“هندسة الاستنزاف”.. المقاومة اللبنانية تُسقط أوهام التفوق البري بـ “تكتيك الغمر” وكمائن المسافة صفر

يمانيون |
​تتواصل فصول ملحمة “العصف المأكول” في يومها السادس والعشرين، لترسم خارطة طريق جديدة لمفهوم الدفاع الاستراتيجي وحروب العصابات المنظمة.

لم تكن الساعات الثماني والأربعون الماضية مجرد جولة قتالية اعتيادية، بل كانت تجسيداً حياً لـ “هندسة الاستنزاف” التي تديرها غرف عمليات المقاومة الإسلامية بكفاءة تكتيكية عالية.

لقد تحولت تضاريس الجنوب اللبناني الشامخة إلى فخاخ مميتة تبتلع أوهام التفوق البري لجيش العدو الصهيوني، محوّلةً قوات “النخبة” التي تباهى بها قادة الكيان إلى وحدات تائهة تبحث عن مخرج من جحيم النيران المنسقة.

ما نشهده اليوم هو هجوم معاكس ومنظم يستهدف تحطيم إرادة القتال لدى المحتل، بدءاً من الالتحام المباشر من مسافة صفر في أطراف “شمع”، وصولاً إلى دك القواعد الاستراتيجية في عمق حيفا المحتلة.

“تكتيك الغمر المشغل”.. العبقرية التقنية في كسر العمق المحمي

​في سماء معركة “العصف المأكول”، تجلت صياغة عسكرية بالغة التعقيد تُعرف بـ “تكتيك الغمر المشغل”.

هذا الابتكار الذي أذهل مراقبي الشأن العسكري، حوّل الرشقات الصاروخية المكثفة من مجرد وسيلة تدميرية إلى غطاء إلكتروني وناري يهدف إلى شلّ قدرة منظومات الدفاع الجوي الصهيوني.

​وفقاً للمعطيات الميدانية، فإن إطلاق المقاومة لأكثر من 100 صاروخ في آن واحد —كما جرى في عمليات “نهاريا والكريوت والناقورة”— لم يكن يستهدف فقط النقاط العسكرية، بل هدف بالدرجة الأولى إلى إغراق رادارات “القبة الحديدية” بآلاف الأهداف الوهمية والحقيقية.

هذا “الإشباع المعلوماتي” فرض على المعالجات الرقمية للعدو حالة من الشلل، واستهلك مخزونه من الصواريخ الاعتراضية، فاتحاً ثغرات زمنية ومكانية نفذ من خلالها سرب المسيّرات الانقضاضية نحو أهدافه النوعية بدقة جراحية.

​نجاح المسيّرات في الوصول إلى “قاعدة نشريم” جنوب شرق حيفا، و”قاعدة ميرون”، و”ثكنة شوميرا”، هو النتيجة الحتمية لهذه المعادلة الحسابية.

وبينما كان العدو يلهث خلف الصواريخ التي ملأت شاشات راداراته، كانت المسيّرات تتجاوز الخطوط الأمامية لتنقض على رؤوس الهرم القيادي واللوجستي، محولةً فخر الصناعة الدفاعية الصهيونية إلى مجرد شاهد عيان على عبور سلاح المقاومة الجوي نحو أهدافه المرسومة.

​ملاحم الحافة الأمامية.. جحيم المسافة صفر في “شمع” و”الطيبة”

و​على الأرض، حيث تلتحم الإرادة بالتراب، خاض مجاهدو المقاومة اشتباكات ضارية عكست الثبات الأسطوري في بلدة “شمع” اللبنانية.

هناك، وجد العدو نفسه أمام حائط بشري صلب يرفض الانكسار، حيث استُخدمت الأسلحة الخفيفة والمتوسطة لإيقاع إصابات مباشرة في صفوف قوات النخبة المتوغلة.

​أما في بلدة “الطيبة”، فقد كُتب فصل جديد من فصول الإذلال الصهيوني. عند الساعة 12:30 بعد منتصف الليل، رصدت عيون المقاومة تحركات لقوة معادية عند “بيدر الفقعاني” تحاول التقدم نزولاً باتجاه مجرى نهر الليطاني.

وفي تجلٍ واضح للتكتيك الدفاعي المحكم، تم استدراج هذه القوة إلى “كمين ناري” استُخدمت فيه الصواريخ والقذائف والمحلقات الانقضاضية بشكل متزامن.

تحولت المنطقة فوراً إلى “بقعة قتل”، حيث حُصدت أرواح جنود العدو الذين اضطروا للاحتماء بغطاء دخاني كثيف لسحب جثثهم وجرحاهم عبر المروحيات، في عملية إخلاء وصفها إعلام العدو بـ “المعقدة والصعبة”.

