◆ الأَمِيْر فَاتِكُ “الثَّانِي” ابن مَنْصُوْرٍ بن فَاتِكٍ.. أَمِيْر تَهَامَة وثامن حُكَّام الدَّوْلَة النَّجَاحِيَّة

[519 - 531هـ/ 1125 - 1137م].

يعتبر الأَمِيْر فَاتِكُ “الثَّانِي” ابن مَنْصُوْرٍ بن فَاتِكٍ “الأَوَّل” ابن جَيَّاشٍ بن نجاح الحَبَشِي، وأُمُّهُ هِيَ الحُرَّةُ “عَلَمٌ”، سادس أُمَرَاء الدَّوْلَة النَّجَاحِيَّة وثامن حكامها، حَكَمَ تَهَامَة وعاصمته زَبِيْد، وابْتَدَأَ حُكْمُهُ وهو صغير في السن بعد مَقْتَل أَبِيْهِ مَنْصُوْر سنة [519هـ/1125م]، وَاسْتَمَرَّ حاكمًا لِمُدَّةِ 12 سنة، خِلالَ الْفَتْرَةِ: [519 – شَعْبَان 531هـ/ 1125 – مَايُو 1137م]، وخلالها لم يكن يملك من الأمر شيئًا سوى ذِكْرِ اسمه في خطبة الجمعة فَقَطْ، إِذْ كَانَ الأمر والنهي بيد وزرائه: مَنِّ الله، ثُمَّ زريق، ثُمَّ مفلح، ثُمَّ إقبال الفاتكيين، وَعَاصَرَ من دُوَلِ الْيَمَن: الصُّلَيْحِيَّة وَالزُّرَيْعِيَّةَ والقحطانية وآل الدَّغَّار، ومن دُوَل الإقليم: الْعَبَّاسِيَّة، وَالْفَاطِمِيَّة، وانتهى حُكْمُهُ بوفاته بواسطة السُّمِّ في شَعْبَان سنة 531هـ، الْمُوَافِق: مَايُو 1137م، عَلَى يَدِ عبده ووزيره إقبال الفَاتِكي، وَبِمَقْتَلِهِ انْتَهَتْ سُلطة السلالة النَّجَاحِيَّة بشكل فعلي، مَعَ أَنَّهَا بقيت شكلية لابن عَمِّهِ فاتِك الثَّالِث، وفيما يلي نُبْذَة مختصرة عنه.

يمانيون/ صالح مقبل فارع.

 

◆ نَسَبُهُ وَمَوْلِدُهُ:

هُوَ الأَمِيْر فَاتِكُ الثَّانِي ابن مَنْصُوْرٍ بن فَاتِكٍ الأول بن جَيَّاش بن نَجَاح الحَبَشِي، سادس أمراء الدولة النَّجَاحِيَّة التي حكمت زَبِيْد وتهامة اليمنية منذ مطلع القرن الخامس الهجري، وهو من نسل الأمير نجاح الحبشي مُؤَسِّس الدولة النَّجَاحِيَّة في زَبِيْد سنة [412هـ /1022م].

وكان أبوه: الأمير مَنْصُوْر بن فَاتِك الأول بن جَيَّاش، من حكام الدولة النجاحية، وقد قُتل سنة 519هـ/1125م، فتولى ابنه فاتك الثاني الحكم بعده وهو لا يزال صغير السن.

أما والدته فهي الحُرَّة عَلَم، إحدى الشخصيات السياسية البارزة في الدولة النجاحية، وكان لها دور كبير في إدارة شؤون الدولة خلال فترة ضعف ابنها لصغر سِنِّهِ.

 

◆ تَوَلِّيْهِ الحُكْمَ وَمُدَّة حُكْمِهِ:

تَوَلَّى الأَمِيْر فاتك الثاني إمارة الدولة النجاحية عقب مقتل أبيه منصور سنة 519هـ / 1125م، وكان عمره صغيرًا، لذلك لم يستطع ممارسة السلطة بنفسه، فانتقلت إدارة الدولة إلى كبار الوزراء والقادة.

واستمر حكمه مُدَّة اثنتي عشرة سنة، من سنة 519هـ إلى شعبان 531هـ، الْمُوَافِق: 1125 – مايو 1137م.

ورغم كونه الأمير الشرعي للدولة، فإن سلطته كانت اسمية أكثر منها فعلية، فلم يكن له من الحكم إلا:

– ذكر اسمه في خطبة الجمعة.

– حمل لقب أمير الدولة النجاحية.

– الظهور الرسمي أمام الناس.

أما إدارة الجيش والمال والسياسة الداخلية فكانت بيد الوزراء الذين تعاقبوا عليه.

 

◆ أوضاع الدولة النجاحية في عهده:

كان عهد فاتك الثاني يمثل مرحلة انتقالية مهمة في تاريخ الدولة النجاحية؛ فقد كانت الدولة قد فقدت كثيرًا من قوتها السابقة، وأصبحت السلطة الحقيقية بيد الوزراء والقادة العسكريين.

