الحصار السعودي على اليمن واستحقاقات السلام المؤجلة.. أبعاد الصراع ودلالات نهب الثروة الوطنية
لا يزال ملف الحصار الاقتصادي ونهب الثروات الوطنية من قبل تحالف العدوان بقيادة السعودية يمثلان أحد أبرز التحديات التي تواجه أي مسار حقيقي للتسوية فبعد أكثر من عقد من العدوان والحصار، يواجه اليمن واقعاً معقداً تتداخل فيه الأبعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية، بينما تتواصل معاناة الشعب اليمني نتيجة القيود المفروضة على الموانئ والمطارات واستمرار السيطرة على الموارد السيادية للبلاد، وتأتي التصريحات الأخيرة لقائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله لتسلط الضوء على رؤية تعتبر أن ما يجري في اليمن ليس مجرد صراع داخلي أو إقليمي محدود، بل جزء من مواجهة أوسع مع مشروع الهيمنة الصهيونية والأمريكية في المنطقة، وأن العناوين والأدوات قد تتغير، لكن جوهر المعركة وأهدافها الاستراتيجية لا تزال قائمة.الحصار السعودي على اليمن واستحقاقات السلام المؤجلة.. أبعاد الصراع ودلالات نهب الثروة الوطنية
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الحصار.. أداة حرب مستمرة رغم الحديث عن السلام
على الرغم من التراجع النسبي في العمليات العسكرية المباشرة خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الحصار الاقتصادي ما يزال يمثل الوجه الأبرز للعدوان ضد اليمن، فاستمرار القيود على حركة الملاحة والتجارة، والتضييق على القطاع المصرفي، ونهب الثروة النفطية، وعرقلة تدفق السلع والخدمات، كلها مؤشرات تؤكد أن حالة الحرب لم تنتهِ فعلياً، وإنما انتقلت إلى أشكال أخرى أقل ظهوراً وأكثر تأثيراً على حياة المواطنين، ومن هذا المنطلق، ينظر الكثير من المراقبين إلى استمرار الحصار باعتباره دليلاً على غياب الإرادة الحقيقية لدى دول العدوان لتنفيذ استحقاقات السلام، حيث إن أي تسوية جادة تبدأ برفع الإجراءات التي تستهدف حياة المدنيين وتمس احتياجاتهم الأساسية، وتبرز هنا دلالة مهمة تتمثل في أن السلام لا يمكن أن يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار، بل يتطلب معالجة جذور الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي نتجت عن سنوات طويلة من الحصار والاستهداف الممنهج للبنية الاقتصادية اليمنية.
التهرب السعودي من استحقاقات السلام
تؤكد التطورات السياسية أن هناك فجوة واسعة بين الخطاب المعلن حول السلام وبين الممارسات الفعلية على الأرض، فبينما تُطرح المبادرات وتُعقد اللقاءات الدبلوماسية، لا تزال الملفات الجوهرية عالقة دون حلول حقيقية، وفي مقدمتها صرف المرتبات، ورفع الحصار، ووقف التدخلات الخارجية، واستعادة السيادة على الثروات الوطنية، ويشير هذا الواقع إلى أن دول العدوان بقيادة السعودية تسعى إلى إدارة الأزمة اليمنية بدلاً من حلها، بما يضمن استمرار أدوات الضغط والتأثير على القرار الوطني اليمني، ومن هنا تأتي رؤية صنعاء بأن أي سلام لا يتضمن معالجة هذه القضايا الأساسية سيظل سلاماً هشاً ومؤقتاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة.
نهب الثروة الوطنية.. الحرب الاقتصادية المستمرة
يشكل ملف النفط والغاز والثروات السيادية أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد اليمني، فخلال سنوات العدوان ، تعرضت الموارد الوطنية لعمليات استغلال وحرمان للشعب اليمني من عائداتها، في وقت كانت فيه البلاد بأمس الحاجة إلى هذه الإيرادات لتغطية النفقات الأساسية وتحسين الخدمات العامة،
وتحمل هذه القضية أبعاداً تتجاوز الجانب الاقتصادي، إذ ترتبط بشكل مباشر بمفهوم السيادة الوطنية والاستقلال السياسي، فالدول التي لا تملك قرارها الاقتصادي تظل عرضة للابتزاز والضغوط الخارجية، وهو ما يجعل معركة استعادة الثروة الوطنية جزءاً أساسياً من معركة التحرر الوطني، كما أن استمرار السيطرة على الموارد السيادية يفسر جانباً من التعثر الذي تشهده جهود السلام، لأن إنهاء هذا الملف يعني انتقال اليمن إلى مرحلة جديدة يمتلك فيها أدوات أكبر لبناء اقتصاده واستعادة قدراته التنموية.
