الشهيد حسن الجرادي.. القائد الذي اخترق جبهات العدو وأخمد الفتن

عندما سقط الجسد في كمين الغدر على شواطئ التحيتا، لم يكن المشهد نهاية قصة، بل كانت البداية الحقيقية لأسطورة رجل من رجال الله العظماء، في تلك اللحظة التي أطبقت فيها قطعان المرتزقة على القائد المكلوم بالحمى، لم يدرِ العدو أنه قبض على جسد أعزل، لكنه أطلق روحاً لا تقهر في جسد الأمة’ ثمانية من أسرته ارتقوا شهداء في قصف جبان، فلم يتراجع، 80 يوماً من الحصار في مران لم تهن عزيمته، 200 كيلومتر سيراً على الأقدام في ظلام الليل ليحرر قريته، ثم جاء يوم ديسمبر الأسود عام 2017، ليكتب أسمه بأحرف من نار في تاريخ اليمن الحديث، حين أخمد فتنة كادت أن تقسم العاصمة وتقصم ظهر الشعب اليمني في ثلاثة أيام فقط، ذلك هو الشهيد العميد حسن عبدالله الجرادي، الذي عرفه الجميع بـ “أبو شهيد”، جندي الله الذي لم يعرف الخوف، وقائد القوات الخاصة الذي قاد المعركة من قلب الجرح، ليرحل شهيداً كما عاش مجاهداً، ويترك خلفه إرثاً لا يمحوه الزمن.

يمانيون| محسن علي

 

النشأة والانطلاقة.. من قرية صغيرة إلى وعي ثوري

في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً في منطقة جمعة بني فاضل بمحافظة صعدة، المعقل التاريخي للوعي القرآني والمقاومة، ولد حسن عبدالله الجرادي، الذي سيصبح لاحقاً أحد أبرز الرموز العسكرية والتعبوية في تاريخ اليمن الحديث، نشأ “أبو شهيد” – كما سيطلق عليه محبوه – في بيئة مشبعة بالروح الجهادية والتمسك بالمشروع القرآني الذي أطلقه الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي “رضوان الله تعالى عليه” منذ نعومة أظافره، أظهر الجرادي تعلقاً استثنائياً بالعلم والمعرفة، لكنه وجه هذا الحماس نحو قضية أكبر من عمره: مواجهة الظلم والعدوان والهيمنة.

 

الانطلاقة الأولى.. الفصل من المدرسة والانتقال إلى صنعاء

لم تكن البداية سهلة, فبينما كان أقرانه يقضون أوقاتهم في اللهو، كان “أبو شهيد” الشاب يعبر عن وعيه الجهادي و”صرخته” في وجه الطغيان، مما أدى إلى فصله من المدرسة, لم يكن هذا القرار الإداري نهاية الطريق، بل كان نقطة تحول, انتقل الشاب الجرادي إلى العاصمة صنعاء، حيث وجد في الجامع الكبير منبراً وحاضنة لفكره الثوري.

في قلب العاصمة، وتحت ظل نظام كان يرى في أي صوت معارض تهديداً وجودياً، تفتحت عينا “أبو شهيد” على مجريات الثورة، وتعلم استراتيجيات المقاومة والوعي الجماهيري، وبسبب نشاطه المتصاعد، واجه الشاب الصغير السجن على يد السلطة الظالمة آنذاك، لكن جدران الزنازين، بدلاً من أن تكسره، زادته إصراراً على مواصلة الطريق.

 

المسيرة القرآنية..من التلميذ إلى القائد

كان الاختبار العملي الأول لقدرات “أبو شهيد” في ساحات الوغى، شارك، رغم صغر سنه، في أعمال الشد والمد وحماية مناطق صعدة خلال الحروب التي شنتها السلطة السابقة على المشروع القرآني.

أبرز محطاته في تلك الفترة كانت في منطقتي مران وجرف سلمان، حيث خاض 80 يوماً من المعارك الشرسة، متحملًا أقسى ظروف الحصار والقتال، ليثبت أنه مقاتل استثنائي منذ البداية.

