رهانات الانبطاح.. كيف تشرعن السلطة اللبنانية أهداف العدو تحت غطاء المفاوضات؟
يمانيون |
في الوقت الذي تسطر فيه المقاومة الإسلامية في لبنان ملاحم البطولة في الميدان، وتذيق جنود النخبة في جيش الاحتلال مرارة الهزيمة وجهاً لوجه عند تخوم القرى الحدودية، تبرز في الأفق السياسي اللبناني تحركات تثير الريبة والتساؤلات.فبينما يشتعل الشمال الفلسطيني المحتل بصواريخ ومسيرات الحزب، وتعيش مستوطنات الجليل حالة من الهلع الوجودي، تندفع رموز في السلطة اللبنانية، ممثلة برئيس الجمهورية “جوزيف عون” ورئيس الحكومة “نواف سلام”، نحو مسار تفاوضي تصفه أوساط العدو ذاته بأنه “طوق نجاة” لنتنياهو.
إن هذا التقرير يسلط الضوء على الهوة السحيقة بين تضحيات الميدان وبين الوهن السياسي الذي تمارسه السلطة، والذي يكاد يتحول إلى “شرعنة” للأهداف الصهيونية التي عجز العدو عن تحقيقها بالقوة العسكرية، في محاولة يائسة لعزل المقاومة وتجريد لبنان من عناصر قوته تحت عباءة “التسوية السياسية”.
طوق النجاة السياسي.. إنقاذ نتنياهو من فخ الميدان
تكشف القراءة المتأنية للأحداث أن استماتة بنيامين نتنياهو في الميدان، لا سيما محاولات التقدم نحو مدينة بنت جبيل، ليست مجرد هدف عسكري تكتيكي، بل هي محاولة مسعورة لترميم الردع المتآكل منذ عام 2000.
إن الهدف من احتلال هذه المدينة الرمزية هو محاولة محو أثر “خطاب بيت العنكبوت” الشهير للشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله، والذي لا يزال يمثل العقدة النفسية الأكبر لقادة الكيان.
في هذا التوقيت الحرج، يأتي الموقف الرسمي اللبناني ليقدم لنتنياهو مخرجاً سياسياً لم يحلم به.
فقبول المفاوضات بالشروط المطروحة حالياً لا يعني سوى منح العدو ما عجز عن أخذه بالدبابات.
إن أوساط العدو لا تخفي ابتهاجها بهذا الموقف، حيث ترى فيه وسيلة “للاستفراد بالساحة اللبنانية” وإعادة ترتيب التوازنات الداخلية اللبنانية بما يخدم أمن الكيان، بعيداً عن ضغط الصواريخ التي تلاحق المستوطنين في كل مكان.
فخ “تدويل الساحة” ولقاءات واشنطن المشبوهة
وبينما يواجه المقاومون الموت دفاعاً عن كل شبر من تراب الجنوب، تجري في أروقة واشنطن لقاءات جمعت سفيرة لبنان وسفير الكيان بوساطة أمريكية.
هذه اللقاءات لم تهدف إلى وقف العدوان كما يروج الإعلام الرسمي، بل تتركز حول مطلبين إسرائيليين جوهريين:
- الحفاظ على حرية العمل الإسرائيلي: أي تحويل سماء وأرض لبنان إلى ساحة مستباحة للعدو متى شاء تحت ذريعة “منع التهديد”.
- فصل جبهة الشمال عن إيرن: وهو مطلب استراتيجي يسعى لكسر وحدة الساحات وإضعاف العمق الاستراتيجي للمقاومة.
إن استجابة السلطة اللبنانية لهذه الوساطات، في ظل ضعفها المعهود وارتهان قرارها، تمثل “انبطاحاً” سياسياً يشرعن الاحتلال غير المباشر، ويحول الدولة اللبنانية من حامٍ للسيادة إلى “وكيل أمني” يبحث عن إنجازات وهمية على حساب كرامة الوطن.
سيناريو الحرب الأهلية.. دفع الجيش نحو المحظور
والأخطر في توجهات السلطة الحالية هو الرغبة في “إشعال حرب أهلية” عبر دفع الجيش اللبناني للصدام المباشر مع المقاومة.
