فارس الحقيقة والميدان “عابد حمزة” ..حين يكتبُ الدمُ ما عجز عنه الحبر
لم يكن فارس الحقيقة والميدان الشهيد الإعلامي عابد حمزة مجرد عابرٍ في أروقة الصحافة، أو صدىً لصوتٍ بعيد؛ بل كان هو “الخبر” و”المبتدأ” و”منتهى اليقين”، في زمنٍ تاهت فيه الحقائق خلف غبار التضليل، قرر هذا الفارس أن يغمس ريشته في محبرة الوجود، لا ليكتب تقريراً عابراً، بل ليخطَّ بدمه وثيقة العبور نحو الخلود، هو ذاك الذي أدرك مبكراً أن الكلمة التي لا يحميها دمٌ هي كلمةٌ عرجاء، وأن الحقيقة التي لا تُسقى من فيض التضحية تظلُّ حبيسة الأوراق.
من رحم “صعدة” الشموخ، ومن بين أنقاض الحروب الست، انبعث عابد كطائر الفينيق، حاملاً في يمناه “الحقيقة” كصحيفةٍ ومنهج، وفي يسراه بندقيةً تذود عن حياض الكرامة، لم يذهب إلى الساحل الغربي ليبحث عن “سبقٍ صحفي”، بل ذهب ليصنع “السبق الإلهي”، وليثبت للعالم أن الصحفي الحقيقي هو من يشمُّ رائحة البارود قبل أن يكتب عنه، ومن يلمس جراح شعبه قبل أن يصفها، فكان تجسيداً حياً لآية الصمود، ومثالاً نادراً للإعلامي الذي لم يكتفِ بنقل المشهد، بل اقتحم كادر الصورة ليصبح هو “الصورة” الأجمل في برواز الشهادة.
يمانيون| محسن علي
النشأة والتكوين.. من صعدة إلى رحاب الحقيقة
وُلد الشهيد عابد عبد الله حمزة عام 1977م في منطقة فوط بمديرية ساقين بمحافظة صعدة، تلك المحافظة التي عُرفت بشموخها وصمودها وتضحيات أبنائها، نشأ عابد يتيماً، وهو ما قد يكون قد صقل شخصيته مبكراً ومنحه قوة وعزيمة فريدتين، ذلك المعقل الإيماني الشامخ الذي أنجب أروع نماذج الصمود والتضحية في تاريخ اليمن المعاصر ،وفي هذه المحافظة التي اصطدمت بقوى الطغيان ست مرات متتالية في حروب ما عُرفت بحروب صعدة (2004-2010)، نشأ الفقيد وترعرع في بيت يجمع بين العلم والجهاد والإيمان.
كانت صعدة بالنسبة لعابد حمزة ليست مجرد مسقط رأسه وحسب، بل كانت مدرسةَ حياةٍ صنعت وجدانَه وشكّلت وعيه، فالبيئة الصعدية التي عرفت بأصالتها وتمسكها بالهوية الإيمانية، صقلت شخصيته منذ نعومة أظفاره، وجعلته يرى العالم بعيون مختلفة؛ عيون تُميز بين الحق والباطل، بين المستضعف والمستكبر، بين الحرية والتبعية.
الانخراط المبكر في المشروع القرآني
يمثل الشهيد عابد حمزة نموذجاً للجيل الذي آمن بالمشروع القرآني منذ بواكيره الأولى فقد كان أيضا من بين أوائل المنخرطين في ثورة 21 سبتمبر ، وذلك بالتحديد في المراحل العصيبة التي شنت فيها حكومة الرئيس الصريع علي صالح ست حروب متتالية ضد أنصار الله في صعدة بتوجيهات أمريكية، هذا الانخراط لم يكن مجرد خيار سياسي أو عسكري، بل كان قناعة راسخة وإيماناً عميقاً بأن التغيير يبدأ من الداخل، وأن المقاومة ليست فقط في مواجهة العدو الخارجي، بل أيضاً في كشف الفساد المستشري في الداخل هذه القناعة رافقته طيلة حياته، جعلته يضع قلمه وصحيفته في خدمة كلمة الحق أينما كانت.