 

الحرب الرابعة.. 200 كيلومتر على الأقدام لتحرير القرية

في الحرب الرابعة الظالمة التي شنتها السلطة السابقة على صعدة، كُلف الشاب الجرادي بمهمة بدت مستحيلة: العودة إلى منطقته جمعة بني فاضل، التي كانت تحت سيطرة قوات العدو، وفك الحصار عنها، وفي مشهد يعبر عن عزيمة لا تلين، شق “أبو شهيد” طريقه سيراً على الأقدام لمسافة تزيد على 200 كيلومتر، متسلحاً بالعزيمة والإصرار فقط، ومعه عشرات الأفراد الذين آمنوا بقيادته، بخطة محكمة وسرية تامة، تمكن من تقطيع أوصال القوات المعادية المنتشرة في المنطقة، وأجبرها على الانسحاب، ليصبح بذلك المسؤول العام عن حماية المنطقة.

 

المحنة الأكبر.. استشهاد ثمانية من أسرته

لم تكن التضحية محصورة في الجهاد العسكري فقط، ففي حرب الغدر التي لم ترحم طفلاً ولا امرأةً ولا شيخاً، قصفت السلطة الظالمة منزل “أبو شهيد” بشكل مباشر، استشهد 8 من أفراد أسرته في غارة جبانة واحدة، في هذه اللحظة، اختبرت القيادة الحقيقية لـ”أبو شهيد”، لم ينهار، ولم يتراجع بل كان الرد الذي عرفه عنه الجميع: الاستمرار، مؤكداً للجميع في ذلك الموقف الصعب أن الدفاع عن الحق أغلى من كل شيء، وأن الدماء التي تسقط إنما تزيد الجذور رسوخاً.

 

المشوار الوطني.. من تعز إلى قيادة النخبة

بعد ترسيخ وجوده في الشمال، كُلف “أبو شهيد” بمهمة نوعية مختلفة: الإشراف على محافظة تعز، هناك، لم يكن دوره عسكرياً فقط، بل كان قائداً للتعبئة والتوجيه الثقافي, قاد فريقاً ثقافياً لتعزيز الوعي الوطني والتعريف بمشروع المسيرة القرآنية، من خلال الحوار والمحاضرات والتحشيد الجماهيري، أسس “حركة شباب العز” ، وسافر بين مديريات تعز لتعزيز روح الصمود في أوساط الشباب، مسهمًا في خلق بيئة وطنية جاهزة لثورة 21 سبتمبر التي ستغير وجه اليمن.

 

معارك التحرير الكبرى.. جبهات متعددة وإصابات بليغة

مع بداية العدوان الأمريكي السعودي على اليمن في 26 مارس 2015، والتي قادها السعودية بغطاء ودعم وإسناد أمريكي ، انتقل “أبو شهيد” إلى مرحلة جديدة من مسيرة الجهاد, وواجه تحديات كبيرة في تفكيك مواقع المرتزقة في مختلف الجبهات, وبرز كقائد يمتلك خبرة عالية في إدارة المعارك، خاصة في جبهة جبل صبر بمحافظة تعز برفقة المجاهدين والقبائل الحرة, وكانت عملية اقتحام اللواء 35 إحدى أكبر العمليات النوعية له في تلك المرحلة, وفي جبهة الجحملية، أصيب “أبو شهيد” بجروح بليغة كادت تودي بحياته، لكن الجروح، كما الحصار والسجن، لم تكن لتبعده عن الميدان، فور تعافيه، نُقل إلى جبهة البيضاء لمتابعة مهام التحشيد والقتال حتى نهاية عام2017 م.

 

اللحظة الفارقة.. إخماد فتنة ديسمبر 2017

في 2 ديسمبر 2017، وبينما كان اليمن يواجه عدواناً خارجياً شرساً، حاولت أيادي الغدر والخيانة ممثلة بالصريع صالح أن تلعب بأوراقها في الداخل، فاجأ الجميع تحالف القوى المعادية للمشروع الوطني بمحاولة قلب الطاولة في العاصمة صنعاء، مستغلين الأوضاع لتمرير أجندتهم، كان الوضع على حافة الهاوية، فتنة داخلية تهدد بتمزيق الجبهة الداخلية في لحظة هي الأحوج فيها إلى الوحدة الوطنية والتلاحم المجتمعي والشعبي.

 

ثلاثة أيام أنهت المؤامرة

هنا، كان “أبو شهيد” هو الرجل المناسب في المكان المناسب، بفطنته العسكرية وحكمته القيادية، تمكن الأخير من إخماد فتنة ديسمبر خلال ثلاثة أيام فقط، لم تكن معركة ديسمبر مجرد قتال شوارع، بل كانت معركة وعي واستراتيجية، قاد الجرادي عملياته بدقة متناهية، محققاً نجاحاً كبيراً في:

حماية المدنيين: منع وقوع كارثة إنسانية في العاصمة

استقرار العاصمة: أعاد الأمن والهدوء إلى صنعاء ووأد الفتنة في وقت قياسي

هذا الإنجاز وحده كافٍ لخلود اسمه في التاريخ، حيث أثبت أنه ليس مجرد قائد ميداني، بل قائد استراتيجي قادر على قراءة الخريطة السياسية وفك أشد العقد تعقيداً.

