رسول الله لا علاقة له بالضلال والإضلال من بعده 

في سياق دروسه الرمضانية ( الدرس السابع) و ضمن مشروعه القرآني، قدّم الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه،  رؤية فكرية عميقة لإعادة تصحيح المفاهيم المرتبطة بمسؤولية الرسالة النبوية وحدودها، ويؤكد الشهيد القائد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منزّه تمامًا عن أي علاقة بضلال من انحرفوا بعده، وأن مهمته محصورة في البلاغ والبيان الكامل، لا في ضمان استجابة الناس أو هدايتهم قسرًا.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

تحديد وظيفة الرسول في الإطار القرآني

ينطلق الشهيد القائد من قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}، ليؤسس لفهم دقيق لطبيعة المهمة النبوية، باعتبارها وظيفة قائمة على التبليغ والإنذار والتبشير، لا على فرض الهداية، هذه الرؤية تُخرج الفهم الديني من دائرة التوقعات الخاطئة التي تُحمّل النبي مسؤولية نتائج اختيار الآخرين، وتعيده إلى إطار “سنة الله” في حرية الإنسان ومسؤوليته الفردية، ويشير التحليل إلى أن الآية الكريمة {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} تمثل حدًا فاصلاً في تحديد المسؤولية، حيث تنفي بشكل قاطع أي مساءلة للنبي صلوات الله عليه وعلى آله عن مصير من اختاروا الضلال، ما دام قد أدى مهمته في البيان الكامل.

نفي العلاقة بين الرسالة والضلال اللاحق

يؤكد الشهيد القائد أن الضلال الذي وقع بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكن أن يُنسب إليه بأي حال، لا من قريب ولا من بعيد،  فالتبيين الذي قدّمه كان “كاملًا”، لا يشوبه نقص أو تقصير،  وبذلك، فإن الانحرافات التي ظهرت في الأمة لاحقًا تعود إلى خيارات بشرية واعية، لا إلى خلل في أصل الرسالة، ويستند هذا الطرح إلى قوله تعالى:  {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}،  وهي آية تكشف أن الاختلاف لم يكن نتيجة جهل، بل نتيجة “بغي” أي انحراف مقصود رغم وضوح الحق.

المسؤولية الفردية ووعي الاختيار

من أبرز أبعاد هذه الرؤية أنها تعيد تحميل الإنسان مسؤوليته الكاملة في اختيار الهداية أو الضلال. فالإنسان لا يُضل بسبب غموض الرسالة، بل بسبب رفضه المتعمد لها، وهنا يبرز بعدٌ تربوي مهم، أن الإشكالية ليست في نقص الأدلة، بل في موقف الإنسان منها، وهذا يعزز مفهوم “الوعي القرآني” الذي يدعو إليه الشهيد القائد، حيث يصبح الإيمان موقفًا واعيًا لا مجرد انتماء شكلي.

تفكيك وهم البحث عن رضا الآخرين

في امتداد التحليل، يتناول الشهيد القائد مسألة السعي لإرضاء الآخرين، مستشهدًا بالمعنى القرآني: {وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ اليهود ولا النصارى}، ليؤكد أن محاولة كسب رضا العدو  قد تقود إلى تنازلات وانحرافات،هذا الطرح يحرر العاملين في المجال الدعوي والفكري من الضغوط النفسية والاجتماعية، ويدفعهم للتركيز على “صواب الموقف” بدلًا من البحث عن  “قبول الآخرين”.

دلالات معاصرة

تحمل هذه الرؤية أبعادًا عميقة تتجاوز السياق التاريخي، لتلامس الواقع المعاصر، ومن أبرزها
تصحيح مفهوم المسؤولية الدعوية، حيث يُفهم أن دور الداعية هو البيان ، وتعزيز الثبات على المبدأ في ظل الضغوط المجتمعية أو السياسية التي تسعى لفرض التنازل، وإعادة الاعتبار للقرآن كمصدر هداية كافٍ بعيدًا عن تحميل الرسالة ما ليس منها، وفهم أسباب التفرق داخل الأمة باعتبارها ناتجة عن صراعات وأهواء، لا عن نقص في الدين.

ختاما ..

تقدم رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه في هذا الدرس إطارًا فكريًا متماسكًا يعيد ترتيب العلاقة بين الرسالة الإلهية ومسؤولية الإنسان، فهي رؤية تؤكد كمال البلاغ النبوي، وتنفي أي صلة له بالضلال اللاحق، وتُحمّل الإنسان مسؤولية خياراته بوعي كامل، وفي زمن تتعدد فيه القراءات وتختلط فيه المفاهيم، تبرز هذه الرؤية كدعوة للعودة إلى القرآن، لا فقط كمصدر للنص، بل كمنهج لفهم الواقع وبناء الموقف، بعيدًا عن التبريرات التي تُلقي باللوم على الرسالة بدلًا من مراجعة الذات.

You might also like