انعكاس الآية.. واشنطن تغلق “هرمز” في وجه نفسها.. قراءة في التناقض الصارخ للسياسة الأمريكية
يمانيون |
في مشهدٍ يختزل عبثية القوة حين تفتقر للحكمة، وتناقض السياسة حين تنفصل عن الواقع، تجد الإدارة الأمريكية نفسها اليوم غارقة في مستنقع من صنع يدها.لسنوات طوال، نصّبت واشنطن نفسها حارساً “مقدساً” لحرية الملاحة الدولية، وملأت الدنيا ضجيجاً حول ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً باعتباره شريان الحياة للاقتصاد العالمي.
لكن اليوم، وفي تحول دراماتيكي يعكس حالة الارتباك والفشل الاستراتيجي، انقلبت الآية؛ فواشنطن التي كانت تطالب بفتح المضيق، هي من تسعى الآن لإغلاقه فعلياً عبر فرض حصار بحري، لتغلقه في وجه نفسها وفي وجه حلفائها قبل أي طرف آخر.
هذا التقرير يسلط الضوء على الفشل الذريع لمفاوضات إسلام آباد، وكيف تحولت “العنجهية” الأمريكية إلى حصار ذاتي يضرب العمق المعيشي للمواطن الأمريكي، ويضع الاقتصاد العالمي على حافة الهاوية، في وقت تثبت فيه طهران أنها الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه بـ “النقاط العشر” التي وضعتها على طاولة التفاوض كشرط للسلام والاستقرار.
إخفاق إسلام آباد.. واشنطن ترفض منطق السلام وتختار التصعيد
بدأت فصول هذه الأزمة حين حاولت واشنطن الالتفاف على الحقوق الإيرانية المشروعة عبر مفاوضات إسلام آباد.
دخلت طهران المفاوضات برؤية واضحة ومنطق القوي الذي يدافع عن سيادته، وطرحت “النقاط العشر” التي تضمنت شروطاً لضمان أمن المنطقة ورفع المظلومية والعدوان الأمريكي والصهيوني.
كانت هذه النقاط بمثابة طوق نجاة للإدارة الأمريكية للخروج من مأزقها، إلا أن غطرسة البيت الأبيض، وتحديداً توجهات الرئيس دونالد ترامب، دفعت واشنطن لرفض هذه المبادرة السلمية.
بدلاً من الانخراط في حل ديبلوماسي يحترم سيادة الدول، اختارت واشنطن الهروب إلى الأمام بفرض حصار بحري شامل على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز.
هذا القرار لم يكن تعبيراً عن قوة، بل كان اعترافاً ضمنياً بالفشل في إخضاع طهران عبر القنوات السياسية.
لقد تحول المضيق، الذي أغلقته إيران جزئياً كرد فعل مشروع على العدوان الأمريكي والصهيوني، إلى ساحة للعقاب الجماعي الذي تمارسه واشنطن ضد العالم وضد نفسها.
التناقض الصارخ.. واشنطن تحاصر “شريانها” التاجي
وتساءلت صحيفة “واشنطن بوست” باستنكار لافت: كيف أصبحت واشنطن هي من يحاول إغلاق مضيق هرمز بعدما كانت تقول إن فتحه من أولوياتها القصوى؟ هذا التساؤل يعري زيف الادعاءات الأمريكية حول “حرية الملاحة”.
إن قرار ترامب بفرض الحصار ليس إلا انتحاراً اقتصادياً وتناقضاً أخلاقياً وسياسياً.
ففي الوقت الذي تدعي فيه أمريكا حماية حلفائها في آسيا وأوروبا، نجد أن قرار الحصار يشكل “ضربة قوية لبقية العالم”، خاصة دول آسيا التي تعتمد بشكل كلي على استيراد الطاقة من الخليج.
إنها السياسة الأمريكية في أقبح صورها: التضحية باستقرار العالم من أجل أوهام الهيمنة التي لم تعد تجد لها صدى في الواقع الجيوسياسي الجديد الذي تفرضه إيران وحلفاؤها.
زلزال الأسواق.. النفط يقفز والتضخم يضرب “وول ستريت”
ولم تتأخر ارتدادات القرار الأمريكي الحمق، فبمجرد الإعلان عن الحصار، اشتعلت أسواق الطاقة العالمية.
تشير البيانات إلى قفزة جنونية في أسعار النفط، حيث ارتفع الخام الأمريكي بنسبة 7.4\% ليصل إلى 103.69 دولاراً للبرميل، بينما صعد برنت إلى 102.24 دولاراً.
هذا الارتفاع لم يكن مجرد أرقام على الشاشات، بل انعكس فوراً على حركة الملاحة؛ حيث أظهرت تقارير “أسوشيتد برس” تباطؤاً حاداً في حركة الناقلات، وتراجع الكثير منها عن دخول المضيق خوفاً من تداعيات الحصار الأمريكي.
