الإمام المختار القاسم بن الناصر أحمد.. أحد أئمة الدولة الزيدية في اليمن
[322 - 345هـ / 934 - 956م].
يُعدّ الإمام المختار القاسم بن الإمام الناصر أحمد من الشخصيات البارزة في تاريخ اليمن خلال القرن الرابع الهجري، ومن أئمة الدولة الزيدية الذين حكموا من مدينة صعدة، في مرحلة اتسمت بالصراعات السياسية والانقسامات الداخلية بين القوى اليمنية المختلفة. جاء ظهوره في فترة كانت فيها الدولة الزيدية تعاني من المنافسة بين أبناء الإمام الناصر، في الوقت الذي كانت فيه قوى أخرى كالدولة اليعفرية والدولة الزيادية تسعى إلى توسيع نفوذها في اليمن. وقد شهد عهد الإمام المختار صراعات عسكرية وسياسية انتهت بتثبيت حكمه في صعدة، ثم توسعه نحو صنعاء، قبل أن ينتهي حكمه بمقتله بعد هزيمته أمام زعيم همدان الضحاك.
يمانيون/ صالح مقبل فارع.
– مرحلة الْمُخْتَار:
يُعَدُّ تاريخُ اليمن في القرن الرابع الهجري من أكثر المراحل السياسية اضطرابًا وتعقيدًا، إذ شهدت البلاد صراعًا متواصلًا بين القوى المحلية والإقليمية، وتنافسًا حادًّا على السلطة والنفوذ بين الدول والأسر الحاكمة والقيادات القبلية والدينية. وفي خضم هذه التحولات برز الإمام المختار القاسم بن الناصر أحمد بن الهادي إلى الحق يحيى، بوصفه إحدى الشخصيات المحورية التي لعبت دورًا بارزًا في تاريخ الدولة الزيدية خلال مرحلة دقيقة من مراحلها المبكرة، حيث تولى قيادة الإمامة في ظروف استثنائية اتسمت بالانقسامات الداخلية والحروب الأهلية والتحديات السياسية والعسكرية المتلاحقة.
وقد جاء عهد الإمام المختار بعد وفاة والده الإمام الناصر أحمد سنة 322هـ/934م، في وقت كانت فيه الدولة الزيدية تواجه أخطر أزماتها منذ تأسيسها على يد الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين. فسرعان ما اندلع النزاع بين أبناء الناصر الثلاثة: القاسم المختار، والحسن المنتجب، ويحيى المنصور، حيث ادعى كل واحد منهم أحقيته بالإمامة والسلطة، لتتحول المنافسة إلى سلسلة من الحروب الدامية التي استنزفت قوى الدولة وأضعفت نفوذها السياسي والعسكري، وأسهمت في تقليص رقعة سيطرتها إلى مناطق محدودة في شمال اليمن، بعد أن كانت تطمح إلى بسط نفوذها على أجزاء واسعة من البلاد.
ويمثل عهد المختار القاسم مرحلة انتقالية مهمة في تاريخ الزيدية؛ فقد شهدت هذه الفترة تراجعًا واضحًا لمكانة الدولة الزيدية أمام صعود القوى اليمنية المنافسة، وعلى رأسها الدولة اليعفرية في صنعاء والمناطق الوسطى، والدولة الزيادية في زبيد وتهامة، إلى جانب الإمارات الإسماعيلية التي كانت تفرض حضورها في بعض المناطق الجبلية. كما تزامن حكمه مع مرحلة دقيقة من تاريخ الخلافة العباسية التي كانت تمر بدورها بحالة من الضعف السياسي وتنامي نفوذ القوى المحلية في مختلف أقاليم العالم الإسلامي.
ورغم ما واجهه الإمام المختار من صعوبات داخلية وخارجية، فإنه سعى طوال مدة حكمه إلى إعادة بناء نفوذ الدولة الزيدية واستعادة مكانتها السياسية، فعمل على تثبيت سلطته في صعدة وما حولها، ثم حاول التوسع جنوبًا نحو صنعاء، مستفيدًا من الظروف السياسية المضطربة التي كانت تعيشها البلاد آنذاك. وقد تمكن بالفعل من دخول صنعاء والسيطرة عليها سنة 344هـ/956م، في خطوة بدت وكأنها تمهد لعودة النفوذ الزيدي إلى قلب اليمن السياسي، غير أن الأحداث سرعان ما أخذت مسارًا مختلفًا بعد تمرد حليفه وواليه على صنعاء، شيخ همدان الضحاك، الذي أعلن انفصاله عنه وانضمامه إلى الدولة الزيادية، مما أدى إلى اندلاع مواجهة حاسمة بين الطرفين انتهت بهزيمة المختار وأسره ثم مقتله في الأسر، لتُطوى بذلك صفحة واحدة من أبرز الشخصيات السياسية في تاريخ اليمن خلال القرن الرابع الهجري.
