بين مزاعم “ترامب” وحقائق الميدان .. الصواريخ الإيرانية تنسف خطاب “الانتصارات الوهمية”
يمانيون |
في مشهدٍ سياسي يطغى عليه التناقض الصارخ، أطلّ “المجرم” دونالد ترامب في خطابٍ انتظره الداخل الأمريكي بلهفة، ليقدم عرضاً مسرحياً منفصلاً تماماً عن الواقع الميداني.لم يكن الخطاب مجرد عرضٍ لسياسات الدولة الأعظم، بل كان محاولة بائسة لترميم صورة الردع المتآكلة، عبر ترويج “انتصارات وهمية” لا تجد لها صدىً إلا في مخيلة صانعي السياسة في البيت الأبيض.
وبينما كان ترامب يسهب في سرد تبريرات العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران، مدعياً إنجاز “تدمير شامل” لقدراتها، كانت صواريخ الحق والردع الإيراني تخطُّ روايتها الخاصة فوق القواعد الأمريكية والمواقع الصهيونية، محولةً مزاعم “النصر” إلى رماد سياسي وعسكري.
إننا أمام لحظة تاريخية يتجلى فيها صراع الإرادات بين غطرسة الإمبراطورية المأزومة وبين ثبات محور المقاومة الذي أثبت بالدليل العملي أن زمن “اضرب واهرب” قد ولى إلى غير رجعة.
تهاوي سردية “التدمير الشامل”.. الميدان يكذب ترامب
اعتمد ترامب في خطابه لغةً استعلائية، محاولاً إقناع الرأي العام بأن الإدارة الأمريكية حققت أهدافها العسكرية بالكامل.
قال بصلف: “لقد أنجزنا كل ذلك.. لقد دمرت بحرياتهم وقوتهم الجوية وصواريخهم على وشك النفاذ”.
لكن هذه المزاعم لم تصمد لدقائق معدودة؛ فبينما كانت الكلمات تخرج من فمه، كانت منصات الصواريخ الإيرانية تطلق حممها لتدك القواعد الأمريكية والأهداف الصهيونية في ردٍّ عملي مباشر ينسف فرضية “تدمير القدرات”.
إن الفشل الاستخباراتي والعسكري الأمريكي تجسد في عدم القدرة على رصد أو منع هذا الرد الصاعق.
فالصواريخ التي زعم ترامب أنها “نفدت”، ظهرت كأسرابٍ منظمة اخترقت أحدث منظومات الدفاع الجوي (باتريوت وثاد)، لتثبت أن البنية التحتية العسكرية لإيران ليست فقط صامدة، بل قادرة على المبادرة وتغيير قواعد الاشتباك.
هذا الفارق الشاسع بين “ادعاء الغرف المغلقة” و”حقائق الميادين المفتوحة” وضع المصداقية الأمريكية في الحضيض، وجعل من خطاب ترامب مادة للسخرية في الأوساط العسكرية الدولية التي تدرك أن تدمير قوة إقليمية بحجم إيران لا يتم بضربات خاطفة أو تصريحات تويترية.
تخدير الجماهير وأزمة أسعار الطاقة
ومع تنامي السخط الشعبي داخل الولايات المتحدة إزاء التكاليف الباهظة للحرب وتبعاتها الاقتصادية، حاول ترامب ممارسة “التخدير السياسي” لامتصاص غضب الشارع.
زعم ترامب أن الارتفاع الأخير في أسعار البنزين هو “نتيجة مباشرة لهجمات النظام الإيراني” ووصفه بأنه “ارتفاع قصير الأجل”.
لكن لغة الأرقام كانت أكثر قسوة؛ فبعد ساعة واحدة فقط من خطابه المتناقض، قفزت أسعار النفط بمقدار ستة دولارات، بينما هوت الأسهم الأمريكية في وول ستريت.
هذا التناقض يثبت أن الأسواق العالمية لا تثق في الوعود الأمريكية “الطمأنية” عندما تكون مرتبطة بعدوان مستمر.
إن محاولة ترامب إلقاء اللوم على إيران في أزمة الوقود هي هروب للأمام؛ فالحقيقة أن العدوان الأمريكي هو الذي زعزع استقرار سلاسل التوريد.
إن المواطن الأمريكي بات يدرك أن مغامرات قيادته في الشرق الأوسط هي التي تفرغ جيوبه، وأن “طمأنة الأسواق” لا تستقيم مع قرع طبول الحرب وتوسيع رقعة الصراع.
معضلة مضيق هرمز.. الفشل خلف ستار التدويل
وفي اعتراف ضمني بالعجز، حاول ترامب التقليل من الأهمية الاستراتيجية لبلاده في تأمين طرق الملاحة بعد أن اصطدم بالفشل في “هرمز”.
ادعى بتبسيط مخلّ أن “مضيق هرمز سيفتح تلقائياً عند انتهاء الصراع”، محاولاً رمي المسؤولية على الدول المستوردة للنفط.
