الشهيد ياسر القدمي “أبو عمار”.. بصيرة مؤمن عاش للميدان وارتقى شهيداً في قلب المعركة

في مسار الحروب الكبرى، لا تصنع المعارك الملحمية وحدها التاريخ، بل يصنعه الله على أيدي “رجال صدقوا” ليجعل منهم عناوين للصمود والثبات والتضحية والعزيمة ، وتسطر أساميهم بأحرف من نور في سجل الخالدين والأبطال اليمانيين الميامين، ومن بين الأسماء التي برزت خلال سنوات المواجهة للعدوان الأمريكي السعودي على اليمن2015، لمع اسم الشهيد القائد الحاج ياسر يحيى القدمي، المعروف بـ“أبو عمار”، كواحد من أبرز القادة الميدانيين في المسيرة القرآنية الذين ارتبطت حياتهم بالجبهات منذ سنواتهم الأولى وحتى لحظة الاستشهاد، لم يكن “أبو عمار” قائداً تقليدياً يظهر في المناسبات والخطابات، بل رجل ميدان حقيقي، صنعت الثقافة القرآنية حضوره بين المجاهدين وفي خطوط النار، حتى أصبح اسمه مرتبطاً بالشجاعة والإقدام والقيادة المباشرة في أصعب الظروف العسكرية.

 يمانيون| محسن علي 

النشأة والبدايات الأولى

وُلد الشهيد اللواء ياسر يحيى القدمي  المكنى ” أبو عمار” عام 1986 في قرية بيت قدم التابعة لمديرية شرس بمحافظة حجة، في بيئة قبلية محافظة عُرفت بالقيم الاجتماعية الأصيلة وروح التكاتف والشهامة، ونشأ في أسرة متدينة بسيطة، وتربى على الالتزام الديني والأخلاقي، وكان منذ طفولته معروفاً بالهدوء والجدية وقوة الشخصية، تلقى تعليمه الأساسي في مدارس منطقته، قبل أن ينتقل إلى العاصمة صنعاء لاستكمال دراسته الثانوية، وهناك بدأت شخصيته تتشكل بصورة أوسع وسط التحولات السياسية والفكرية التي كانت تشهدها البلاد آنذاك، وبحسب روايات مقربين منه، فقد امتلك منذ شبابه ميولاً واضحة نحو الثقافة الدينية والاهتمام بالقضايا العامة، وكان شديد التعلق بالقرآن الكريم، محباً للقراءة، ومتأثراً بخطاب الوعي والتحرر ورفض الوصاية الخارجية، تزوج قبل تسع سنوات من استشهاده، ورزق بابنة وحيدة أسماها البتول، التي كانت ولا تزال متأثرة بوالدها وبمسيرته الجهادية رغم صغر سنها .

 

الجانب الإنساني والفكري في شخصيته

لم تكن شخصية “أبو عمار” عسكرية بحتة، بل امتلك جوانب إنسانية وثقافية لافتة، فقد كان محباً للأدب والشعر، وله مشاركات في كتابة الزوامل والأناشيد الحماسية التي ارتبطت بالجبهات، كما كان يهتم بالجانب الإيماني والتربوي للمجاهدين، ويحرص على تعزيز روح الصبر والثبات بينهم، ويصفه من عرفوه بأنه كان بشوش الوجه، متواضعاً، قليل الكلام، لكنه حاضر بقوة في المواقف الصعبة، كما عُرف بعلاقته القوية بأسرته وحرصه على التواصل الدائم معهم رغم انشغاله المستمر في الجبهات، وكان يرى أن التضحية في سبيل الله والهوية الإيمانية مسؤولية لا تنفصل عن القيم الأسرية والأخلاقية.

 

بداية المسيرة الجهادية

مع تصاعد المؤامرة الأمريكية الصهيوني على محافظة صعدة خلال الحروب الست التي شنها نظام الصريع علي صالح عفاش، التحق الشهيد القدمي مبكراً بصفوف المجاهدين تحت لواء المسيرة القرآنية، وكانت تلك المرحلة نقطة التحول الكبرى في حياته، دخل الميدان شاباً في مقتبل العمر، لكنه سرعان ما لفت الأنظار بجرأته وانضباطه وقدرته على تحمل الظروف القاسية، لم يكن يبحث عن الظهور أو المناصب، بل كان يرى في الميدان واجباً ومسؤولية، شارك في عدد من الجبهات خلال الحرب السادسة، واكتسب خبرة قتالية مبكرة جعلته من الشخصيات المؤمنة الراقية التي يعتمد عليها في المهام الصعبة، خصوصاً مع امتلاكه روح المبادرة والقدرة على القيادة الميدانية تحت الضغط.