ويهدف هذا التقرير إلى تسليط الضوء على حياة الإمام المختار القاسم بن الناصر، واستعراض نسبه ومكانته، والظروف التي أحاطت بوصوله إلى الحكم، والصراعات التي خاضها مع إخوته ومنافسيه، وأبرز الأحداث السياسية والعسكرية التي شهدها عهده، وصولًا إلى معركة ريدة التي أنهت حكمه وحياته، مع بيان أثر تلك الأحداث في مسار الدولة الزيدية وتوازن القوى السياسية في اليمن خلال تلك المرحلة التاريخية المهمة.
– نَسَبُهُ ومكانته:
هو الإِمَامُ الْمُخْتَارُ الْقَاسِمُ ابن الإِمَامِ النَّاصِرِ أَحْمَدَ ابن الإِمَامِ الهَادِي إلى الحَقِّ يَحْيَى بن الْحُسَيْنِ ابن الإِمَامِ الْقَاسِمِ الرَّسِّيِّ ابن إِبْرَاهِيمَ بن إِسْمَاعِيلَ بن إِبْرَاهِيمَ بن الحَسَنِ ابن الإِمَامِ الحَسَنِ ابن الإِمَامِ عَلِيٍّ بن أَبِي طَالِبٍ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، كان أحد أئمة الزيدية وحكام اليمن، ويُعد خامس أئمة الزيدية في اليمن بعد الإمام الهادي ومن جاء بعده من أئمة البيت الزيدي.
كانت عاصمته مدينة صعدة، ومنها أدار حكمه وشؤونه السياسية، وقد عُرف بلقب “المختار” بعد دعواه الإمامة سنة 322هـ / 934م عقب وفاة أبيه الإمام الناصر أحمد.
– بداية دعوته للإمامة والصراع مع إخوته:
بعد وفاة الإمام الناصر أحمد سنة 322هـ، أعلن القاسم بن الناصر نفسه إمامًا وتلقب بـ”المختار”، إلا أن دعوته واجهت معارضة من إخوته، حيث ادعى أخوه الحسن الإمامة وتلقب بـ”المنتجب”، كما ظهر أخوهما الثالث يحيى الذي تلقب بـ”المنصور”.
نشب صراع على الحكم بين الإخوة الثلاثة، لكن يحيى المنصور اعتزل المنافسة لاحقًا، لينحصر النزاع بين المختار القاسم والحسن المنتجب. وقد اندلعت بين الطرفين حروب عنيفة خلال عامي 326هـ و327هـ، استعان خلالها الحسن بحليف يُدعى الضحاك، فتقدم معه بجيش نحو صعدة، فدخلها وخربها وأحرق أجزاء منها.
لكن الصراع انتهى بمقتل الحسن المنتجب على أبواب صعدة في 11 ذي القعدة 327هـ / 29 أغسطس 939م، وبعد ذلك أصبح الطريق مفتوحًا أمام المختار القاسم للانفراد بالحكم، بعد ابتعاد أخيه يحيى المنصور عن المنافسة.
– حُكم الإمام المختار في صعدة:
بدأ حكم الإمام المختار الفعلي بعد مقتل أخيه الحسن سنة 327هـ، واستمر حوالي 17 سنة، خِلالَ الْفَتْرَةِ: [11 ذي القعدة 327 – صفر 345هـ/ 29 أغسطس 939 – مايو 956م].
إلا أن نفوذه اقتصر على صعدة والمناطق المجاورة، بسبب ما خلفته الحروب الداخلية من ضعف في الدولة الزيدية، الأمر الذي أدى إلى تقلص نفوذها، بينما توسعت الدولة اليعفرية في اليمن بقيادة الملك أسعد بن أبي يعفر.
وفي هذه الفترة أصبحت صعدة تمثل مركز الحكم الزيدي، في حين كانت بقية المناطق اليمنية موزعة بين قوى مختلفة؛ فكانت الدولة اليعفرية تسيطر على مناطق واسعة، والدولة الزيادية تحكم تهامة من زبيد، كما ظهرت الدولة الإسماعيلية في مسور المنتاب.
– علاقاته ومعاصروه:
عاصر الإمام المختار القاسم عددًا من حكام اليمن وخارجها، ومن أبرزهم:
– الملك أسعد بن أبي يعفر الْيَعْفُرِيّ، من الدَّوْلَة الْيَعْفُرِيَّة.
– الملك عبدالله قحطان من الدولة اليعفرية.
– الملك أبو الجيش الزيادي صاحب “زَبِيْد”.
– حكام الدولة الإسماعيلية في مسور الْمِنْتَاب.
