وصية الأم التي أيقظت أسد سنحان.. كيف استشهد اللواء القوبري بعد أن جاهد بسبعة من إخوته في سبيل الله؟
“وقف على أعتاب والدته الباكية، وقد توعدتها طائرات العدوان الأمريكي السعودي..! قالت له: ‘اليهود سيسحقونا’ فأجابها بقوله: الله أوَجَبَ الْجِهَادُ’، هنا لم تتردد الأم المؤمنة العظيمة، بل قالت: خذ إخوتك السبعة ليجاهدوا’، هذا هو موقف والدة الشهيد أبو صلاح القوبري، الذي حوّل الثقافة القرآنية والإيمان القرآني في قلبه ويقينه إلى صواريخ تُرعب الظالمين، حيث تجسدت شخصيته في مسيرته الجهادية التي أنجبت الملاحم والبطولات، وجسد ثقافة القرآن بالولاء العملي الصادق لأعلام الهدى والبراء من أعداء الله والأمة، نستعرض في هذا التقرير قصة هذا القائد القرآني، وننوه إلى أن بعض الفقرات تم إضافتها في سياق النص باللهجة العامة اليمنية كما يرويها الشهيد بلسانه..
يمانيون| محسن علي
النشأة والنسب من رحم سنحان انبثق الصقر
في قلب مديرية سنحان – دار سلم بمحافظة صنعاء، وتحديداً في قرية دار سلم التي توارث أهلها حب آل البيت والتمسك بالهوية الإيمانية، وُلد الشهيد اللواء الركن ناصر حسين أحمد صلاح القوبري – المكنى بـ”أبي صلاح” – في عام 1975م ، تربى الشهيد في كنف أسرة ذات جذور قبلية أصيلة، عُرفت بالانضباط والأخلاق الحميدة، فكانت نشأته قائمة على حب الوطن والتشبث بالقيم الإسلامية، وقد ظهرت هذه التربية جلية في شخصيته فيما بعد، حيث عُرف بين أقرانه بـ”النزاهة والشرف” طيلة حياته في السلك العسكري، وكان من عادته أن يُخلي عهده العسكرية بكاملها عند تركه لمنصب وتقلده آخر، وهي سمة قلّما توجد في الوسط العسكري .
التحاقه بالكلية الحربية
لم تكن مسيرة الشهيد القوبري لتنحرف عن الجادة؛ فالتحق بـ الكلية الحربية في العام 1995، ليكون أحد ضباط الصفوة الذين حملوا همّ الدفاع عن الوطن ، تخرج بعد ثلاثة أعوام – عام 1998 – ضابطاً في الحرس الجمهوري، حيث بدأ مشواره العسكري الذي امتد لعقدين من الزمن، عاش خلالهما أطوار التحولات الكبرى في اليمن ، أدى خدماته في الحرس الجمهوري وهو ذات التشكيل الذي انبثق منه العديد من القادة لاحقاً، بمن فيهم رفيق دربه الشهيد العميد حسن الملصي (أبو حرب).
المسيرة العسكرية – من حماية المعسكرات إلى قيادة الجبهات
لعل أولى المحطات المفصلية في حياة الشهيد القوبري، كانت عندما اندلعت اشتباكات عام 2011، وتحديداً الاعتداءات التي شنتها ميليشيات حزب الإصلاح على معسكر الصمع في أرحب، هنا برز نجم اللواء القوبري كأحد الضباط الذين حافظوا على المعسكر، واستطاع – بفضل حنكته القيادية وشجاعته – دحر تلك الميليشيات من محيط المعسكر، في ملحمة أوقفت طموحاتهم للسيطرة على المنطقة .
ما بعد 21 سبتمبر 2014.. تأييد الثورة بصيرة
عندما أعلنت ثورة 21 سبتمبر 2014 نجاحها، كان القوبري من المؤيدين لها، يتحدث بنفسه في تسجيل مصور حصلت عليه صحيفة “المسيرة” قائلاً: الباري هو ينوّرك ويهديك إلى الحق ويرويك الطريق”، ليصف تأييده الإلهي لتلك الثورة التي أذهلت العالم بأسره ،لكن اللافت في موقفه هو أن نقطةً واحدةً ظلت تشغل تفكيره، وهي سبب عدم تدخل أمريكا بشكل مباشر ضد أنصار الله، حتى جاء العدوان في 26 مارس 2015،يصف القوبري تلك اللحظة بعفوية عسكرية:
“الساعة ثنتين الليل وأنا راقد تقيمني المرة: قوم قوم حرب حرب. قلت: حرب؟ ما هو حرب؟ طيران؟ من أين بيضربونا من عدن؟ قالت: ما شي السعودية، وأنا داري أنا السعودية ما تجرؤ تضرب نعجة ولا تجرؤ تطلع طيارة، لكنها أمريكا”ـ هنا فقط أيقن القوبري أن الحق مع هذه الثورة، فصرّح بصراحة المؤمن المتيقن: والله إني قد رأيت الحق بعيني. قلت: آل البيت والله ما فلت عيال علي وأجلس في بيتي.”
