاب من فرضية أساسية مفادها أن تحويل التعدد  إلى انقسام وصراع يحمل في جوهره دلالات تتجاوز البعد الفكري إلى أبعاد عقدية وحضارية وسياسية عميقة، وهو ما يفسر اللغة الحادة التي يستخدمها النص في توصيف هذه الظاهرة باعتبارها انعكاساً لقصور في فهم مقاصد الدين ووظيفة الرسالة الإلهية في بناء الأمة الواحدة.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

البعد العقائدي والفكري

يربط النص بين حالة الانقسام وبين سوء فهم الحكمة الإلهية في التشريع والهداية، إذ يرى أن الله لم يرد للأمة أن تتحول إلى جماعات متصارعة ومسارات متنافرة، وإنما أراد لها أن تتحرك ضمن مشروع جامع يستند إلى المرجعية القرآنية الواحدة، ومن هذا المنطلق يقدم النص نقداً للمنظومات الفكرية والمدارس الكلامية والفقهية حين تتحول من أدوات للفهم والاجتهاد إلى أسباب لإنتاج الحواجز النفسية والمذهبية بين المسلمين، بحيث تصبح الانتماءات الفرعية مقدمة على الانتماء الجامع للأمة، وتبرز هنا محاولة إعادة تعريف العلاقة بين الاجتهاد والوحدة؛ فالمشكلة في نظر النص ليست في وجود الرأي والاجتهاد، وإنما في تحولهما إلى هويات متصارعة تبرر الانقسام وتمنحه مشروعية دينية وفكرية.

إعادة تفكيك مفهوم الحرية الفكرية

من أبرز القضايا التي يثيرها النص نقده لما يسميه “الخلط بين الاختلاف والحرية الفكرية”، إذ يجادل بأن تقديم الانقسام بوصفه دليلاً على الحيوية الفكرية أو دليلاً على الكرامة الإنسانية يمثل قلباً للمفاهيم وإعادة إنتاج لمعانٍ معكوسة، ويطرح النص سؤالاً مركزياً،  كيف يمكن لأمة ممزقة ومتنازعة أن تمتلك إرادة مستقلة أو قراراً سيادياً؟؟؟ ، هنا تتحول الحرية من مفهوم فردي أو نظري إلى مفهوم حضاري مرتبط بامتلاك الأمة لقدرتها على الفعل والتأثير، بحيث تصبح الوحدة شرطاً من شروط التحرر الوطني والسياسي، بينما يتحول الانقسام إلى بوابة للتبعية والارتهان الخارجي.

البعد السياسي والاستراتيجي

يعتمد النص على المقارنة بين واقع الأمة الإسلامية وواقع القوى الدولية المنافسة لها، حيث يشير إلى أن القوى الكبرى، رغم اختلاف أعراقها ومصالحها وخلفياتها، تستطيع أن تتوحد حول أهداف استراتيجية ومصالح مشتركة، بينما تعجز الأمة الإسلامية عن بناء الحد الأدنى من التوافق في القضايا المصيرية، وتحمل هذه المقارنة دلالات سياسية واضحة، إذ يسعى الخطاب إلى ترسيخ فكرة أن الوحدة ليست شعاراً أخلاقياً أو دينياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية للبقاء في عالم تحكمه موازين القوة والتحالفات الكبرى، كما يعكس هذا الطرح رؤية تعتبر أن أحد أهم أسباب الضعف التاريخي للأمة يتمثل في الصراعات الداخلية التي استنزفت طاقاتها وفتحت المجال أمام التدخلات الخارجية.

البعد الحضاري

لا يتوقف النص عند حدود الجدل الديني أو السياسي، بل يتجاوز ذلك إلى رؤية حضارية شاملة تعتبر أن الانقسام يبدد الطاقات البشرية والاقتصادية والعلمية للأمة، ويحولها من فاعل حضاري إلى ساحة تنافس وصراع للآخرين،
وبحسب هذا التصور فإن الوحدة ليست مجرد اصطفاف تنظيمي، بل إطار لإعادة بناء المشروع الحضاري للأمة واستعادة دورها التاريخي في الإنتاج العلمي والثقافي والسياسي.

الجدل حول مقولة “اختلاف أمتي رحمة”

يختتم النص بموقف نقدي من الاستخدام الشائع لعبارة “اختلاف أمتي رحمة” باعتبارها مبرراً لاستمرار الانقسام والتشرذم، وتجدر الإشارة إلى أن هذه العبارة كانت محل نقاش واسع بين العلماء والباحثين من حيث ثبوتها وصحة نسبتها إلى رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، كما اختلفت المدارس الفكرية في تفسير معنى الاختلاف المقصود بها وحدوده وآثاره، غير أن النص لا يمكن أن ينسب بأي حال من الأحوال إلى رسول الهداية وموحد الأمة من أمره الله تعالى بالوحدة والاعتصام بحبله، باعتبار “الانقسام والصراع”  سبباً في الضعف وفقدان القدرة على المواجهة.

ختاما ..

تكشف القراءة التحليلية لهذا النص عن مشروع فكري يقوم على مركزية الوحدة باعتبارها المدخل الأساسي للتحرر والاستقلال واستعادة الفاعلية الحضارية للأمة، مقابل النظر إلى الانقسام بوصفه أحد أهم أسباب الضعف والاستتباع الخارجي،  كما يعكس النص محاولة لإعادة تعريف العديد من المفاهيم المتداولة مثل الحرية الفكرية والتعددية والاجتهاد والوحدة، من منظور يربط بين البناء الفكري للأمة وبين قدرتها على الصمود في مواجهة التحديات السياسية والحضارية المعاصرة،  وبغض النظر عن المواقف المؤيدة أو الناقدة لهذه الرؤية، فإنها تمثل أحد أبرز الخطابات الفكرية التي سعت إلى تفسير واقع الأمة المعاصر من خلال العلاقة بين الوحدة الداخلية والاستقلال الخارجي، وجعلت من قضية التماسك المجتمعي والسياسي محوراً رئيسياً في مشروعها الفكري.

You might also like