صرخة لا تموت.. «هيهات منا الذلة» بين الوعي القرآني ومواجهة الهيمنة
مع بداية مطلع كل عام هجري وتحديداً في شهر محرم، يعود نداء الإمام الحسين عليه السلام وصرخته المدوية “هيهات منا الذلة” ليحضر بوصفه موقفًا لا شعاراً فحسب، ومنهجًا لا ذكرى عابرة، وإعلانًا خالدًا عن هوية الإنسان المؤمن حين يُخيَّر بين الحرية والكرامة والخضوع والإذلال، وفي مضامين كلمات ومحاضرات السيد القائد عبدالملك الحوثي- المتعددة يحفظه الله- تتجلى هذه الصرخة باعتبارها مشروعًا قرآنيًا للتحرر من الهيمنة والخضوع، وقاعدة وعي ومسؤولية، تستنهض الأمة للتمسك بقيم الحق والحرية والاستقلال أما قضاياها الكبرى، ورفض كل أشكال الإذلال والاستسلام وتجسيدًا عمليًا لمعاني العزة والكرامة والثبات في مواجهة التحديات، بما يجعل من عاشوراء مدرسة متجددة في بناء الإنسان والأمة.
يمانيون| محسن علي
تمثل صرخة الإمام الحسين عليه السلام واحدة من أكثر العبارات حضورًا وتأثيرًا في الوعي الإسلامي؛ لما تختزنه من معاني العزة والكرامة والرفض المطلق للخضوع للباطل، ويؤكد السيد القائد في طرحه أن موقف الإمام الحسين عليه السلام لم يكن بحثًا عن مواجهة مجردة أو رفضًا شخصيًا للواقع، بل كان انطلاقًا من مسؤولية إيمانية وأخلاقية لحماية قيم الإسلام ومنع تحويل الأمة إلى حالة من الاستسلام والتطبيع مع الانحراف والظلم، ومن هذا المنطلق أصبحت عبارة «هيهات منا الذلة» عنوانًا للوعي قبل أن تكون عنوانًا للصمود.
الذلة ليست ضعف الإمكانات.. بل القبول بالخضوع
من أبرز الدلالات التي يركز عليها السيد القائد أن الذلة ليست مرتبطة بالفقر أو قلة العدد، وإنما تبدأ حين يتنازل الإنسان عن حقه أو يقبل أن يُدار بالخوف أو الإكراه أو المصالح الضيقة، ولذلك فإن موقف الإمام الحسين عليه السلام مثّل رفضًا قاطعًا لإضفاء الشرعية على الانحراف، حتى وإن كان الثمن التضحية، ويُقدَّم هذا المعنى باعتباره درسًا للأمة بأن الكرامة لا تُشترى بالمكاسب المؤقتة، وأن الثبات على الحق هو أساس القوة الحقيقية.
«هيهات منا الذلة».. مشروع لصناعة الإنسان الحر
في قراءة السيد القائد، لم يكن هدف الإمام الحسين صناعة حالة وجدانية مؤقتة، بل بناء إنسان حر يمتلك الإرادة والبصيرة، فالإنسان الذي يتحرر من الخوف والطمع يصبح أكثر قدرة على اتخاذ الموقف الصحيح والدفاع عن قضاياه، ومن هنا تتحول عاشوراء إلى مدرسة تربوية تعيد تعريف مفهوم الانتصار؛ فالانتصار ليس دائمًا في النتائج المادية المباشرة، بل في الحفاظ على المبادئ ومنع سقوط القيم.
الوعي والبصيرة أساس مواجهة التحديات
تحضر قضية الوعي بقوة في خطاب السيد القائد عند الحديث عن الإمام الحسين؛ إذ يرى أن أخطر ما تواجهه الأمة ليس قوة الخصوم بقدر ما هو فقدان البصيرة والاستسلام للحملات الفكرية والإعلامية، وعليه، فإن صرخة «هيهات منا الذلة» تعني امتلاك القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وعدم الانجرار وراء التضليل أو الانكسار النفسي أمام الضغوط.
كربلاء.. قضية مستمرة لا ذكرى موسمية
وتبرز في المحاضرات فكرة أن عاشوراء ليست مناسبة للبكاء المجرد، بل محطة لتجديد الموقف وتحويل القيم إلى واقع عملي. فالإحياء الحقيقي لذكرى الإمام الحسين يكون بالالتزام بمبادئ الإصلاح والعدل ومواجهة الظلم والفساد والانحراف، ومن هذا المنظور تصبح عبارة «هيهات منا الذلة» عنوانًا دائمًا للاستقلال في القرار، والتمسك بالهوية الإيمانية، وعدم التفريط بالحقوق.
ختاما..
تؤكد مضامين كلمات السيد القائد أن صرخة الإمام الحسين عليه السلام لم تكن إعلان رفض لواقع محدد في زمن محدد، بل تأسيسًا لثقافة قرآنية ممتدة تقوم على العزة والكرامة والحرية والمسؤولية، ولذلك بقيت «هيهات منا الذلة» حاضرة في وجدان الأمة، لأنها تختصر جوهر الرسالة الحسينية: أن يبقى الإنسان ثابتًا على الحق، رافضًا للانكسار، مؤمنًا بأن الكرامة قيمة لا تُساوم.