حجة الوداع ويوم الولاية.. من البلاغ النبوي إلى مشروع الأمة

تمثل القراءة التي قدمها السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله في كلمة له بمناسبة يوم الولاية في العام 45 هجرية ، عن حجة الوداع ويوم الولاية قراءةً تتجاوز السرد التاريخي التقليدي، لتضع هذا الحدث الإسلامي المفصلي في سياقه الرسالي والسياسي والحضاري، باعتباره محطةً إلهيةً حاسمةً لإكمال بناء الأمة وتحصينها من الانحراف، وفي هذه الرؤية، لا تُقدَّم حجة الوداع كمجرد موسم عبادي أو خطاب وعظي أخير، بل كمقدمة استراتيجية وتمهيد إلهي لإعلان “الولاية” في غدير خم، بوصفها الامتداد الطبيعي لقيادة الأمة بعد النبي صلوات الله عليه وعلى آله، والضمانة العملية لحفظ الدين وصيانة الأمة من السقوط تحت ولاية الطاغوت والانحراف السياسي والفكري.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

حجة الوداع .. الحشد الأكبر لبلاغ المصير

يركز السيد القائد في تحليله على أن النبي محمد  صلوات الله عليه وآله،  لم يدعُ إلى حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة باعتبارها فريضة موسمية فحسب، بل باعتبارها لقاءً مصيرياً شاملاً مع الأمة، في مرحلة كان فيها الوحي قد أشعره بقرب الرحيل إلى جوار ربه،  ومن هنا، فإن الاستنفار الواسع للمسلمين للحج في العام العاشر للهجرة لم يكن أمراً عادياً، بل يعكس إرادةً نبويةً لجمع الأمة على أوسع نطاق قبل الإعلان عن القضية الأخطر والأكثر حساسية في مستقبل الإسلام بعد وفاته صلوات الله عليه وعلى آله،  ويُبرز السيد القائد دلالة الحضور الجماهيري غير المسبوق لذلك الموسم، باعتباره إعداداً متعمداً ليكون البلاغ النهائي في قضية الولاية بلاغاً علنياً عاماً، تشهده الأمة كلها، وتقوم به الحجة على الجميع.

خطاب الوداع .. تأسيس أخلاقي ووحدوي للأمة

في تحليل مضامين خطبة حجة الوداع، يبين السيد القائد أن النبي صلى الله عليه وآله قد وضع فيها الأسس الكبرى لبناء الأمة الإسلامية، من خلال،  التأكيد على الاستقامة على الإسلام،
وترسيخ مبدأ الأخوة الإيمانية، والتحذير من الفرقة والتنازع، ومكافحة الظلم، وتثبيت القيم الأخلاقية والدينية، والدعوة للاعتصام بحبل الله، ويُنظر إلى هذه المضامين باعتبارها تمهيداً فكرياً وروحياً لما سيأتي بعد ذلك في غدير خم، إذ إن بناء الأمة على أساس الوحدة والعدل والقيم الإيمانية لا يمكن أن يستمر دون قيادة ربانية تحفظ المسار وتحمي الرسالة من الانحراف.

غدير خم .. لحظة الإعلان المصيري

تتوقف رؤية السيد القائد مطولاً عند لحظة وصول النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى غدير خم، باعتبارها اللحظة التي نزل فيها الأمر الإلهي الحاسم:  يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَـمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ، ويرى السيد القائد أن دلالات هذه الآية تكشف بوضوح عن طبيعة القضية التي أُمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغها، من خلال مستويين أساسيين الأول هو الأهمية القصوى للبلاغ، فالآية تربط بين هذا البلاغ وبين الرسالة كلها، إلى درجة قوله تعالى:{وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}، وهو ما يفيد أن القضية ليست تفصيلاً فرعياً أو أمراً ثانوياً، بل مسألة ترتبط بمستقبل الدين نفسه، وبكيفية حفظه واستمراره بعد رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم،  وكذا حساسية القضية لدى الناس، ويتجلى ذلك في قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}
إذ يفسر السيد القائد هذه العبارة بأنها تعكس وجود حساسية وتعقيدات اجتماعية وسياسية تجاه موضوع الولاية، بما يجعله قضيةً ذات تبعات كبيرة داخل المجتمع الإسلامي آنذاك.