رفيق درب “أبو حرب” وخلافته في قيادة نجران
ليست الصدفة وحدها من جمعت بين الشهيد ناصر القوبري والشهيد العميد الركن حسن عبدالله محمد المُلصي (أبو حرب)، بل كان القدر الإيماني الجامع، يروي القوبري عن علاقته بالشهيد الملصي قائلاً:
“أنا في الحرس الجمهوري وأبو حرب في القوات الخاصة، وكان زميل حنين وأخ حنج، من 95 وانا وهو كان متقدم وأنا مستجد وهو قايدي من هذك الأيام، فدارت الأيام وسارت الأيام، وما جئت من دورة إلا وأنا أخطى معه، كان قدوتي”، فكان الشهيد الملصي – “مهندس عمليات نجران” كما أُطلق عليه – ولاةً للعهد في هذه الجبهة المصيرية،وبعد أن استشهد الملصي في 22 سبتمبر 2016 ، توارث الراية من بعده اللواء ناصر القوبري كقائد لجبهة نجران، ليُكمل المسيرة التي بدأها رفيق دربه .
ثقافته القرآنية ضابط بفطرة القرآن
لم يكن ارتباط الشهيد القوبري بالقرآن مجرد تلاوة عابرة، بل كانت ثقافته القرآنية هي منهج الحياة الذي قاده في كل تفاصيل مسيرته حيث يصفه عضو المجلس السياسي الأعلى محمد علي الحوثي بأنه كان: مثالاً للوعي والولاء والالتزام العملي ومثالاً للغيرة والكرامة والعزة” فهو من جيل الضباط الذين لم تفرغهم المظاهر العسكرية من الجوهر الإيماني، بل كانوا يقرؤون القرآن ويتأملونه ليكون دستوراً لهم في الحرب والسلم.
موقفه من “المناصب”.. قصة الخلق القرآني
بل إن القرآنيين الحقيقيين يعرفون متى يرفضون السلطان في سبيل الله، فبعد أن استقر به المقام في قيادة جبهة نجران، توالت عليه العروض لمناصب قيادية أكبر – ربما في صنعاء أو في محافظات أخرى – لكنه كان يرفض بحزم ويتلو كلماته الشهيرة:العدو يضرب الوطن من كل شق، وأنتم تشتغلوا على مناصب؟! اتقوا الله!” هكذا كان أبو صلاح القوبري: لا يُشترى بمنصب، ولا يُلهى بجاه، لأن ثقافته القرآنية جعلته يرى أن الدنيا عرض حاضر وأن الجهاد في الوقت العصيب هو اختبار الإيمان الحقيقي.
لحظة الانطلاق يوم أيقظت الأم الجهاد في عيالها
في الساعات الأولى من العدوان (مارس 2015)، ذهب القوبري – برفقة إخوته – إلى منزل العميل أحمد علي عبدالله صالح، نجل الرئيس السابق الصريع، أراد القوبري استشارته أو تسلم أوامر، لكن ما حدث كان صادما..!
يروي الشهيد: سلّمنا العهد، فقالوا لنا: أين عتسيروا؟ قلت: السعودية تحاربنا. قالوا: كيف عتسير؟ قلت: خاطركم… تحركت أنا وإخوتي”، إذ وجد أن من كان ينتظرون العون منهم قد تواروا، فاتخذ القرار المصيري: توجهت إلى منزلي لأبدأ الرحلة نحو الحدود دون تردد.”
الوصية الأمومية التي لا تُنسى
هذا المشهد هو واحد من أكثر المشاهد تأثيراً في تاريخ أصالة الهوية الإيمانية لدى اليمنيين اليمنية،يقول الشهيد:
“دخلت البيت وأمي تبكي، قلت: ما لك؟ قالت: اليهود بيسحونا. قلت: كيف يا أمي وقد وجب الجهاد؟ قالت: وجب. شِل إخوتك السبعة يروحوا يجاهدوا، ” هنا أخذ القوبري نفساً عميقاً وأجاب والدته: خلاص باشل ثلاثة من عيالك وأخلي لك أربعة”، فكان رد الأم القاطع: سابر“ – كلمة القبول في اللهجة اليمنية .
بداية المجهول.. ثلاثة أيام لا يعرفهم أحد
لم يكن هناك طائرات ولا دعم لوجستي ولا حتى تصاريح رسمية، يقول الشهيد:
“أول يوم من العدوان ذهبنا باتجاه الحدود، وقضينا ثلاثة أيام ما حد يعرفنا”، كانوا ثمانية أشخاص فقط في سيارتين – هما وسيارته ورفيقه الملصي – محملين بما تيسر من طعام وذخائر،بلا دعم رسمي، وبلا تأمين، لكن بإيمان لا يُقهر، ما كنا مع الدولة ولا مع القبيلي ولا أحد يعرفنا – كنا نصرف على أنفسنا.”