 

بناء القوات الخاصة.. تجهيز النخبة

بعد استشهاد قائد القوات الخاصة السابق، كانت هناك حاجة ليد قوية تعيد بناء هذه القوات النخبوية، وقع الاختيار على “أبو شهيد” لهذه المهمة المصيرية.

تولى مسؤولية إعادة بناء وتأهيل القوات الخاصة، مركزاً على تدريب المجاهدين ليس عسكرياً فقط، بل أخلاقياً وقيمياً أيضاً، ليكونوا قوة نوعية على مستوى استثنائي في مواجهة العدوان، وتحت قيادته، تحولت القوات الخاصة إلى “جحيم للأعداء”، كما سيظهر لاحقاً في معارك الساحل الغربي.

 

البطولات الأخيرة والاستشهاد.. ملحمة التحيتا

في مايو 2018، وبينما كانت معارك الساحل الغربي (الحديدة) على أشدها، كان “أبو شهيد” يقود قواته من قلب الحدث، استطاع، بقدراته القيادية، أن يحول قواته الخاصة إلى عقبة كأداء أمام تقدم قوات العدوان والمرتزقة وحولها إلى جحيم، وتحت قيادته، سطر أبطال القوات الخاصة ملاحم بطولية لا تزال تدرس في الأكاديميات العسكرية.

 

المرض والإصرار الأخير

في لحظة مثيرة تعبر عن روحه الفولاذية، أصيب “أبو شهيد” بـ حمى شديدة – وهو قائد مكلوم بالألم والإرهاق التراكمي لسنوات من الجهاد والعطاء، كان أي قائد عادي ليتخذ موقعه في غرفة العمليات، أو يلتمس العذر للمكوث في الخلف، لكن “أبو شهيد” لم يكن قائداً عاديا أصر، رغم الحمى والإعياء، على التوجه إلى جبهة التحيتا، مقدمة جبهات الساحل الغربي وأخطرها، إذ  كان يعلم أن وجوده هناك يغير المعادلة

 

لحظة الاستشهاد.. الغدر والسقوط

في ساحة المعركة، وتحت وابل النار، حدث ما لم يكن في الحسبان، تمكنت قطعان المرتزقة من محاصرة القائد وقواته، وأُسر “أبو شهيد” بعد معركة غير متكافئة, وكانت المفارقة المذهلة: لم يعرف العدو – في تلك اللحظات الأولى – أن الأسير الذي بين أيديهم هو قائد القوات الخاصة نفسه، ربما ظنوا أنه مجاهد عادي، لكن وحشية العدو لا تعرف الرحمة، قبل أن يدركوا حقيقة من أمسكوا به، نفذوا فيه إعداماً وحشياً، فاقدين بذلك أحد أهم القادة الذين شكلوا رمزاً للشجاعة والتضحية والوطنية, بهذا الدم الطاهر، ارتقى الشهيد العميد حسن عبدالله الجرادي – “أبو شهيد” – إلى ربه شهيداً كما عاش مجاهدا.

 

الإرث الخالد والنموذج الملهم

رحيل “أبو شهيد” لم يكن نهاية القصة، بل كان بداية مرحلة جديدة من الإلهام

شكل أبو شهيد الجرادي نموذجاً متكاملاً للقائد والمقاتل,

قائد عسكري: يمتلك خبرة عالية في إدارة المعارك وقيادة النخبة

مخطط استراتيجي: يعرف كيف يقرأ الخريطة ويكسر شوكة العدو

ثقافي اجتماعي: يفهم وعي الناس ويوجهه نحو القضية

مضحٍّ بكل غالٍ: قدّم حياته وأفراد أسرته فداءً في سبيل الله والدفاع عن المستضعفين

 

ختاما..

الرسالة التي تركها خلفه واضحة لكل يمني: الدفاع عن الأرض والوطن والكرامة هو أسمى من كل اعتبار، وأن التضحيات الكبيرة هي الطريق الوحيد نحو الحرية والسيادة الحقيقية.

You might also like