أسرة الشهداء
ما يضفي بعداً إنسانياً ونضالياً خاصاً على شخصية الشهيد عابد حمزة، هو أنه لم يكن الوحيد الذي سار على هذا الدرب من عائلته. فقبله، كان إخوته قد سبقوه إلى طريق الشهادة والتضحية، حيث قدموا أرواحهم رخيصة فداءً للوطن وكرامة الأمة ،هذه الحقيقة تُظهر التربة الطيبة التي نبت فيها الشهيد عابد حمزة، ففي أسرة تربي أبناءها على التضحية والفداء، لا غرابة أن تنجب صحفياً مجاهداً يضع قلمه في سبيل الله، ثم لا يتردد في حمل السلاح والالتحاق بجبهات العزة والكرامة، فلقد حوّلت عائلة حمزة منزلها إلى ثكنة عسكرية بمعنى الكلمة، حيث كل فرد فيها جندي في معركة الوجود، والكل مستعد لتقديم الغالي والنفيس في سبيل الله والوطن، وهذه السمة ليست غريبة على أبناء صعدة، الذين عُرفوا عبر التاريخ بأصالتهم وتمسكهم بالمبادئ.
من تأسيس صحيفة “الحقيقة” إلى قيادة الإعلام الحربي
شغل الشهيد عابد حمزة منصب رئيس تحرير صحيفة “الحقيقة“ (Al-Haqeeqa)، وهي الصحيفة التي اتخذت من كشف الحقيقة عنواناً لها في وقت كانت فيه الساحة الإعلامية اليمنية تعاني من انقسام حاد وتضليل إعلامي ممنهج من قبل قوى العدوان وأدواتهم .
اسم الصحيفة بالذات – “الحقيقة” – لم يكن مجرد اختيار عابر، بل كان تعبيراً صادقاً عن رسالة الشهيد عابد حمزة في الحياة. فقد آمن بأن الصحافة ليست مهنة لنقل الأخبار فقط، بل هي رسالة نبيلة تهدف إلى كشف الزيف وفضح الباطل وإيصال صوت المظلومين إلى العالم.
لم تقتصر مسؤولياته على الصحيفة الورقية فقط، بل امتدت لتشمل الإشراف على قطاع المواقع الإلكترونية، إدراكاً منه بأهمية الإعلام الرقمي والمنصات الإلكترونية ونشر الحقيقة عبر الفضاءات الافتراضية التي لا تخضع لسلطة طيران العدوان .
كان الشهيد عابد حمزة يدرك أن الصحافة الإلكترونية هي سلاح العصر، وأن السيطرة على المنصات الرقمية تعني السيطرة على العقول في زمن تتسابق فيه وسائل الإعلام لتشكيل الرأي العام لصالح هذا الطرف أو ذاك.
رئيس “الحقيقة” وصوت الملتزمين
برز اسمه في ميدان الإعلام المناهض للعدوان منذ زمن طويل، وتحديداً منذ بداية المسيرة القرآنية، لقد عمل بكل تفانٍ وإخلاص في أكثر من مجال، ولم يكن نشاطه مقتصراً على الإعلام فحسب، بل امتد ليشمل الجوانب الثقافية والعسكرية والأمنية والاجتماعية، حيث كان كتلة من النشاط والعمل والجهاد، وغلب عليه الصدق والإيمان، فكانت كل أعماله مؤثرة وستبقى كذلك.
