المنافقون .. تشخيص قرآني لواحد من أخطر التحديات التي تواجه الدين والمجتمع

في معركة الوعي لا يوجد فراغ، ولا حياد، ولا مناطق آمنة،  ومن هذا المنطلق، يقدّم الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، تشخيصًا بالغ العمق لواحد من أخطر التحديات التي تواجه الدين والمجتمع، تحوّل النفاق من حالة خفية إلى منظومة متمرّسة تضرب القيم من الداخل، لا يتعامل هذا الطرح مع النفاق بوصفه خللًا أخلاقيًا عابرًا، ولا كظاهرة هامشية مرتبطة بأشخاص معزولين، بل يضعه في سياقه الحقيقي كمشروع مضاد للإيمان، ينمو ويتطوّر كلما تراجع الوعي، وكلما أُهملت تزكية النفوس، وكلما اكتفى الناس بالشكل على حساب الجوهر،  وفي المقابل، يؤكد أن الإيمان مسؤولية مستمرة، إن لم تُحمَل بوعي وبصيرة، تحوّل غيابها إلى فرصة تاريخية للنفاق كي يرتقي إلى أخطر مراحله.
وانطلاقًا من التحذير القرآني الصريح في قوله تعالى : {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}، يضع الشهيد القائد القارئ أمام حقيقة صادمة، إن أخطر التهديدات التي واجهت الدين لم تكن دائمًا من خارجه، بل من داخله، من أولئك الذين أتقنوا لبس الأقنعة، واستخدموا اللغة الدينية، وتحدثوا بلهجة الحرص، بينما كانوا يعملون على ضرب الثقة، وتفريغ القيم، وبث التثبيط والخذلان في النفوس.

يمانيون / أعده للنشر / طارق الحمامي

 

هذا التقرير يحاول تفكيك الأبعاد الفكرية والقيمية لهذا التحذير، ويقرأ دلالاته في واقع تتعقّد فيه أدوات التضليل، ويتحوّل فيه النفاق إلى خطاب ناعم، وإلى تأثير نفسي، وإلى قدرة على إرباك الوعي دون ضجيج، كما يسلّط الضوء على المسؤولية الفردية والجماعية في مواجهة هذا الخطر، من خلال تنمية الإيمان الواعي، وبناء البصيرة، واستعادة المعنى الحقيقي للدين كمنظومة قيم حية لا كشعارات مكرّرة.

 

يؤكد الشهيد القائد أن النفاق ليس وضعًا ثابتًا، بل مسارًا تصاعديًا، يخضع لعملية تطوير مستمر، تمامًا كما ينمو الإيمان لدى الإنسان الواعي، فإذا قصّر الإنسان في تربية نفسه، ولم يعمل على تنمية وعيه وبصيرته، فإن الطرف المقابل في معادلة الصراع هو من سيتقدّم ، ولذا فهو يقول : ((إذا أنت لم تربِّ نفسك، إذا أنت لم تنمِّ إيمانك ووعيك، فإن المنافقين هم من ينمّون نفاقهم، هم من يطوّرون أساليبهم حتى يصبحوا مردة)) ، وهنا تتحول المسألة من ضعف فردي إلى خطر جماعي، حين يصبح النفاق قوة منظمة قادرة على التأثير والتخريب.

 

المردة .. أخطر درجات النفاق
يستحضر الشهيد القائد قوله تعالى:{وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} ، ليبيّن أن أخطر أشكال النفاق هو ذلك الذي يبلغ مرحلة التمرّس والاحتراف، حيث يتمكن أصحابه من إخفاء حقيقتهم، حتى عن المجتمع الواعي، بل وحتى في زمن الرسالة عن رسول الله صلوات الله عليه وآله،  وهذه الدرجة من النفاق لا تقوم على المواجهة الصريحة، بل على التمويه، واستغلال اللغة، وضرب النفوس من الداخل.

