في ذكرى الهجرة النبوية.. السيد القائد يرسم معالم المواجهة والنهضة ويؤكد ثبات الموقف تجاه قضايا الأمة
في كل عام تأتي ذكرى الهجرة النبوية لتستحضر واحدة من أعظم المحطات المفصلية في تاريخ الأمة الإسلامية؛ تلك اللحظة التي انتقل فيها الإسلام من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة وصناعة الحضارة. ومن هذا المعنى العميق انطلق السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي في كلمته بمناسبة حلول العام الهجري الجديد، مقدماً رؤية شاملة لمستقبل الأمة وتحدياتها، ومستحضراً دروس الهجرة النبوية باعتبارها نموذجاً عملياً في الثبات والمواجهة والبناء، ولم تقتصر الكلمة على استذكار الحدث التاريخي، بل حملت رسائل سياسية واستراتيجية وفكرية عكست قراءة للواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية، وحددت طبيعة الصراع القائم، ومسؤوليات المسلمين تجاه قضاياهم المصيرية، في ظل ما تشهده المنطقة من تحولات ومتغيرات متسارعة.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
العدو الذي لم يغيّر طبيعته
في مستهل رسائله، أكد السيد القائد ثبات الموقف تجاه أعداء السلم والإنسانية، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وكيان العدو الإسرائيلي، معتبراً أن ممارساتهم المتواصلة ضد الشعوب الإسلامية ومقدساتها تؤكد حقيقة العداء الذي يحمله هذا المشروع تجاه الأمة، وتعكس هذه الرسالة حرصاً على إبقاء بوصلة الصراع واضحة في الوعي الإسلامي، في وقت تشهد فيه المنطقة محاولات لإعادة ترتيب الأولويات وتغيير طبيعة التهديدات الحقيقية التي تواجه شعوبها، فالإساءات المتكررة للقرآن الكريم، والانتهاكات المستمرة للمقدسات الإسلامية، والجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، كلها ليست أحداثاً منفصلة، بل حلقات ضمن مشروع متكامل يستهدف هوية الأمة ووجودها الحضاري، ومن هنا يبرز البعد الأهم في هذه الرسالة، وهو الانتقال من مجرد تشخيص الخطر إلى التأكيد على مسؤولية الأمة في التصدي له ومواجهته وعدم التسليم بواقعه.
من مواجهة العدوان إلى وحدة الساحات
وانطلاقاً من هذا التشخيص لطبيعة الصراع، انتقل السيد القائد إلى التأكيد على مبدأ وحدة الساحات ومحور الجهاد والمقاومة باعتباره أحد أهم عوامل القوة في مواجهة المشاريع المعادية،
فالخطاب يقدم الصراع الدائر في فلسطين ولبنان واليمن وسائر ساحات المواجهة باعتباره معركة واحدة تتعدد جغرافيتها وتتقاطع أهدافها، وبذلك تصبح أي مواجهة في إحدى الساحات شأناً يخص الأمة بأسرها، لا قضية محلية معزولة عن محيطها، وتحمل هذه الرؤية أبعاداً استراتيجية مهمة، أبرزها تعزيز التكامل بين قوى المقاومة وبناء معادلات ردع جديدة تجعل أي اعتداء على طرف من أطراف المحور محفوفاً بحسابات أكثر تعقيداً بالنسبة للخصوم.
الهجرة بوصفها مشروع نهضة
وبعد الحديث عن التحديات الخارجية، توجه الخطاب إلى الداخل الإسلامي، مستلهماً من الهجرة النبوية دروس النهوض والبناء، فالهجرة في القراءة التي قدمها السيد القائد لم تكن مجرد انتقال جغرافي من مكة إلى المدينة، بل كانت مشروعاً متكاملاً لبناء الإنسان والمجتمع والدولة. ومن هذا المنطلق دعا إلى السعي الجاد لتحقيق النهضة الإسلامية والأخذ بأسباب القوة والتمسك بالقرآن الكريم والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويكشف هذا الطرح عن رؤية تتجاوز المفهوم التقليدي للمقاومة باعتبارها فعلاً عسكرياً فقط، لتتحول إلى مشروع حضاري شامل يجمع بين بناء الوعي، وتعزيز الهوية، وتطوير القدرات، وتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي والثقافي،
فالأمم لا تنتصر بالسلاح وحده، وإنما بامتلاكها عناصر القوة الشاملة التي تمكنها من صناعة مستقبلها بعيداً عن الهيمنة والتبعية.