هذا الموقف يعكس خيبة أمل عميقة؛ فلطالما كانت واشنطن تفاخر بقدرتها على فرض إرادتها في المضائق الدولية، لكنها اليوم تقف عاجزة أمام “ورقة هرمز” التي تحتفظ بها طهران كخيار استراتيجي رادع.
الصحافة الأمريكية نفسها نسفت سردية ترامب، معتبرة أن تجاهله لترابط الأسواق العالمية هو “انتحار اقتصادي”.
فالاضطراب في إمدادات الخليج يعني حتماً اشتعال الأسعار داخل كاليفورنيا ونيويورك، ومحاولة ترامب “تعهيد” أمن الملاحة للدول الأخرى هو إقرار بأن الولايات المتحدة لم تعد الشرطي الذي يهابه الجميع، وأن الهيمنة البحرية الأمريكية غدت أثراً بعد عين أمام التطور النوعي في قدرات البحرية الإيرانية وحرس الثورة.
خذلان “النيتو” والارتهان للمال الخليجي والصهيوني
ظهرت ملامح الورطة الأمريكية بوضوح في تحول خطاب ترامب نحو “المرتزقة السياسيين”.
ففي الوقت الذي انسحب فيه من التزاماته تجاه حلفاء “النيتو” التقليديين، أغدق الثناء على دول الخليج (السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، البحرين) جنباً إلى جنب مع كيان العدو الصهيوني.
هذا الاصطفاف الفاضح يكشف أن المحرك الحقيقي للسياسة الأمريكية هو “المال” و”أمن إسرائيل” فقط.
إن وعود ترامب بحماية هذه الدول هي “وعود شكلية” لا قيمة لها في ميزان العسكر؛ فبينما يَعِد بالحماية، يهدد في ذات الوقت باستهداف منشآت الطاقة والنفط الإيرانية، متجاهلاً تحذيرات طهران الصريحة بضرب أي منشأة أو دولة ينطلق منها العدوان.
هذا يعني أن واشنطن تضع حلفاءها في “خط النار الأول”، مستعدة للتضحية باستثماراتهم وأمنهم القومي في سبيل إنقاذ هيبتها الممرغة في التراب.
إن “الثناء” الترامبي ليس إلا غطاءً لابتزاز المزيد من المليارات، ووضع هذه الدول في فوهة البركان الإيراني الذي لن يرحم أدوات الاستعمار في المنطقة.
وحدة الساحات وفشل “المهمة السريعة”
كرر ترامب عبارته الشهيرة: “سننجز المهمة وسننجزها بسرعة كبيرة.. لقد اقتربنا جداً”.
لكن التاريخ القريب يثبت أن “المهام السريعة” الأمريكية في أفغانستان والعراق تحولت إلى كوابيس استنزاف دامت عقوداً.
واليوم، مع دخول محور المقاومة في حالة استنفار شامل، تصبح المهمة الأمريكية مستحيلة.
إن قدرة إيران على إدارة الصراع وتوجيه الضربات في عمق “الأهداف الصهيونية” تؤكد أن رهان ترامب على الحسم السريع هو ضرب من الخيال.
إن توسع الحرائق ليشمل المنطقة بالكامل، كما توعدت طهران، يعني أن المصالح الأمريكية والاستثمارات المرتبطة بها ستكون تحت رحمة الصواريخ والمسيّرات من اليمن إلى لبنان وصولاً إلى طهران.
لم يعد الأمر يتعلق بجغرافيا محدودة، بل بمعادلة “الأمن للجميع أو لا أمن لأحد”، وهي المعادلة التي لم يستوعبها ترامب بعد، غارقاً في غروره الذي يصوره له أن القوة العسكرية الغاشمة يمكنها كسر إرادة الشعوب الحرة.
الخاتمة: نهاية الغطرسة وبزوغ فجر السيادة
إن خطاب ترامب، بما حمله من تناقضات فجة وأكاذيب ميدانية، هو الوثيقة الرسمية لشهادة وفاة “الهيمنة الأحادية”.
لقد أثبت الرد الإيراني أن “جحيم المجهول” الذي يخشاه ترامب قد بدأ بالفعل، ليس ضد الشعوب، بل ضد الوجود الاستعماري في المنطقة.
إن “الانتصارات الوهمية” لن تبني مستقبلاً ولن تحمي قواعد، والواقع الميداني سيبقى هو الحكم والفيصل.
ستظل إيران، ومعها محور المقاومة، الصخرة التي تتحطم عليها أوهام ترامب.
وما فشل الإدارة الأمريكية في إدراكه هو أن القوة لا تُقاس بعدد الطائرات أو حجم الميزانيات، بل بصدق الموقف وعدالة القضية.
لقد انتهى الجزء الأصعب بالنسبة للمقاومة، وهو كسر هيبة “البعبع” الأمريكي، وما تبقى ليس إلا مسألة وقت قبل أن يدرك العالم أن زمن التهديد والوعيد الأمريكي قد وُورِيَ الثرى، ليحل محله زمن الشعوب القادرة على حماية سيادتها وثرواتها بدمائها وصواريخها.