فالأمير فاتك الثَّانِي لم يكن لَهُ إلا السُّلْطَة الاسمية فَقَطْ، حَيْثُ إنه لم يكن يملك من الأمر شَيْئًا، سوى ذكر اسمه في خطبة الجمعة، أما الأمر والنهي والحكم الفعلي فكان بيد وزيره “مَنِّ الله”، ثم وزيره زريق، ثم وزيره مفلح، ثم وزيره إقبال.

وقد عاصر الأمير فاتك الثاني عددًا من القوى السياسية داخل اليمن وخارجه، منها:

في اليمن:

– الدولة الصُّلَيْحِيَّة فِيْ جِبْلَة.

– الدولة الزُّرَيْعِيَّة في عَدَن.

– الدولة القحطانية في حَضْرَمَوْت.

– دَوْلَة آل الدَّغَّار فِيْ حَضْرَمَوْت.

في العالم الإسلامي:

– الدولة العباسية في بغداد.

– الدولة الفاطمية في مصر.

وكانت تهامة في ذلك الوقت تشهد صراعًا بين القوى المحلية، مما أدى إلى زيادة نفوذ الوزراء والقادة على حساب الأمير.

 

◆ وزراء الأمير فاتك الثَّانِي:

كان الوزراء خلال عهده هم أصحاب القرار الحقيقي، وتعاقب على الوزارة أربعة من كبار رجال الدولة:

 

أوَّلاً: وزارة “مَنِّ الله” الْفَاتِكِيّ [517 – 524هـ /1123 – 1130م]:

كَانَ “مَنُّ الله الْفَاتِكِيّ” وزيرًا لِلدَّوْلَةِ النَّجَاحِيَّة منذ عهد الأمير منصور والد فاتك الثاني، وكان صاحب نفوذ كبير في الدَّوْلَة، وَهُوَ الْحَاكِم الفعلي والآمر الناهي فِيْ الدَّوْلَة.

وقد ارتبط اسمه بمقتل الأمير منصور بن فاتك، ثم استمر وزيرًا في بداية عهد فاتك الثاني.

غير أن وزارته لم تدم طويلًا، إذ تُوُفِّيَ فِيْ 5 جمادى الأولى 524هـ(1)، الْمُوَافِق: 15 أبريل 1130م، وبوفاته انتقلت الوزارة إلى زريق الْفَاتِكِيّ.

 

ثَانِيًا: وزارة زُرَيْق الْفَاتِكِيّ [524 – 525هـ / 1130 – 1131م]:

تَوَلَّى زريق الْفَاتِكِيّ الوزارة بعد وفاة الْوَزِيْر السَّابِق “مَنِّ الله”، باختيار من الحُرَّة عَلَم والدة الأمير فاتك الثَّانِي، وَكَانَ الْحَاكِم الفعلي لِلدَّوْلَةِ، وَمَا لأميره سوى الاسم فَقَطْ.

كان له من الولد 30 ولدًا، وكان من أبرز رجال الدولة النجاحية، ووصف بأنه:

– كريم.

– شجاع.

– صاحب رأي وتدبير.

لكنه لم يكن صاحب نفوذ كامل في شؤون الجيش، ومع مرور الوقت ضعف عن إدارة الدولة، فاستقال من الْوَزَارَة(2)، ودعا إلى تَوْلِيَةِ أبي مَنْصُوْر مُفْلِح الْفَاتِكِيّ.

 

ثَالِثًا: وزارة مفلح الْفَاتِكِيّ [525 – 529هـ / 1131 – 1134م]:

تَوَلَّى مُفْلِح الْفَاتِكِيّ أبو منصور الوزارة، وكان من أقوى وزراء الدولة النجاحية.

وهو من بطن من الحبشة يقال لهم سَحَرت؛ من أعيان الناس، وكان عبيد فَاتِك ينبزونه بالبغل؛ فكان يقال له مفلح البغل؛ ولا يغضب من ذلك، وكان يقول: والله ما عصيت الله بفرجي منذ خُلِقْت.

وكان رجلًا معروفًا بالعلم والأدب والفصاحة، ووصفه المؤرخون بأنه:

– فقيه.

– أديب.

– شجاع.

– كريم.

– حسن السياسة.

حتى قيل عنه إنه لو كان من نسب عربي رفيع لكان من كبار رجال الخلافة.

وكانت السلطة في عهده بيده بصورة كاملة، ولم يكن للأمير فاتك الثاني إلا الاسم والخطبة.

لكن حدث خلاف بينه وبين القائد سرور الْفَاتِكِيّ، فعمل سرور على إخراجه من زبيد.

فخرج مفلح إلى حصن يسمى: الكرش في جبال بُرَع.

ومن هناك بدأ يشن الغارات على تهامة، ثم دارت بينه وبين سرور مواجهات انتهت بهزيمته.

وَتُوُفِّيَ مُفْلِح في حصنه سنة 529هـ / 1134م، وخلف ابنه منصور بن مفلح الذي واصل الصراع مَعَ سرور فترة من الزمن(3)، ثمَّ ترك الْوَزَارَة لإقبال.