أدوات التأثير .. التثبيط والخذلان
يشير الشهيد القائد إلى أن المنافقين ’’المردة’’ يعتمدون على خطاب ناعم في ظاهره، هدّام في جوهره، يقوم على، بثّ الشكوك، وترويج عبارات التثبيط، وتصوير التراجع على أنه عقلانية، وتقديم الخذلان بوصفه حرصًا أو نصيحة، وبذلك يصبح تأثيرهم بالغ الخطورة، لأنهم لا يستهدفون المواقف فقط، بل الروح المعنوية واليقين الداخلي.

 

شواهد واقعية .. حين تحوّل النفاق المتمرّس إلى اختراق وتجسّس
من أخطر الدلالات العملية للتحذير الذي أطلقه الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي، ما شهدته الساحة من كشف حالات اختراق عميقة تمثّلت في سقوط عناصر عملت لسنوات داخل النسيج الاجتماعي والمؤسسي، قبل أن تنكشف حقيقتها كأدوات تجسّس لصالح العدو، ساهمت في جرائم جسيمة وخسائر مؤلمة، هذه الشواهد لا تُقرأ بوصفها أحداثًا أمنية معزولة، بل كترجمة واقعية لما حذّر منه الشهيد القائد مبكرًا، أن النفاق، حين يُترك لينمو دون وعي، لا يبقى عند حدود الخطاب أو التثبيط، بل يتطوّر إلى اختراق فعلي، وإلى عمل منظّم يخدم مشاريع العدو من داخل الصف، وهنا تتجلى خطورة ما وصفه القرآن بـ {مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ}، أي أولئك الذين بلغوا درجة من التمرّس جعلتهم قادرين على التخفّي طويلًا، والعمل بهدوء، وإحداث أثر بالغ دون أن يُكشفوا في بداياتهم.

 

البعد القيمي .. لماذا يشكّل المنافقون أخطر تهديد للدين؟
في عمق هذا الطرح، يبرز البعد القيمي بوصفه جوهر الفكرة، فالدين، في أساسه، منظومة قيم قائمة على الصدق، والإخلاص، والانسجام بين القول والعمل،  والنفاق، في المقابل، هو النقيض التام لهذه المنظومة، ومن هنا، يصبح المنافقون أخطر على الدين من أعدائه المعلنين، لأنهم لا يواجهونه من خارجه، بل ينخرونه من داخله، ولا يهاجمون النص مباشرة، بل يضربون الثقة به وبحامليه، ولا يرفضون القيم صراحة، بل يعيدون تشكيلها وتشويهها، إنهم يقلبون المعايير، فيُفرغ الدين من مضمونه القيمي، ويحوّلونه إلى شعارات بلا أثر، ما يؤدي إلى إرباك الوعي الجمعي، واختلاط الحق بالباطل،

 

الإيمان الواعي كحائط صدّ قيمي
في مواجهة هذا الخطر، يربط الشهيد القائد بين تنمية الإيمان والوعي، وبين حماية الدين في بعده القيمي، فالإيمان وفق هذه الرؤية، ليس طقوسًا شكلية، بل وعي يكشف الخطاب الملتبس، وبصيرة تميّز بين النصيحة والتثبيط، وثبات قيمي يحول دون الانجرار خلف التبريرات المفرغة للدين من روحه.
ولهذا يؤكد مخاطبًا من يريد أن يكون من أنصار الحق في عصر بلغ فيه النفاق ذروته، والضلال قمته، أن المسؤولية تبدأ من بناء الذات، قبل أي مواجهة خارجية.

ختاماً 
يخلص الشهيد القائد في هذا التحذير القرآني إلى معادلة واضحة، وهي إما أن يُنمّي الإنسان إيمانه ووعيه، فيحفظ القيم ويحمي الدين من التشويه، وإما أن يترك الساحة فارغة، فيملؤها المنافقون، ويطوّرون نفاقهم حتى يصبحوا ’’مردة’’ قادرين على ضرب النفوس قبل المواقف، وبين الخيارين، تتحدد ملامح الصراع الحقيقي،  صراع على الوعي، وعلى القيم، وعلى صدق الانتماء للدين.

You might also like