من الري إلى الطرقات.. جهود مجتمعية تتحول إلى ركيزة للبناء والإعمار

يمانيون |
​في الوقت الذي تشتد فيه الأزمات وتتراجع القدرات التمويلية التقليدية، ينبثق من قلب المعاناة في اليمن نموذج تنموي فريد، يعيد صياغة العلاقة بين الأرض والإنسان.

لم تعد “المبادرات المجتمعية” مجرد أنشطة خيرية عابرة أو حلولاً ترقيعية لمشاكل طارئة، بل تحولت إلى استراتيجية بقاء ومنهجية بناء متكاملة.

ومن سهول تهامة الساحلية إلى قمم جبال المحويت الشاهقة، ومن وديان الضالع إلى هضاب ذمار، يكتب أبنائها فصلاً جديداً من فصول الاعتماد على الذات.

هذا التقرير يسلط الضوء على أربع محطات تنموية جاري تنفيذها بإمكانيات ذاتية، محولاً التحديات إلى فرص حقيقية للاستقرار والإنتاج.

​ “شريان الزهرة”.. ملحمة الإرواء في عزلة الشرقي بالحديدة

​تحت لظى الشمس التهامية، حيث تكتسب الأرض قيمتها من قطرة الماء، انطلقت في مديرية الزهرة بمحافظة الحديدة مبادرة تُعد الأكبر من نوعها في المنطقة مؤخراً.

برعاية الهيئة العامة لتطوير تهامة، تحركت “جمعية الزهرة التعاونية الزراعية” لكسر الحصار المائي الذي فرضه تهالك الشبكات القديمة على قرية “جبر” والقرى المجاورة لها.

​السرد الميداني لهذه المبادرة يكشف عن تنظيم دقيق؛ حيث لم تكن العملية مجرد حفر عشوائي، بل خطة هندسية شملت توفير أكثر من 650 ماسورة ممتدة على مسافة تزيد عن ثلاثة كيلومترات.

مشهد “البوكلين” وهو يشق مجرى الشبكة كان يمثل لآباء القرى هناك حلماً طال انتظاره لإيصال المياه إلى الخزان التجميعي ومن ثم إلى المنازل المحرومة.

​ما يميز هذه المبادرة هو “المعادلة التشاركية”؛ فبينما قدمت الجمعية والهيئة الدعم الفني والمعدات، تكفل المواطنون –رغم شح الإمكانيات– بتوفير مادة الديزل وأجور التشغيل.

هذا التلاحم لم يكن تقنياً فحسب، بل كان رسالة اجتماعية مفادها أن صيانة الأرض والحق في المياه هما مسؤولية جماعية تبدأ من الفرد لتنتهي عند المؤسسة.

إن نجاح إيصال المياه لقرى “الزغابية” و”جبر” يضع حجر الأساس لمشاريع ري زراعية أوسع، تعيد لتهامة بريقها كـ “سلة غذاء اليمن”.

​ “سد عدنة” بالضالع.. استعادة الذاكرة المائية لإنقاذ الموسم الزراعي

و​بعيداً عن السواحل، وفي مرتفعات مديرية جبن بمحافظة الضالع، كانت هناك معركة من نوع آخر؛ معركة ضد “الإطماء” والرسوبيات التي كادت تقضي على جدوى سد “عدنة” في عزلة نعوة.

لسنوات طويلة، تراجعت السعة التخزينية للسد نتيجة تراكم المخلفات، مما تسبب في حرمان المزارعين من ري أراضيهم، وهو ما هدد الأمن الغذائي المحلي.

​قيادة جمعية جبن التعاونية، بقيادة رئيسها ماجد الحجاجي، لم تنتظر ميزانيات حكومية ضخمة، بل استنهضت الهمم المجتمعية.

العمل الجاري اليوم في بحيرة السد هو سباق مع الزمن قبل حلول موسم الأمطار.

المشهد هناك أشبه بخلية نحل؛ متطوعون ولجان مجتمعية تعمل بوتيرة عالية لرفع الأتربة والترسبات.

​الأهمية الاستراتيجية لهذا العمل تتجاوز تنظيف حوض مائي؛ فهي تهدف إلى تأمين مخزون استراتيجي لموسم الجفاف القادم، مما يضمن زيادة الإنتاج الزراعي وتحسين سبل العيش لمئات الأسر.

إن إعادة الروح لسد “عدنة” هي بمثابة إعادة الروح للأرض التي كاد الجفاف يقتلها، وهي تجربة تؤكد أن الحفاظ على المنشآت المائية القائمة لا يقل أهمية عن بناء منشآت جديدة.