هناك ميل واضح لدى القوى الدولية والعدو الصهيوني للاستخفاف بالحكومة الحالية، ولذلك يسعون لبناء “تحالف قوي جداً” يضم قوى إقليمية ودولية (سوريا الجديدة، السعودية، الولايات المتحدة) بهدف معلن وهو “تجريد حزب الله من سلاحه”.
إن محاولة تحويل العقيدة القتالية للجيش اللبناني من مواجهة العدو الصهيوني إلى مواجهة أشقائه في السلاح، هي الجريمة الكبرى التي تخطط لها الدوائر الغربية بمباركة صمت السلطة.
إن هؤلاء يتجاهلون الحقيقة الساطعة التي تعترف بها أوساط العدو سراً: “من المستحيل تجريد حزب الله من سلاحه”.
هذه حقيقة ميدانية لا يمكن تجاوزها، وأي محاولة لفرضها بالقوة تعني انتحاراً للدولة اللبنانية وجر البلاد إلى أتون فتنة لا تخدم إلا المشروع الصهيوني.
التضليل الإعلامي وهزيمة “الرواية الصهيونية”
وتحاول السلطة اللبنانية، تماهياً مع الماكينة الإعلامية الغربية، تسويق فكرة أن حزب الله قد “هزم” أو “ضعف” أو “سُلب قواه”. ولكن الواقع الميداني يكذب هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً.
- عجز العدو: رغم آلاف الغارات، تعترف أوساط العدو بالعجز عن القضاء على القدرات الصاروخية للحزب.
- واقع المستوطنين: يعيش سكان الشمال حالة هلع دائمة؛ فالصواريخ والمسيرات تلاحقهم، والوعود الحكومية الإسرائيلية بالعودة تبخرت تحت ضربات المقاومة.
- المواجهة المباشرة: في كل مرة يحاول فيها جنود النخبة الصهاينة التسلل، يجدون عناصر الحزب بانتظارهم في مواجهات “وجهاً لوجه”، حيث يتم تكبيد العدو خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، مما يحول حلم الاحتلال إلى كابوس يومي.
إن إخفاء هذه الحقائق عن الجمهور اللبناني من قبل الحكومة يهدف إلى إضعاف الروح المعنوية والتمهيد لفرض تسوية “مذلة” لا تعكس موازين القوى الحقيقية على الأرض.
رمزية بنت جبيل وصفعة “بيت العنكبوت”
ويجب أن تدرك السلطة اللبنانية أن معركة بنت جبيل ليست مجرد صراع على تلة أو شارع، بل هي صراع إرادات.
إن إصرار نتنياهو على الوصول إليها هو محاولة بائسة للرد على الشهيد نصر الله، الذي وصف إسرائيل بأنها “أوهن من بيت العنكبوت”.
إن المقاومة اليوم، بصمودها الأسطوري في هذه المنطقة تحديداً، تثبت أن “بيت العنكبوت” قد ازداد وهناً، وأن التهديد لم يتلاشَ كما يزعم المرجفون في بيروت، بل تطور وأصبح أكثر فتكاً وقدرة على الردع.
الخاتمة: لا مساومة على دماء الشهداء
إن الحقيقة التي يجب أن تقال للجميع، لسكان الشمال ولحكومة لبنان ولكل العالم: إن المقاومة في لبنان هي ضرورة وجودية، وتجريدها من سلاحها هو ضرب من الخيال.
إن أي محاولة من السلطة اللبنانية لتقديم “أطواق نجاة” للعدو عبر مفاوضات مشبوهة أو عبر التآمر على سلاح المقاومة، لن تجلب للبنان إلا الفشل والاستمرار في واقع التبعية.
إن التاريخ لن يرحم أولئك الذين حاولوا استبدال انتصارات الميدان بتنازلات المكاتب المكيفة في واشنطن.
إن دماء الشهداء وتضحيات النازحين وصمود المقاومين وجهاً لوجه أمام العدو، هي التي ترسم حدود السيادة الحقيقية، وليس لقاءات السفراء أو الوعود الأمريكية الزائفة.
على السلطة اللبنانية أن تختار: إما أن تكون مع شعبها ومقاومتها في خندق الدفاع عن الوطن، أو أن تظل في خندق “الرهانات الفاشلة” التي لن تحصد منها إلا الخزي أمام انتصارات المقاومة التي لا تقبل الانكسار.