وفي موازاة ذلك، تراجعت عقود “وول ستريت” الآجلة، مما يعكس حالة الذعر التي أصابت المستثمرين من سياسة ترامب المتهورة التي تضع الاقتصاد العالمي في غرفة الإنعاش.
الارتداد الداخلي.. المواطن الأمريكي يدفع فاتورة “حصار هرمز”
والأخطر في هذا المشهد هو ما يحدث داخل الولايات المتحدة نفسها.
لقد اعترف ترامب – مرغماً – عبر “رويترز” بأن أسعار البنزين قد تبقى مرتفعة حتى الانتخابات النصفية في نوفمبر القادم.
هذا التصريح ليس سوى قمة جبل الجليد؛ فالتضخم السنوي في أمريكا بلغ 3.3\% في مارس، وكانت أسعار الوقود هي المحرك الأساسي لهذا الانفجار المعيشي.
لقد تجاوزت أسعار البنزين عتبة الـ 4 دولارات للجالون الواحد، وبدأت هذه الزيادة تتدحرج ككرة الثلج لتشمل كلف:
الديزل والنقل. البلاستيك والأسمدة. الخضار والفاكهة.
وهذا يعني أن الحصار الذي أراده ترامب خناقاً لإيران، تحول إلى خناق يلتف حول عنق المستهلك الأمريكي.
إن واشنطن لا تضغط على طهران فحسب، بل تحول “الحرب العسكرية” إلى “تضخم معيشي” يهدد الاستقرار الاجتماعي داخل الولايات المتحدة، مما يجعل قرار ترامب “قراراً أحمق” بامتياز، يتجاوز أي مكسب سياسي موهوم.
تبرم الحلفاء.. أوروبا وآسيا في مهب الريح
ولم تكن المعارضة لقرار ترامب إيرانية أو إقليمية فحسب، بل جاءت من قلب المنظومة الغربية.
حذرت وكالة “بلومبرغ” من أن هذا الحصار يقحم العالم في مرحلة “تدميرية”، مشيرة إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 17\%.
هذا الارتفاع الجنوني دفع الحكومات الأوروبية إلى النأي بنفسها عن “مغامرة ترامب”، في مشهد يعكس عزلة واشنطن حتى عن أقرب حلفائها.
صحيفة “فايننشال تايمز” أكدت أن حصار هرمز يهدد بزعزعة استقرار أسواق الطاقة العالمية بشكل غير مسبوق.
وفي الداخل الأمريكي، حذرت جينيفير جافانا، مديرة التحليل العسكري بمركز أبحاث “أولوية الدفاع”، من أن الإغلاق الكامل سيؤدي إلى كارثة سعرية لا يمكن احتواؤها.
المحللون أجمعوا على أن هذا الحصار “سيرتد سلباً على حلفاء واشنطن أكثر من إيران”، وهو ما يفسر الاستنكار الغربي الواسع الذي قوبل به القرار.
الثبات الإيراني وفشل منطق القوة
وبينما تتخبط واشنطن في تناقضاتها، تبرز إيران كقوة إقليمية واثقة، تدير الأزمة بحنكة وهدوء.
لقد أثبتت طهران أن سياسة “الضغوط القصوى” قد انتهت صلاحيتها، وأن الحصار الذي تفرضه أمريكا اليوم هو اعتراف بفشل الخيارات العسكرية والسياسية السابقة.
إيران التي طرحت “النقاط العشر” للحل، وضعت الكرة في ملعب المجتمع الدولي، محملة واشنطن المسؤولية الكاملة عن أي انهيار اقتصادي عالمي.
إن إصرار طهران على سيادتها وتصديها للعدوان الأمريكي والصهيوني جعلها في موقع الهجوم الأخلاقي والسياسي، بينما تبدو واشنطن في موقع الدفاع المرتبك، تحاول سد ثغرات اقتصادها المتهاوي وقرارات رئيسها المتهورة.
الختام: نهاية أسطورة الهيمنة البحرية
في الختام، يمثل قرار فرض الحصار على مضيق هرمز من قبل الولايات المتحدة نقطة تحول تاريخية في أفول الهيمنة الأمريكية.
فمن خلال “إغلاق المضيق في وجه نفسها”، أثبتت واشنطن أنها لم تعد قادرة على إدارة الأزمات الدولية، بل أصبحت هي “الأزمة” بحد ذاتها.
إن التناقض الصارخ بين ادعاء حماية التجارة الدولية وبين ممارسة القرصنة البحرية والحصار، وضع الإدارة الأمريكية في مواجهة مباشرة مع شعبها ومع العالم أجمع.
لقد انتصر المنطق الإيراني الذي يربط أمن المنطقة برفع العدوان، وفشل المنطق الأمريكي الذي يرى في القوة والغطرسة حلاً وحيداً.
واليوم، بينما ترتفع أسعار الوقود في كاليفورنيا ونيويورك، وتئن الأسواق في لندن وطوكيو، يدرك العالم أن “انعكاس الآية” لم يكن إلا نتيجة طبيعية لسياسة أمريكية عمياء، أغلقت شريان العالم.. فخنقت نفسها.