 

المسيرة الجهادية والتضحيات

تميزت حياة الشهيد ياسر القدمي بمسيرة جهادية حافلة بالتضحيات والعطاء، حيث كان من أوائل المنخرطين في ميادين الشرف والبطولة، فقد شارك في التصدي للحرب الظالمة السادسة على صعدة، التي شنتها القوات الحكومية آنذاك بتوجيهات أمريكية، وانخرط بعدها في العديد من جبهات العزة والكرامة في مواجهة العدوان الأمريكي السعودي على اليمن2015م.

 

إصاباته المتكررة وإصراره على العودة

كان أبو عمار قائداً ميدانياً شجاعاً، لا يهاب الموت، وقد خاض معارك ضارية في عدة مناطق منها ميدي، نهم، براقش، الجدعان، والجوف وخلال سنوات المواجهة، تعرض الشهيد القدمي لعدة إصابات خطيرة، كان أبرزها إصابته في إحدى المعارك بمحافظة عمران، حيث فقد عينه اليمنى نتيجة إصابة مباشرة برصاص قناص، وهو ما قابله بفرحة غامرة قائلاً: “لم أستشهد، ولكن عيني سبقتني بالشهادة”، هذه الكلمات تعكس عمق إيمانه وتفانيه في سبيل الله والدفاع عن المستضعفين، ورغم خطورة الإصابة، لم يغادر الميدان طويلاً، بل عاد بعد فترة علاج قصيرة إلى الجبهات، رافضاً البقاء بعيداً عن رفاقه، كما تعرض لإصابات أخرى نتيجة غارات وقصف مدفعي في جبهات الساحل الغربي والوازعية، لكنه ظل يعود في كل مرة أكثر إصراراً على مواصلة القتالـ، هذا الإصرار جعل منه نموذجاً للمقاتل الصلب الذي لا تكسره الجراح ولا تبعده المعاناة عن موقعه في الميدان.

 

من مقاتل إلى قائد ميداني بارز

مع توسع المواجهات بعد عام 2015، برز اسم “أبو عمار” بصورة أكبر داخل الجبهات، حيث تولى عدداً من المهام العسكرية الميدانية، وانتقل بين أكثر من محور قتالي في الجوف والساحل الغربي والحديدة ومأرب، كان معروفاً بأنه قائد لا يكتفي بإعطاء التوجيهات من الخلف، بل يشارك بنفسه في تنفيذ العمليات، ويتواجد دائماً في الخطوط الأمامية إلى جانب مقاتليه، ويروي مقربون منه أنه كان شديد الحرص على رفع المعنويات، قريباً من الجنود، يشاركهم الطعام والسهر والتعب، ويؤمن أن القائد الحقيقي هو من يعيش تفاصيل الميدان بكل ما فيها من خطر ومعاناة، وقد عُرف أيضاً بصرامته العسكرية وانضباطه العالي، إلى جانب اهتمامه بالتخطيط والتدريب والإعداد القتالي، الأمر الذي جعله يحظى باحترام واسع داخل الأوساط العسكرية والمجتمعية.

 

محطات بارزة في مسيرته العسكرية

ارتبط اسم الشهيد القدمي بعدد من المعارك المهمة خلال سنوات الحرب، خصوصاً في جبهات الساحل الغربي والجوف وكان له حضور ميداني بارز في العمليات العسكرية التي شهدتها تلك المناطق، حيث اكتسب سمعة واسعة كقائد يمتلك الجرأة وسرعة التحرك والقدرة على إدارة المواجهات المباشرة، كما أسندت إليه مهام تتعلق بالتدريب والتأهيل العسكري، نتيجة خبرته الطويلة وتجربته الميدانية الممتدة منذ سنوات الحرب الأولى، وقد تحوّل مع مرور الوقت إلى واحد من أبرز الوجوه الميدانية المعروفة داخل الجبهات، رغم ابتعاده عن الظهور الإعلامي المكثف.