اليمن والمشروع الصهيوني .. قراءة في طبيعة الصراع
تطرح القيادة الثورية في اليمن رؤية تعتبر أن العدوان الذي بدأ عام 2015م يرتبط في جوهره بموقع اليمن ضمن معادلة الصراع الإقليمي مع المشروع الصهيوني والأمريكي، ووفق هذه الرؤية، فإن استهداف اليمن لم يكن بسبب عوامل داخلية فقط، وإنما بسبب مواقفه الرافضة للهيمنة الخارجية وسعيه لبناء قرار وطني مستقل، وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن التطورات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في ظل تصاعد المواجهة بين محور المقاومة والكيان الصهيوني، أعادت إبراز الأبعاد الاستراتيجية للصراع في اليمن، وربطته بصورة أوضح بالتحولات الجيوسياسية الكبرى التي تشهدها المنطقة،
ومن هنا تبرز دلالة التصريح بأن “العناوين والأدوات تتغير”، حيث انتقلت المواجهة من العمل العسكري المباشر إلى أشكال أخرى تشمل الحرب الاقتصادية والحصار والضغوط السياسية والإعلامية، مع بقاء الأهداف الاستراتيجية ذاتها.
كسر الحصار عنوان المرحلة القادمة
من أبرز الرسائل التي تحملها المواقف المعلنة في صنعاء أن مرحلة خفض التصعيد لا تعني انتهاء الصراع، وإنما تمثل محطة مؤقتة ضمن مسار أطول، ولذلك يبرز شعار “كسر الحصار والهيمنة” باعتباره العنوان المركزي للمرحلة المقبلة، ويعكس هذا التوجه قناعة بأن المعركة الحقيقية لم تعد تقتصر على الجوانب العسكرية، بل تشمل بناء مقومات الصمود الاقتصادي وتعزيز الاستقلال الوطني واستعادة القرار السيادي، كما أنه يعكس إدراكاً متزايداً بأن الحصار يمثل العقبة الأكبر أمام أي مشروع للنهوض الاقتصادي والتنمية المستدامة.
النهضة الاقتصادية والعلمية.. معركة البناء في زمن الحصار
رغم التحديات الهائلة التي فرضتها الحرب العدوانيةعلى اليمن ، تؤكد صنعاء أنها تعمل على تأسيس نهضة اقتصادية وعلمية طويلة المدى، مستندة إلى ما تحقق من خطوات في مجالات الإنتاج المحلي والتأهيل البشري والتطوير المؤسسي، وتكمن أهمية هذا التوجه في أنه ينقل المواجهة من دائرة رد الفعل إلى دائرة الفعل والبناء، حيث يجري الاستثمار في الإنسان باعتباره الركيزة الأساسية لأي مشروع نهضوي، كما أن التركيز على التنمية العلمية والمعرفية يمثل محاولة لمعالجة آثار عقود من التبعية الاقتصادية والتكنولوجية، غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة بسبب محدودية الإمكانات واستمرار الحصار، وهو ما يجعل نتائجها تحتاج إلى وقت أطول حتى تنعكس بصورة ملموسة على الواقع الاقتصادي والمعيشي.
بين الصمود والتحرير.. رؤية المستقبل
تكشف التصريحات الأخيرة عن رؤية استراتيجية تقوم على الجمع بين مسارين متوازيين، مسار البناء الداخلي ومسار مواجهة الضغوط الخارجية، فبينما يجري العمل على تعزيز القدرات الاقتصادية والعلمية، يستمر الاستعداد لمواجهة أي تطورات قد تفرضها طبيعة الصراع القائم، وفي هذا الإطار، يُنظر إلى تحرير الأرض واستعادة الثروة الوطنية وكسر الحصار باعتبارها أهدافاً مترابطة لا يمكن فصل بعضها عن بعض، لأن تحقيق السيادة الشاملة يتطلب امتلاك القرار السياسي والاقتصادي معاً.
ختاما ..
إن استمرار الحصار السعودي على اليمن والتهرب من تنفيذ استحقاقات السلام ونهب الثروة الوطنية يكشف أن الصراع لا يزال قائماً وإن تغيرت أشكاله وأدواته. وبينما تتحدث بعض الأطراف عن السلام، تؤكد الوقائع أن الملفات الجوهرية ما زالت معلقة، وفي مقدمتها رفع الحصار واستعادة الموارد السيادية، وفي المقابل، تبرز رؤية يمنية تعتبر أن مواجهة الهيمنة الخارجية وكسر الحصار وبناء نهضة اقتصادية وعلمية مستقلة تمثل المسار الحقيقي نحو السلام والاستقرار، وبين معركة الصمود ومعركة البناء، يبدو أن المرحلة المقبلة ستتمحور حول إعادة تشكيل معادلة القوة الاقتصادية والسيادية، بما يحدد مستقبل اليمن وموقعه في المشهد الإقليمي خلال السنوات القادمة.