كان الشهيد عابد حمزة رئيس تحرير صحيفة “الحقيقة”، التي كانت أنموذجاً للصحافة الوطنية الملتزمة بقضايا الوطن، وخاصة في مواجهة العدوان الأمريكي السعودي الغاشم والحرب التضليلية وأساليب الزيف والإرجاف، وعمل على إصدار الصحيفة بقالب قرآني بحت، ينطلق من قاعدة “عينٌ على الأحداث وعين على القرآن”، وهو ما يعكس منهجه الفكري والإعلامي القائم على الأصالة والالتزام بالقيم الدينية والوطنية، بل إن قلمه كان يفرز المؤمنين من المنافقين، ولسانه سوطاً يجلد المستكبرين، كما أنه يؤمن بأن الإعلام يجب أن يكون أداةً لكشف الحقائق وتفنيد الأكاذيب، وشحذ همم المواطنين والمجاهدين في مواجهة التحديات.
الصحافة كجهاد
لطالما كرّس الشهيد عابد حمزة حياته المهنية لمبدأ واحد: أن الصحافة الحرة هي سلاح لا يقل خطورة عن البندقية،وقد تجلى ذلك في اهتمامه بتغطية تفاصيل الحياة اليومية لليمنيين تحت الحصار والعدوان، وفي نقل معاناتهم التي تجاهلها الإعلام العالمي، فقد كان يرى أن الجهاد لا يقتصر على حمل السلاح في جبهات القتال فحسب، بل يشمل أيضاً حمل القلم وفضح جرائم العدوان أمام الرأي العام العالمي، وهذا ما جعله يُصرّ على أن يكون قريباً من مصادر الخبر مهما كانت خطورة المكان.
من ميدان الكلمة إلى ساحة الوغى.. الشهادة التي تمناها
لم تكتفِ روح عابد حمزة بجهاد الكلمة، بل كانت تتوق إلى ميادين الجهاد الأكبر، لطالما نقل عنه أصدقاؤه تعلقه اللامحدود بالشهادة، حتى أنه كتب معلقاً على صورة رفيقه الشهيد عبد الملك أبو طالب قبل عشرة أيام فقط من استشهاده: “ليتني يا ولي الله كنت معك فأفوز فوزاً عظيماً”، كان هذا الحنين الفياض للشهادة دافعاً له للانتقال من ميدان “الحقيقة” الصحفية إلى ميدان “الحق” والبطولة.
في فبراير 2018، شدَّ الشهيد رحاله من العاصمة صنعاء متجهاً نحو الساحل الغربي، حاملاً معه قلمَه وكاميرا وبندقية، كان هدفه مزدوجاً: إنجاز تحقيق ميداني لصحيفته يوثق بطولات الأبطال في جبهة الساحل، والانخراط في المعركة مساندةً لهم إن لزم الأمر.
الموقع الاستراتيجي
اختار الشهيد عابد حمزة أن يكون في جبهة الحديدة الغربية، وهي إحدى أهم وأخطر الجبهات العسكرية في اليمن، وذلك نظراً لموقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر وباب المندب، فلم يكن تواجده في هذه الجبهة مجرد تغطية إخبارية عابرة، بل كان جزءاً لا يتجزأ من المعرك، فجبهة الحديدة تمثل حيوية خاصة للعدوان، حيث يسيطر الجيش اليمني واللجان الشعبية على هذه المحافظة الساحلية، وهذا ما دفع التحالف الإجرامي إلى الجنون وتشديد الحصار .
لم يكتفِ الشهيد بتغطية الأحداث من بعيد، بل كان يُصر على زيارة ساحات القتال بين الحين والآخر، متجاوزاً مهامه الإعلامية الأساسية، ليكون قريباً من رجال الجيش واللجان الشعبية الذين يسطرون أروع ملاحم الصمود ،هذا الإصرار يعكس قناعة راسخة لديه: أن الصحفي الحقيقي لا يمكنه فهم المعركة وهو جالس في غرفة مكيفة، بل عليه أن يشم رائحة البارود، ويلمس بعينيه حجم التضحيات، وينقل الواقع كما هو بكل تفاصيله القاسية والنبيلة في آن واحد.