 

بعض قصائده التي كان يرددها

ترك الشهيد وراءه العديد من الأشعار والزوامل التي كتبها وأنشدها، بالإضافة إلى محاضرات وكلمات مؤثرة، منها قوله: “كن مع الله يكون الله معك”،

و “يا صديقي قم تحرك

ما على الدنيا العوج

واعلم أن الله ألزمنا بمنهج

ما جعل له من عوج..

في سبيل الله خط الاستقامة”

وقد كان يردد في أبياته الشعرية أيضا:

با ننتصر في الحرب أو نستشهد

ويا سعد من يحظى بإحدى الحسنيين

والنصر من ربي قريب مؤكد

ما غير نتسبب وربي با يعين

 

الصفات والمآثر

عرف الشهيد أبو عمار بأخلاقه الرفيعة وتواضعه الجم، وكان قدوة لأهل بيته ولأقرانه في الجبهات،  وصفته زوجته بأنه كان صبوراً، محباً، حكيماً، وموجهاً، ولم تسمع منه كلمة جارحة طوال تسع سنوات من الزواج، رغم همومه الكبيرة ومشاغله ، كان بشوشاً ضاحكاً، وصاحب روح طاهرة، وكان يحث زوجته على الصبر ويذكرها بالسيدة زينب عليها السلام .

لم يترك الشهيد إرثاً مادياً لأسرته، بل ترك لهم إرثاً عظيماً من العزة والكرامة ودروساً لا تحصى في كل مناحي الحياة، وهو ما اعتبرته زوجته أغلى من كنوز الدنيا ومجوهراتها ، كما حظي بتقدير كبير من القيادة، حيث تداولت صور لسماحة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي وهو يقبل رأس الشهيد أبو عمار القدمي أثناء زيارته له وهو جريح

 

قصائد وزوامل في رثاء الشهيد

لقد ألهم الشهيد ياسر القدمي العديد من الشعراء والمنشدين، الذين خلدوا ذكراه بقصائد وزوامل تعبر عن عظم تضحياته. من هذه الأعمال:

مرثية (يا الشهيد الحي يالنجم الأصيل): تصفه هذه المرثية بـ”الأسد الضرغام الذي طعفر بالأعداء”، وتشيد بصدق ولائه وإخلاصه ونهجه الجليل، مؤكدة أنه “لم يمت بل أحيا رفاقه وأعدهم قبل الرحيل”

أوبريت (القدمي): من أداء فرقة البصيرة، وكلمات الشاعر معاذ الجنيد .

أوبريت (درب الشهادة): من أداء فرقة الشهيد الصماد، وكلمات أسد باشا وهايل العزيزي .

زامل (نخط العهود): بصوت المنشد سليماني الكباح .

قصيدة للشاعر حسن موسى مهدي: يصف فيها الشهيد بـ”البدر” و”كوكب الأرض”، ويشيد ببطولاته في “ميدي” و”نهم”، ويصفه بـ”الطود الشامخ” .

 

الاستشهاد.. النهاية التي تشبه حياته

في أغسطس 2020، ارتقى الشهيد القائد ياسر القدمي “أبو عمار” خلال مشاركته في إحدى المعارك بمحافظة الجوف، بعد سنوات طويلة قضاها متنقلاً بين الجبهات وخطوط المواجهة.

وشهدت محافظة حجة مراسم تشييع واسعة ومهيبة لجثمانه الطاهر، شارك فيها مسؤولون وقيادات عسكرية واجتماعية وقبلية، إلى جانب حشود كبيرة من المواطنين الذين حضروا لتوديع أحد أبرز القادة الميدانيين الذين عرفتهم سنوات الحرب الأخيرة.

 

الشهادة عز ووسام

ارتقى الشهيد اللواء ياسر القدمي إلى ربه سعيدا بعد مسيرة جهادية طويلة، تاركاً خلفه سيرة عطرة من التضحية والفداء، كان خبر استشهاده قد نبأ بها أهله مسبقا، إلا أن زوجته أكدت أنه كان يردد دائماً “الشهادة عز ووسام يصطفي الله بها أولياءه المخلصين” وكان أحدهم.

You might also like