كما عاصر عددًا من الخلفاء العباسيين في بغداد، وهم:
– الْخَلِيْفَة الرَّاضِي بِاللَّهِ مُحَمَّد ابن الْمُقْتَدِر الْعَبَّاسِيّ [322 – 329هـ / 934 – 940م].
– الْخَلِيْفَة الْمُتَّقِيّ لِلَّهِ إِبْرَاهِيْمُ ابن الْمُقْتَدِرِ الْعَبَّاسِيّ [329 – 333هـ / 940 – 944م].
– الْخَلِيْفَة الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ عَبْدُاللَّهِ ابن الْمُكْتَفِي الْعَبَّاسِيّ [333 – 334هـ / 944 – 946م].
– الْخَلِيْفَة الْمُطِيْعُ لِلَّهِ الْفَضْلُ ابن الْمُقْتَدِرِ الْعَبَّاسِيّ [334 – 363هـ / 946 – 974م].
– توسع المختار نحو صنعاء:
رغم ضعف الدولة الزيدية، حاول الإمام المختار توسيع نفوذه خارج صعدة، فاتجه جنوبًا نحو صنعاء، وتمكن من السيطرة عليها سنة 344هـ/ 956م.
بعد دخوله صنعاء قام بتعيين زعيم همدان الضحاك واليًا عليها، إلا أن الضحاك سرعان ما انقلب عليه، وأعلن استقلاله عن المختار، ثم دخل في طاعة الدولة الزيادية في زبيد.
أدى ذلك إلى اندلاع مواجهة عسكرية بين الطرفين، حيث تحرك المختار بجيشه من صعدة، وتحرك الضحاك من صنعاء، والتقى الجيشان في منطقة ريدة الواقعة في قاع البون شمال صنعاء.
– معركة ريدة ومقتل الإمام المختار:
وقعت معركة ريدة في صفر 345هـ / مايو 956م بين الإمام المختار القاسم وَالضَّحَّاك.
انتهت المعركة بانتصار الضحاك وهزيمة الإمام المختار، حيث أُسر المختار بعد المعركة، ثم نُقل إلى السجن في ريدة، وبعد عدة أشهر قُتل وهو أسير في السجن على يد ابن الضحاك في شوال 345هـ / يناير 957م.
وبمقتل الإمام المختار انتهى حكمه الذي استمر سبعة عشر عامًا، وانتقل النفوذ السياسي في شمال اليمن إلى الضحاك الذي سيطر على المنطقة مدة سبع سنوات تقريبًا حتى سنة 352هـ / 963م، وأعلن تبعيته للدولة الزيادية في زبيد.
– ابنه الإمام المنتصر بن المختار:
بعد مقتل الإمام المختار، ظهر ابنه محمد المنتصر بن المختار مطالبًا بالثأر لأبيه واستعادة نفوذ أسرته.
وتعاون معه قيس بن الضحاك، وهو ابن قاتل المختار، حيث انقلب على أبيه وقتله في معركة بخيوان من بلاد العصيمات وحاشد سنة 354هـ / 965م.
وقد كان قيس قد اعتنق المذهب الزيدي منذ عهد الإمام المختار، وكان من تلاميذه عندما كان المختار أسيرًا، وكان لانضمامه إلى الزيدية أثر في تقوية انتشار المذهب الزيدي في اليمن.
بعد ذلك استمر الإمام المنتصر في الحكم نحو عشر سنوات، حتى وفاته في صفر 365هـ / أكتوبر 975م.
– الخلاصة:
كان الإمام المختار القاسم بن الناصر أحمد بن الهادي أحد أبرز أئمة الزيدية في اليمن خلال القرن الرابع الهجري. تولى الإمامة بعد وفاة أبيه، ودخل في صراع مع إخوته حتى انفرد بحكم صعدة، ثم حاول توسيع نفوذه بالسيطرة على صنعاء.
حكم المختار مدة 17 سنة، شهد خلالها صراعات داخلية وخارجية، وكان معاصرًا للدولة اليعفرية والدولة الزيادية والخلافة العباسية. وانتهى حكمه بعد هزيمته في معركة ريدة أمام الضحاك سنة 345هـ، حيث أُسر وقُتل في السجن، لتبدأ بعده مرحلة جديدة من تاريخ الزيدية في اليمن مع ابنه المنتصر.
– المصادر والمراجع:
– التُّحَفُ شَرْحُ الزُّلَفِ، تأليف الإمام مَجْدالدِّيْنِ مُحَمَّد الْمُؤَيَّدِيّ.
– اللَّطائِفُ السَّنِيَّةُ فِيْ أَخْبَارِ المَمَالِكِ الْيَمَنيةِ؛ تأليف: العلامة المؤرخ محمد بن إِسْمَاعِيْل الكبسي.
* * *