جرائم لا تسقط بالتقادم.. منظمة انتصاف تضع المجتمع الدولي أمام فاتورة استهداف التعليم في اليمن
بينما يستعد أطفال العالم لحمل حقائبهم المدرسية الملونة ورسم أحلامهم على دفاتر بيضاء، يقف أطفال اليمن أمام مشهد مغاير تماماً؛ حيث الحقيبة مثقلة بالهموم، والدفاتر تملؤها بقايا غبار الركام الذي خلفه تحالف العدوان الأمريكي السعودي إثر استهدافه الممنهج للقطاع التعليمي بعشرات الغارات الجوية منذ مارس2015 وحتى ا2026م ضمن محاولة اغتيال مستقبل جيل كامل، في تقريرها الأحدث ‘أجيال خلف الركام’، ترسم منظمة انتصاف لحقوق المرأة والطفل لوحة قاتمة لواقع التعليم الذي لم يعد مجرد قطاع متضرر، موثقة الانتهاكات المروعة استناداً إلى شهادات مباشرة وتقارير دولية، مما أدى إلى تدمير البنية التحتية وحرمان أكثر من 5 ملايين طالب وطالبة من التعليم، في دعوة عاجلة للمجتمع الدولي للتحرك ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم.
يمانيون| محسن علي
انتصاف تدق ناقوس الخطر
مع كل عام دراسي جديد، تتجدد مأساة التعليم في اليمن، حيث يواجه ملايين الأطفال مستقبلًا غامضًا تحت وطأة الدمار والحرمان ، وفي خطوة جريئة لكشف حجم الكارثة الإنسانية التي تعصف بقطاع التعليم في اليمن، أصدرت منظمة انتصاف لحقوق المرأة والطفل تقريرًا حقوقيًا شاملًا بعنوان “أجيال خلف الركام”، يتزامن هذا التقرير مع بدء العام الدراسي الجديد، ويسلط الضوء على الانتهاكات الجسيمة والممنهجة التي تعرضت لها المدارس والمنشآت التعليمية على مدار سنوات “العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي”، والتي امتدت من 26 مارس 2015م حتى يونيو 2026م.
توثيق منهجي لجرائم الحرب ضد التعليم
استند التقرير في توثيقه للانتهاكات إلى منهجية دقيقة شملت الرصد الميداني المباشر، وتحليل البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية، بالإضافة إلى الاستفادة من التقارير الدولية الموثوقة والشهادات المباشرة من المتضررين، وقد كشف التقرير أن استهداف المدارس لم يقتصر على تدمير البنية التحتية المادية فحسب، بل تجاوز ذلك ليطال جوهر العملية التعليمية، حارمًا ملايين الأطفال من حقهم الأصيل في التعليم، ومقوضًا بذلك مستقبل أجيال بأكملها.
انتهاك صارخ للقانون الدولي والإنساني
تعتبر هذه الجرائم انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني والمواثيق الدولية التي تجرم استهداف الأعيان المدنية والمؤسسات التعليمية. فبينما تتغنى الأمم المتحدة بحق التعليم كحق أساسي من حقوق الإنسان، تشهد اليمن تدميرًا ممنهجًا لهذا الحق، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية.
أرقام صادمة تعكس حجم الكارثة
قدم التقرير إحصائيات صادمة تعكس حجم الدمار الذي لحق بالقطاع التعليمي، مستعرضًا أحدث البيانات الصادرة عن وزارة التربية والتعليم والبحث العلمي، فقد بلغ عدد المنشآت التعليمية التي دمرت كليًا 522 منشأة، بينما تعرضت 2460 منشأة أخرى للتدمير الجزئي،هذه الأرقام المروعة أدت إلى تضرر أكثر من 5.19 ملايين طالب وطالبة، حرموا من بيئة تعليمية آمنة ومستقرة.
وتشير بيانات منظمة اليونيسف، التي استعرضها التقرير، إلى أن 4.5 ملايين طفل في سن الدراسة محرومون حاليًا من التعليم ويحتاجون إلى دعم تعليمي عاجل. وقد وصلت نسبة الفقر التعليمي إلى 95%، وهو ما يعني أن الغالبية العظمى من الأطفال في اليمن لا يحصلون على تعليم كافٍ أو لا يحصلون عليه على الإطلاق. وتفاقمت الأزمة لتصبح واحدة من كل خمس مدارس خارج الخدمة، إما بسبب القصف والتدمير، أو لاستخدامها كمراكز إيواء للنازحين.
الكوادر التعليمية ضحية أخرى
لم تقتصر الأزمة على استهداف المدارس والطلاب فحسب، بل امتدت لتشمل الكوادر التعليمية التي تعد العمود الفقري لأي نظام تعليمي، وذلك عقب المؤامرة الأممية ضمن تحالف العدوان في نقل البنك المركزي إلى عدن، وامتناع دول تحالف العدوان وحكومة الفنادق عن صرف مرتبات موظفي الدولة بما فيهم المعلمين، فوفقًا لبيانات اليونيسف، فإن أكثر من 171 ألفًا و600 معلم ومعلمة لم يتلقوا رواتبهم بصورة منتظمة، مما يهدد استمرار العملية التعليمية برمتها، هذا الوضع يجبر العديد من المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة لتأمين احتياجاتهم المعيشية، مما يؤثر سلبًا على جودة التعليم ويعرض ملايين الأطفال لخطر الانقطاع عن الدراسة بشكل دائم.
دعوة عاجلة للمجتمع الدولي
في ختام تقريرها، وجهت منظمة انتصاف دعوة عاجلة وصريحة إلى المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والمنظمات الحقوقية والإنسانية، للنهوض بمسؤولياتها القانونية والإنسانية، وطالبت المنظمة بتشكيل آلية دولية مستقلة للتحقيق في الجرائم المرتكبة بحق التعليم في اليمن، ومحاسبة “دول العدوان وأذنابها من المرتزقة” على هذه الانتهاكات الجسيمة.
كما دعت إلى ضرورة العمل على إعادة إعمار المدارس المتضررة بشكل عاجل، وتقديم الدعم اللازم للكوادر التعليمية لضمان استمرارية العملية التعليمية، وأكدت على أهمية توفير بيئة تعليمية آمنة ومستقرة تكفل للأطفال حقهم في التعليم دون خوف أو تهديد، لضمان مستقبل أفضل لأجيال اليمن التي تواجه تحديات غير مسبوقة جراء استمرار العدوان والحصار الجائر.
ختاما
إلى اليوم لا تزال معاناة الشعب اليمني مستمرة في ظل صمت دولي مطبق وتجاهل متعمد، ومع تدشين الحكومة بدء العام الدراسي الجديد، واستمرار العدو السعودي في مماطلته وتهربه من تنفيذ استحقاق السلام، تؤكد صنعاء مضيها في انتزاع حقوق الشعب اليمني وتحرير كامل ترابه، لإنقاذ مستقبل أمة بأكملها من الضياع.