​ “منارة جبل الشرق”.. التكامل بين دور العبادة وساحات العلم بذمار

و​في محافظة ذمار، وتحديداً في مركز مديرية جبل الشرق (الجمعة)، اتخذت المبادرات المجتمعية بُعداً خدمياً وتعليمياً متكاملاً. الجامع الكبير، الذي يمثل المركز الروحي والاجتماعي للمديرية، كان بحاجة ماسة لتوسعة مرافقه لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المصلين وطلاب العلم.

​بتكلفة إجمالية تجاوزت 24 مليوناً و800 ألف ريال، وبدعم كامل من فاعلي الخير والمواطنين، بدأ تنفيذ مشروع بناء 23 وحدة صحية إضافية، والأهم من ذلك، إنشاء مدرسة “جيل القرآن الكريم” في الدور الثاني.

هذه المدرسة، المكونة من خمسة فصول دراسية، تمثل استثماراً في رأس المال البشري.

​خلال أعمال الصب الخرساني، كان الاحتفاء الشعبي يعكس قيمة “الاعتماد على الذات”.

هذه المبادرة لم تكن مجرد بناء جدران، بل كانت “صدقة جارية” وفعلاً تنموياً يواكب احتياجات المجتمع التعليمية والدينية.

إن قدرة المجتمع في جبل الشرق على جمع هذه المبالغ وتنفيذ المشروع بإشراف جمعيتهم التعاونية، في ظل ظروف الحصار والعدوان، تعطي مؤشراً قوياً على أن الوعي المجتمعي قد نضج بما يكفي لإدارة شؤونه الخدمية بكفاءة عالية.

​ “طريق بيت الجلال” بالمحويت.. كسر العزلة بالحجر والإسمنت

​وفي التضاريس الوعرة لمحافظة المحويت، تظل “الطريق” هي التحدي الأكبر. في قرية بيت الجلال بمديرية الطويلة، تحول حلم الوصول السهل إلى حقيقة ملموسة عبر سواعد أبناء القرية.

مشروع رصف الطريق بالحجارة والإسمنت الذي تنفذه المبادرة المجتمعية هناك يمثل شريان حياة يربط عزلة بني الذولاني بالعالم الخارجي.

​المعاناة التي كان يكابدها المواطنون، خاصة في مواسم الأمطار حيث تتحول الطرق الترابية إلى مستنقعات طينية تعيق الإسعاف والتنقل وتدفق البضائع، كانت الدافع الرئيسي لهذه الهبة الشعبية.

تحت إشراف وحدة التدخلات المركزية الطارئة، يواصل المواطنون رصف الطريق بحرفية عالية، محولين المسارات الوعرة إلى طرق آمنة ومستدامة.

​هذا النموذج في المحويت يسلط الضوء على “التكافل والعمل التشاركي”؛ حيث يساهم الفرد بجهده العضلي أو بماله، بينما تساهم الجهات الرسمية بالإشراف الفني وتوفير بعض المواد الأساسية (مثل الإسمنت أو الديزل).

إن رصف طريق “بيت الجلال” ليس مجرد تحسين للبنية التحتية، بل هو كسر للعزلة الجغرافية وتعزيز لفرص التنمية الاجتماعية والاقتصادية في تلك المناطق النائية.

​الختام: المبادرات كمنهجية للاستدامة والسيادة الوطنية

​إن القاسم المشترك بين هذه المشاهد التنموية الأربعة –رغم تباعد الجغرافيا واختلاف التخصصات– هو بروز “الإنسان اليمني” كفاعل تاريخي لا يقهر.

لقد أثبتت هذه التجارب أن المبادرات المجتمعية هي الرد العملي والأمثل على الحصار وتداعيات الحرب.

هي تجسيد حي لمبدأ “الاكتفاء الذاتي” الذي يبدأ من القرية ليمتد إلى الوطن بأكمله.

​لكن الاستدامة تقتضي ألا تتوقف هذه الجهود عند حد “الفزعة” الموسمية؛ بل يجب أن تتحول إلى مؤسسية مستدامة تقودها الجمعيات التعاونية الزراعية والسمكية، وبدعم فني وتشريعي من الدولة.

إن ما تشهده المحافظات من تنفيذ مبادرات مجتمعية تنموية هو دليل قاطع على أن اليمن، بسواعد أبنائه وعقولهم، قادر على إعادة إعمار ما دمرته السنين، وبناء مستقبل ترسم ملامحه كفاحات البسطاء الذين قرروا أن يزرعوا الأمل في كل شبر من أرضهم.

You might also like