الترتيبات الاستثنائية .. مؤشر على خطورة القضية

من أبرز ما يركز عليه السيد القائد في تحليله هو أن الإجراءات التي اتخذها النبي صلوات الله عليه وعلى آله في غدير خم تؤكد استثنائية الحدث، ومنها إعادة من تقدم من الحجيج.
انتظار المتأخرين، وجمع عشرات الآلاف في وقت الظهيرة الشديد الحرارة، وإقامة المنبر من أقتاب الإبل، والإعلان العام الجامع، واستشهاد الأمة على البلاغ، ويرى أن هذه الترتيبات لا يمكن فهمها باعتبارها مرتبطة بمسألة عابرة أو توصية عامة بالمحبة، بل تعكس إعلاناً مصيرياً ذا طبيعة قيادية ورسالية تتعلق بمستقبل الأمة.

“من كنت مولاه فهذا علي مولاه”.. الامتداد الطبيعي للرسالة

في قلب هذا الحدث يأتي الإعلان النبوي :
«من كنت مولاه فهذا علي مولاه»
فالسيد القائد يرى أن هذا النص جاء واضحاً في ربط ولاية الإمام علي بن أبي طالب بولاية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نفسه، باعتبارها امتداداً لخط الهداية والقيادة الإلهية،
ويؤكد أن سياق الخطبة، والآية القرآنية، والظروف التي أحاطت بالحدث، كلها تشير إلى أن المقصود هو الولاية بمفهومها القيادي والإيماني، لا مجرد المحبة الشخصية أو المكانة المعنوية، كما أن دعاء صلوات الله عليه وعلى آله: «اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله»،
يكشف أن القضية مرتبطة بموقع عملي في قيادة الأمة ومواجهة التحديات والانحرافات.

الولاية كمفهوم قرآني لحماية الأمة

يتجاوز السيد القائد القراءة التاريخية للحدث إلى تقديم الولاية باعتبارها مبدأً قرآنياً يحفظ الأمة من الضياع والخضوع لقوى الهيمنة، ففي رؤيته، لا توجد منطقة فراغ بين ولاية الله وولاية الطاغوت، بل إن الأمة إذا لم تلتزم بخط الولاية الإلهية ستقع تلقائياً تحت هيمنة القوى المستكبرة والمنحرفة،  ومن هنا يربط السيد القائد بين يوم الولاية وبين واقع الأمة المعاصر، معتبراً أن القوى الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة تسعى لفرض وصايتها السياسية والثقافية والعسكرية على العالم الإسلامي، بما يجعل استيعاب مفهوم الولاية ضرورة عملية للتحرر والاستقلال.

البعد السياسي والحضاري في الرؤية

تكشف قراءة السيد القائد لحادثة الغدير عن بُعد سياسي واضح، يتمثل في أن الإسلام ليس مجرد منظومة عبادية فردية، بل مشروع حضاري متكامل يحتاج إلى قيادة ربانية واعية تحمي الأمة من الانقسام والتبعية، وفي هذا السياق، تُقدَّم الولاية باعتبارها ضمانة لوحدة الأمة، وحماية للهوية الإسلامية، ومرجعية في مواجهة الطغيان، وامتداداً للهداية النبوية،
وأساساً للاستقلال السياسي والثقافي، كما تعكس هذه القراءة تصوراً للصراع في العالم باعتباره صراعاً بين مشروع الولاية الإلهية ومشروع الهيمنة الطاغوتية.

بين حجة الوداع ويوم الولاية .. اكتمال البناء الرسالي

في المحصلة النهائية، يقدم السيد القائد حجة الوداع بوصفها تمهيداً متكاملاً ليوم الولاية، حيث اكتمل البلاغ النبوي في آخر محطة جماهيرية كبرى قبل رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم،   فبعد أن أرسى في حجة الوداع قواعد الدين والأخلاق ووحدة الأمة، جاء إعلان الولاية في غدير خم ليضع الضمانة القيادية لاستمرار ذلك المشروع الإلهي عبر الزمن،  ومن هنا، فإن يوم الولاية في هذا التصور ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل قضية وعي وهوية وارتباط عملي بمنهج الهداية الإلهية، في مواجهة مشاريع الهيمنة والانحراف التي تستهدف الأمة في حاضرها ومستقبلها.

You might also like