إشادة بإيران ورسالة حول موازين القوى
وفي سياق الحديث عن واقع المواجهة مع المشروع الأمريكي الإسرائيلي، جاءت تهنئة السيد القائد للجمهورية الإسلامية في إيران بمناسبة ما تحقق لها من انتصار في مواجهة العدو الصهيوأمريكي، ولا يمكن قراءة هذه الإشارة بمعزل عن السياق الإقليمي العام، إذ تحمل في طياتها تأكيداً على ترابط مكونات محور المقاومة، وعلى أن ما يتحقق في أي ساحة من إنجازات ينعكس على مجمل معادلات الصراع في المنطقة، كما تعكس هذه الرسالة قناعة متزايدة لدى قوى المقاومة بأن موازين القوى تشهد تحولات مهمة، وأن مرحلة الهيمنة المطلقة التي تمتعت بها الولايات المتحدة وإسرائيل لم تعد كما كانت في السابق، في ظل تنامي قدرات قوى المواجهة واتساع تأثيرها الإقليمي.
رسائل الجهوزية والاستعداد
ولأن المنطقة لا تزال تعيش حالة من التوتر والتصعيد، فقد حملت الكلمة رسالة واضحة بشأن الجهوزية المستمرة لمواجهة أي تطورات أو تهديدات جديدة قد تستهدف غزة أو أي ساحة من ساحات محور المقاومة، وتؤكد هذه الرسالة أن خيار الاستعداد لم يعد مرتبطاً بحدث طارئ أو ظرف مؤقت، بل أصبح جزءاً من استراتيجية دائمة تهدف إلى منع الخصوم من فرض وقائع جديدة بالقوة أو استغلال الظروف لتحقيق مكاسب على حساب شعوب المنطقة، كما أنها تعكس حرصاً على طمأنة الحلفاء والجمهور الداخلي بأن معادلة الدعم والإسناد لا تزال قائمة، وأن أي تصعيد محتمل سيواجه بمستوى مناسب من الاستعداد والتعامل.
دعوة للتحرر من التبعية
وتختتم الرسائل الأساسية للخطاب بدعوة واسعة إلى التحرر من الارتهان والخضوع للقوى المعادية للأمة، باعتبار أن التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية كانت ولا تزال من أبرز أسباب الضعف والتراجع، وفي هذا السياق، يربط السيد القائد بين الاستقلال الحقيقي وبين القدرة على اتخاذ القرار الحر وبناء مشاريع التنمية والنهوض بعيداً عن الضغوط الخارجية، مستحضراً مرة أخرى الدرس الجوهري للهجرة النبوية الذي جسد الانتقال من واقع الهيمنة والاضطهاد إلى واقع الاستقلال وبناء الدولة.
ختاما ..
تكشف كلمة السيد القائد بمناسبة الهجرة النبوية عن رؤية متكاملة تستلهم من الحدث التاريخي معاني الثبات والتحرر والبناء، وتعيد توظيفها في قراءة تحديات الحاضر واستشراف متطلبات المستقبل، وبين التأكيد على ثبات الموقف من أعداء الأمة، والدعوة إلى وحدة الساحات، والحث على بناء مشروع النهضة الإسلامية، تتشكل رسالة مركزية مفادها أن الهجرة النبوية لم تكن حدثاً انتهى في التاريخ، بل منهجاً متجدداً قادراً على إلهام الأمة في معركتها من أجل الحرية والكرامة والاستقلال.