التحدي المزدوج.. الطيران يضرب أمامنا
تخيل أن تقود سيارتك صوب العدو بينما طائرات الاستطلاع والقتال تمشط الطريق أمامك! هذا ما حصل مع القوبري ورفاقه، يحكي عن تلك الرحلة الخطيرة:
“واحنا منطلقين، ومن أول نقطة بعد ما خرجنا من جولة عمران، والطيران بيمشط النقاط قدامنا، ولا نقطة تجاهنا إلا وقد ضربت، ولا واحد وقفنا في نقطة، انطلقنا مع الله، وكان الطيران يضرب كل شيء قدامنا، ونحن نمر من بين الدخان بعد الضربات، حتى وصلنا صعدة” لقد كانت معجزة صمود بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أن يصلوا إلى محافظة صعدة بسلام رغم أن كل نقطة على الطريق كانت قد استهدفت بغارات العدوان قبل وصولهم.
التنسيق والانطلاق نحو الملحمة الكبرى
بعد أن وصفتهم الأقدار بأنهم لوحدهم، التقى القوبري والملصي بمسؤولي أنصار الله في صنعاء،وهنا اكتُشِف الأمر،
يتابع القوبري: قالوا لنا: نحن كنا بدوركم من أول، أين أنتم؟! الآن نسلم لكم الأسلحة والسيارات وكل المجاميع، واوقعوا أنتم القادة”، فرفض القوبري – الذي كان يبحث عن المعركة لا عن السلطة – قائلاً: قادة؟ ما بنقلكم، نشتي تصريح نسير الحدود.”فاستغربوا: عندنا لكم السيارات؟ قال: معنا سيارات. قالوا: نعطيكم أسلحة؟ قال: معنا أسلحتنا. قالوا: فماذا تريد؟ قال: نريد التصريح فقط تلك هي ثقافة القائد الذي يخاف الله: لا يريد أن يُتهم بالعبثية، بل يريد أن ينطلق تحت راية رسمية منظمة – لكن بشروطه.
التوكل على الله.. آخر لقاء مع القيادة
قبل أن ينطلقوا، أصر القوبري والملصي على لقاء رجل الحرية الذي لا يركع. وصفه القوبري قائلاً: السيد عبدالملك الحوثي – الذي قال: لن نخضع، لن نركع، وتوكلنا على الله” ، كانت تلك الزيارة بمثابة الوضوء الأخير قبل الصلاة الكبرى، ثم تحركوا متوكلين على الله، بلا تنسيق يذكر مع من في حزيز – على حد قوله: “مشوا عليكم، أدوا لنا تصريح أو نسقوا لنا، نشتي نقاتل تحت راية واحدة” .
لحظات الإرتقاء
استشهد اللواء ناصر القوبري في أبريل 2018، خلال مواجهات عنيفة على جبهة نجران – تحديداً في معارك “النفس الطويل” بعد معارك بطولية نكلت بالعدو وأذياله من المرتزقة المأجورين ثم نُقل الجثمان إلى مسقط رأسه في مديرية سنحان دار سلم (محافظة صنعاء)، ليوارى الثرى في تراب دفاع عنه وعن مبادئه .
الإرث الباقي ورفيق الخلود
ما زال اسم الشهيد ناصر القوبري مضيئاً في سماء الإعلام الحربي اليمني، وقد صدرت عنه عدة أفلام توثيقية في إطار سلسلة “رفاق الخلود“ (بأجزائها الثلاثة) ، إلى جانب فلاشات ومقاطع خاصة بمناسبة المولد النبوي الشريف وأيام الذكرى وقد أنتجت فرقة أنصار الله أناشيد خاصة بتخليد ذكراه، تشدوا ببطولاته وتُذكِّر الأجيال برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه .
موقف “سابر” الذي غيَّر المصير
ومهما تقدمت الأساطير، تبقى كلمة “سابر“ التي نطقت بها والدة الشهيد – وهي توافق على أن يخرج سبعة من أبنائها إلى الجهاد – هي القبس الإيماني الذي ميز قصة القوبري عن غيره .فبينما كان يفكر في أخذ ثلاثة فقط من إخوته، كانت الأم تنظر إلى الجنة وترى أن الثمن زهيد، فتقول له: “سابر” وهذه الثقافة القرآنية هي التي صنعت أساطير مثل هذا البطل والكثير من أمثاله العظماء .
ماذا بعد القوبري؟
رحل الجسد، لكن الروح بقيت في كل صاروخ أطلقته قوات المقاومة في نجران بعد استشهاده. رحل القائد، لكن دروسه ظلت تُتلى على المنابر وفي المعسكرات، لقد أثبت الشهيد اللواء ناصر القوبري أن الجهاد في سبيل الله لا يحتاج إلى إمكانيات ضخمة، بل يحتاج إلى إيمان بوعي، وإخلاص بلا حدود، وشجاعة أخلاقية تسبق الشجاعة القتالية.
ختاما..
بسم الله الرحمن الرحيم: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}، بهذه الآية التي كان يرددها دوماً، استقبل الشهيد اللواء ناصر القوبري رصاصات العدوان بصدره، وارتقت روحه إلى بارئها ويكفيه من المفاخر أن وصفه قائدة الثورة بأنه: ‘كان مثالاً للوعي والولاء والالتزام العملي’؟