إمّا القرآن .. أو الضياع
في ظل التحولات الفكرية والثقافية والسياسية التي يعيشها العالم الإسلامي، تبرز دعوات متجددة لإعادة ترتيب الأولويات والمرجعيات، وفي مقدمتها الدعوة للعودة الصادقة إلى القرآن الكريم بوصفه المصدر الأصيل للهداية، وفي هذا السياق، تأتي رؤية السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله ودعوته، لتؤكد على مركزية القرآن الكريم كمرجعية شاملة لا يمكن الاستغناء عنها، مهما بلغ الإنسان من علم أو مكانة.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
مركزية القرآن كمرجعية هداية شاملة
تنطلق هذه الرؤية من مبدأ أساسي مفاده أن القرآن الكريم ليس مجرد كتاب تعبدي أو نص ديني يُتلى، بل هو مشروع هداية متكامل يعالج شؤون الحياة كافة، فالهداية كما يطرحها السيد القائد لا تُنال عبر التخصصات البشرية المجردة، ولا عبر التراكم الثقافي المنفصل عن الوحي، بل من خلال الارتباط الوثيق بالقرآن كمصدر أعلى للمعرفة والتمييز بين الحق والباطل، هذا الطرح يعيد الاعتبار للقرآن كـ”مرجعية”، تتقدم على كل المرجعيات الفكرية الأخرى، ويؤسس لفهم أن أي معرفة لا تستند إلى القرآن أو تنسجم معه، تبقى معرفة ناقصة أو معرضة للانحراف.
نقد الغرور المعرفي والتحرر من سلطة الألقاب
من أبرز الأبعاد التي تتجلى في هذه الرؤية هو نقد ما يمكن تسميته بـ”الغرور المعرفي”، حيث يرفض السيد القائد فكرة أن الألقاب العلمية أو المناصب الاجتماعية يمكن أن تُغني الإنسان عن الحاجة إلى هداية القرآن، فالدكتور، والبروفيسور، والفيلسوف، والسياسي، جميعهم، دون استثناء ، بحاجة إلى القرآن كمرشد ومقوم للحياة، هذا الطرح يحمل دلالة عميقة تتمثل في الدعوة إلى “التجرد المعرفي”، أي أن يقف الإنسان أمام القرآن خاليًا من التعصب لرأيه أو ثقافته، مستعدًا لتلقي الهداية دون وسائط أو تحيزات مسبقة، وهو ما يشكل أساسًا لبناء وعي قرآني أصيل.
خطورة تهميش القرآن في منظومة التفكير
تحذر هذه الرؤية بوضوح من مغبة تهميش القرآن أو جعله في موقع ثانوي في حياة الفرد والمجتمع، فحين يتحول القرآن إلى مجرد مرجعية شكلية، أو يُستخدم بشكل انتقائي، فإن النتيجة هي الضلال، حتى وإن كان الهدف المعلن هو البحث عن الهداية، وتستند هذه الفكرة إلى الحديث النبوي الشريف: “ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله”، والذي يعكس قاعدة حاسمة مفادها أن أي مشروع هداية خارج إطار القرآن هو مشروع ناقص أو منحرف، وهنا تتجلى خطورة الاعتماد على مصادر فكرية أو ثقافية بديلة تُقدَّم على القرآن أو تُستقل عنه.
إعادة بناء الوعي على أساس قرآني
تدعو هذه الرؤية إلى إعادة تشكيل الوعي الفردي والجماعي انطلاقًا من القرآن الكريم، بحيث يكون هو الأساس في بناء التصورات، وصياغة المواقف، وتحديد الاتجاهات، وهذا يعني أن القرآن لا يُقرأ فقط للتعبد، بل للتفكير، والتدبر، واستنباط الرؤية الشاملة للحياة، كما تتضمن هذه الدعوة بُعدًا عمليًا يتمثل في تحويل القرآن إلى منهج حياة، يُترجم في السلوك، والسياسة، والاقتصاد، والعلاقات الاجتماعية، بما يحقق القسط والعدل والخير.
الدلالات الحضارية للرؤية
تحمل هذه الرؤية في طياتها مشروعًا حضاريًا يسعى إلى تحرير الأمة من التبعية الفكرية، وإعادة ربطها بمصدر قوتها الحقيقي، فالقرآن ليس فقط مصدر هداية فردية، بل هو أساس لنهضة جماعية، إذا ما أُعطي الأولوية وتم التعامل معه كمنهج شامل، كما أن هذه الرؤية تمثل تحديًا للنماذج الفكرية المستوردة التي قد تتعارض مع القيم القرآنية، وتدعو إلى بناء نموذج مستقل يستمد أصالته من الوحي، ويستجيب في الوقت ذاته لمتطلبات الواقع.
ختاما ..
في المحصلة، تؤكد رؤية السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله على حقيقة جوهرية مفادها أن القرآن الكريم هو الطريق الأوحد للهداية، وأن أي محاولة للاستغناء عنه أو تقليص دوره هي انحراف عن المسار الصحيح، إنها دعوة صريحة لإعادة ترتيب الأولويات، والانطلاق من القرآن لبناء الإنسان والمجتمع، بعيدًا عن الغرور المعرفي والتبعية الثقافية،
هذه الرؤية، بما تحمله من عمق فكري ووضوح منهجي، تفتح الباب أمام مراجعة شاملة للواقع الفكري والثقافي، وتؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها القرآن هو القائد والمرشد في كل مجالات الحياة.