​ولم يقتصر التنكيل عند هذا الحد، بل امتد ليشمل بلدة “البياضة” التي شهدت فصولاً من الإبداع المقاوم، حيث تم استهداف قوى تحصنت في المنازل بمسيّرات انقضاضية، وعند وصول قوات الإخلاء، كان المجاهدون بانتظارهم بصلبات صاروخية ضاعفت جراحهم وأربكت حساباتهم.

مقبرة المدرعات.. “الميركافا” و”النمر” تحت مقصلة الكورنيت

​لقد سقطت في هذه المعركة سردية “التفوق المادي” لسلاح المدرعات الصهيوني.

لم تعد دبابات “الميركافا” ولا مدرعات “النمر” —التي تُسوق كفخر للصناعة العسكرية الإسرائيلية— قادرة على حماية أطقمها.

​وثقت المشاهد البطولية استهداف دبابة “ميركافا” في محيط “بركة دبل” بصاروخ موجه أخرجها عن الخدمة وحولها إلى حطام يحترق.

وفي محيط “الخزان” ببلدة “القنطرة”، دمر المجاهدون دبابتي “ميركافا” في ضربة واحدة فجراً، ثم أتبعوها بثالثة عصراً، مؤكدين إصرارهم على شل الحركة المدرعة للعدو.

ولم ينجُ سلاح الهندسة القتالية، حيث وقعت وحدات من فرقة “يهلوم” وقوات المظليين في كمائن مركبة أدت إلى تدمير مدرعتين من طراز “نمر” وتركهما في الميدان بعد تعذر سحبهما تحت وطأة النيران.

التفوق الاستخباري وشل عصب القيادة

​بالتوازي مع صليل السيوف في الميدان، كانت “عقول” المقاومة تدير معركة استخبارية متفوقة.

رصدت المقاومة بدقة متناهية تموضع قوة صهيونية داخل منزلين غرب منطقة “الحزّان” في بلدة “القنطرة”، وباغتتها بصواريخ موجهة حولت تحصنهم إلى مقابر.

​هذا التفوق امتد ليصل إلى مراكز الثقل الاستراتيجي، حيث استهدفت المقاومة “قاعدة ميشار”، وهي مقر الاستخبارات الرئيسية للمنطقة الشمالية شمال شرق “صفد” المحتلة.

إن ضرب “عقل” العدو الاستخباري بالتوازي مع ضرب “عضلاته” الميدانية يعكس سيطرة كاملة للمقاومة على مسرح العمليات، بينما يعاني العدو من تخبط واضح وفقدان للقدرة على التمييز بين الهجوم الإشغالي والهجوم الضارب.

​صليات “الوعد الصادق” وحصار المستوطنات

و​لم تكن الجبهة الداخلية للكيان بمنأى عن هذا العصف؛ فالتزاماً ببيانات التحذير السابقة، دكت صواريخ المقاومة مستوطنات “المالكية، أفيفيم، شلومي، وكريات شمونة”، فارضةً واقعاً أمنياً أجبر مئات الآلاف من المستوطنين على البقاء في الملاجئ.

​لقد سجلت المقاومة رقماً قياسياً بتنفيذ 82 عملية متنوعة في يوم واحد، تضمنت قصف مرابض المدفعية في “عرب اللويزة” و”الزاعورة” و”غيفعات هائيم”، ما شل قدرة العدو على التمهيد الناري لقواته المتوغلة.

كما تجلى الدفاع الجوي النوعي بالتصدي لطائرة استطلاع مأهولة من نوع “أر سي 12” في أجواء البقاع الغربي وإجبارها على التراجع، لتؤكد المقاومة أن الأجواء اللبنانية ليست مستباحة.

​الخاتمة: ميزان القوى لمن يمتلك الأرض والحق

​في ختام هذه الساعات الثماني والأربعين من المواجهة ، يتضح أن ميزان القوى على الأرض يميل بوضوح لمصلحة من يمتلك الأرض والحق والإرادة.

إن اعترافات العدو بإصابة ضباط برتب رفيعة، ونقل عشرات الجرحى في مروحيات الإخلاء، وتدمير فخر صناعته العسكرية، ليست إلا غيضاً من فيض الهزيمة المادية والنفسية التي يتجرعها الكيان.

​لقد أثبتت المقاومة في لبنان أنها لا تمتلك فقط مخزوناً صاروخياً هائلاً، بل تمتلك “ذكاءً ميدانياً” قادراً على تعطيل التفوق التكنولوجي للمحتل وجعله عبئاً عليه.

ستظل ملحمة “العصف المأكول” منارة للبطولة، وسيبقى الجنوب اللبناني —كما كان دائماً— مقبرة للغزاة، حيث تُكتب فصول النصر بدم المجاهدين وبراعة عقولهم التي تدير “هندسة الاستنزاف” حتى التحرير الكامل.

You might also like