 

رَابِعًا: وزارة إقبال الْفَاتِكِيّ [529 – 531هـ / 1134 – 1137م]:

كان إقبال الْفَاتِكِيّ آخر وزراء الأمير فاتك الثاني، وهو الوزير الخامس في تاريخ الدولة النَّجَاحِيَّة.

بلغ نفوذه حدًا كبيرًا حتى أصبح الحاكم الفعلي للدولة.

وقد اختاره الْوَزِيْر مَنْصُوْر بن مُفْلِح وَزِيْرًا للأَمِيْر فاتك بن مَنْصُوْر، لكنه غدر بِمَنْصُوْرٍ بن مُفْلِح وقتله ليلًا، مما أثار غضب القادة وأعيان الدَّوْلَة وخاصة سرور الْفَاتِكِيّ.

ثم حاول إقبال تهدئة الأوضاع، لكنه لم يستطع الحفاظ على سلطته طويلًا.

وانتهى الأمر بقيامه بقتل الأمير فاتك الثاني نفسه بالسم فِيْ شعبان سنة 531هـ، الْمُوَافِق: أيار، مايو 1137م(4).

ولم يكن لسيده عَقِب؛ فاتفق رأي أعيان الدولة على ابن عم له، اسمه فَاتِك بن محمد بن فَاتِك؛ المقدم ذكره ابن الملك جَيَّاش، وكان ضعيف العزم؛ ولم يقم للوزير إقبال بعد قتله لسيده حال يرتضى(5).

 

◆ مقتل الأمير فاتك الثَّانِي:

انتهى حُكمُ الأَمِيْر فَاتِك الثَّانِي بطريقة مأساوية، إذ قُتل بالسم على يد وزيره وعبده: إقبال الْفَاتِكِيّ، وذلك في: شعبان سنة 531هـ، الْمُوَافِق: مَايُو 1137م(6).

وكان مقتله نقطة تَحَوٌّلٍ كبرى في تاريخ الدولة النجاحية، إذ انتهت بعده سلطة الأسرة الحاكمة بشكل فعلي، وأصبحت الدولة تحت سيطرة الوزراء والقادة.

ولكنه الإِمَارَة بقيت حكومةً شكلية بيد ابن عمه: فاتك الثالث بن محمد بن فاتك، الَّذِي تَوَلَّى بعده الإِمَارَة بِصُوْرَةٍ شكلية.

 

◆ أَهَمِّيَّة عهد فاتك الثاني في تاريخ الْيَمَن:

رغم أن الأمير فاتك الثاني لم يكن صاحب سلطة فعلية، فإن عهده يمثل مرحلة مهمة في تاريخ الدولة النجاحية؛ لأنه شهد:

– آخر فترة قوة حقيقية للسلالة النجاحية.

– انتقال السلطة من الأسرة الحاكمة إلى الوزراء.

– بداية الانهيار السياسي للدولة في زبيد.

– تصاعد نفوذ القادة العسكريين.

– ضعف البيت النجاحي أمام القوى اليمنية المنافسة.

 

◆ خلاصة:

كان الأمير فاتك الثاني ابن منصور بن فاتك الأول بن جَيَّاش النجّاحي ثامن حكام الدولة النجاحية، وآخر أمرائها الأقوياء. تولى الحكم صغيرًا بعد مقتل أبيه سنة 519هـ/1125م، وحكم اثنتي عشرة سنة حتى مقتله سنة 531هـ/1137م.

ورغم حمله لقب أمير تهامة، فإن الوزراء هم الذين حكموا الدولة فعليًا، وكان آخرهم الوزير إقبال الفاتكي الذي أنهى حياته بالسم، وبوفاته دخلت الدولة النجاحية مرحلة الضعف والانحلال السياسي.

 

◆ الهوامش:

(1) الْفَضْل المزيد 68.
(2) الفضل المزيد 69.
(3) الفضل المزيد 69.
(4) الفضل المزيد 65، 70، تاريخ حضرموت للحامد 447.
(5) الفضل المزيد 70.
(6) الفضل المزيد 65، 70، تاريخ حضرموت للحامد 447.

 

◆ المصادر والمراجع:

الفَضْلُ المزيد على بغية المستفيد في أخبار مدينة زَبِيْد، تأليف: العلامة عَبْدالرَّحْمَنِ بن عَلِي مُحَمَّد الدَّيْبَع الشيباني، تحقيق: الدكتور يوسف شُلحُد، مركز الدراسات والبحوث الْيَمَني، صنعاء،1983م.

تَارِيْخ حَضْرَمُوْت للحامد: تَارِيْخ حَضْرَمَوْت، تأليف: صَالِح الْحَامِد، مكتبة الإرشاد، صَنْعَاء الْيَمَن، توزيع: مكتبة تريم الحديثة، الطبعة الثانية 1423هـ – 2003م.

* * *

 

You might also like