توثيق الانتصارات
كان دور الشهيد عابد حمزة محورياً في توثيق الانتصارات التي كان يحققها الجيش اليمني واللجان الشعبية في جبهة الحديدة، كانت عدسته وقلمه شاهدي عيان على بطولات رجال صنعوا المجد بأيديهم، قبل أن يلتحق بهم شهيداً على ذات التراب الذي كان يوثق جهادهم وبطولاتهم ،وهذا يجعل من شهادة عابد حمزة قمة العطاء، فكيف لا يكون توثيق لحظة النصر ثم الشهادة في سبيل ذلك النصر هو ذروة ما يمكن أن يصل إليه أي الإنسان المؤمن الواثق بالله والساعي لنيل رضاه
الموعد مع الشهادة
فور وصوله، عاين الوضع في جبهة الساحل الغربي، حيث كان العدو يقوم بزحف واسع مدعوماً بكل أنواع الطيران،في تلك اللحظة الحاسمة، قرر الشهيد عابد أن يفارق الكاميرا وأن يلتقط البندقية، وانخرط في المعركة، وبدأت بندقيته تكتب ما كان يُنتظر من قلمه، دارت رحى المعركة، وغاص فيها مع المجاهدين، فأوقعوا في الأعداء خسائر جسيمة، كما يعد أحد أبطال المشاهد البطولية التي وثقتها الكاميرات لتدمير أكثر من 20 آلية ومدرعة شمالي يختل والقضاء على عشرات المرتزقة، وهناك أيضاً التقى بأمنيته التي ما برح يتحدث عنها لكل من عرفوه وجالسوه، ليلقى الله شهيداً كما تمنى وكما ظل يدعو ربه أن يرزقه بها، تاركاً خلفه حزناً كبيراً وفراغاً يصعب تعويضه في الحقل الصحفي.
مأساة اليمن.. الجوع والمرض والحصار والحرب
من الجدير بالذكر أن الشهيد عابد حمزة كان من بين أولئك الذين حاولوا إيصال صورة اليمن الحقيقية إلى العالم، وهو الذي عاش وعايش كل تفاصيل المأساة اليمنية جراء الحصار الذي فرضته قوى تحالف العدوان وأذيالهم من الخونة: الجوع الذي يفتك بالأطفال بسبب الحصار، سوء التغذية الذي أصبح سمة العصر، أمراض الكوليرا والدفتيريا التي تفتك باليمنيين، وحتى السرطان الذي ازداد انتشاراً بسبب نقص الأدوية الأساسية في المراكز الصحية، نتيجة الحصار الجوي والبحري والبرّي الذي يُعاني منه اليمنيون ، فكان همه الأساسي أن ينقل كل صورة هذا الألم إلى العالم، لعله يحرك ضمير الإنسانية الخامل أمام هذه الجرائم الدموية الكبرى.
رسالة عابد حمزة للأجيال القادمة
باستشهاده، ترك عابد حمزة رسالة خالدة للأجيال القادمة: وهي أن الكلمة لا تُقتل بالرصاص، وأن من يموت في سبيل الحق لا يموت أبداً، بل يظل حياً في قلوب الأجيال التي تأتي بعده وخلاصة القول: إن الصحفيين اليمنيين، مثل عابد حمزة ورفاقه الذين قضوا في الميدان أو تحت القصف، هم درع هذه الأمة في مواجهة حملة التضليل الإعلامي ،ومهما حاولوا إسكاتهم، سيبقى صوتهم عالياً مدوياً، لأن الحقيقة لا تُقهر أبداً.
ختاما..
إن سيرة الشهيد الإعلامي عابد حمزة هي قصة إلهام وتضحية، تجسد المعنى الحقيقي للإعلام الهادف والجهاد الصادق، فقد كان نموذجاً للإعلامي الواعي الذي لم يكتفِ بنقل الخبر، بل صنع الخبر بدمه، مؤكداً أن الحقيقة لا يمكن أن تُطمس، وأن الأقلام الصادقة لا تنكسر، والنموذج الذي يجب أن تحتذي به الأجيال القادمة: الإخلاص لله، الشجاعة في المواجهة، الصدق في النقل، والثبات على المبدأ مهما كان الثمن.