“اتفاق العار والخيانة”.. الأبعاد السياسية والاستراتيجية في بيان الأمين العام لحزب الله حول اتفاق الإطار اللبناني مع العدو الإسرائيلي

يشكل البيان الذي أصدره الأمين العام لـ حزب الله، الشيخ نعيم قاسم، تحت عنوان “اتفاق العار والخيانة”، وثيقة سياسية وتصعيدية ذات أبعاد استراتيجية عميقة، تعكس طبيعة المرحلة الحساسة التي يعيشها لبنان والمنطقة في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، وتكشف عن حجم الصراع القائم حول مستقبل المعادلة الأمنية والسيادية في لبنان، ودور المقاومة في المرحلة المقبلة، فالبيان لا يقتصر على تسجيل موقف سياسي معارض لما يسمى بـ”اتفاق الإطار” بين السلطة اللبنانية وكيان العدو الإسرائيلي، بل يمثل محاولة لإعادة رسم السردية السياسية للحرب الأخيرة ونتائجها، وتحديد المسؤوليات والتموضع الاستراتيجي للقوى الفاعلة داخلياً وإقليمياً.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

تحميل السلطة اللبنانية مسؤولية الانزلاق نحو التنازل السيادي

أولى الرسائل المركزية في البيان تتمثل في تحميل السلطة اللبنانية مسؤولية ما يعتبره الحزب انتقالاً من إدارة الأزمة إلى إدارة التنازلات، ويستخدم البيان لغة سياسية وقانونية وأخلاقية حادة، عبر طرح أسئلة مباشرة حول مسؤولية الدولة في حماية السيادة الوطنية، معتبراً أن السلطة أخفقت في تحقيق وقف إطلاق النار عندما كانت تمتلك الفرصة لذلك، ورفضت مسارات كان يمكن أن تؤدي إلى تحصين الموقف اللبناني، ويهدف هذا الطرح إلى ترسيخ صورة مفادها أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الضغوط الخارجية فحسب، بل في خيارات داخلية اتخذتها السلطة السياسية نفسها، الأمر الذي يحول النزاع من مواجهة بين لبنان وإسرائيل إلى صراع داخلي حول مفهوم السيادة وآليات الدفاع عنها.

 

إعادة تعريف المفاوضات المباشرة باعتبارها مسار إذعان

ينزع البيان الشرعية السياسية والوطنية عن أي مفاوضات مباشرة مع العدو الإسرائيلي، من خلال توصيفها بأنها “اجتماعات فرض الإذعان” وليست عملية تفاوض متكافئة، وهنا يطرح الحزب معادلة سياسية تقوم على أن أي تفاوض لا يستند إلى عناصر قوة ميدانية أو أوراق ضغط حقيقية سيؤدي بالضرورة إلى تقديم تنازلات مجانية للطرف الآخر، وبذلك يعيد البيان إحياء مفهوم “التفاوض من موقع القوة” الذي شكل أحد المرتكزات الفكرية والسياسية لمحور المقاومة طوال العقود الماضية، مقابل ما يصفه بمنهج “التفاوض من موقع الضعف” الذي تتبناه السلطة اللبنانية الحالية.

 

تكريس معادلة “المقاومة مصدر القوة التفاوضية”

من أبرز الدلالات الاستراتيجية في البيان تأكيده أن قوة لبنان التفاوضية لم تكن مستمدة من المؤسسات الرسمية أو الضغوط الدولية، وإنما من صمود المقاومة وقدرتها العسكرية والميدانية، فالبيان يقدم المقاومة باعتبارها الضامن الفعلي للسيادة اللبنانية، وأن أي محاولة لإقصائها من المعادلة الأمنية تعني عملياً تجريد لبنان من أدوات الردع التي يمتلكها، وتعكس هذه الرسالة إصرار الحزب على تثبيت معادلة، الجيش والشعب والمقاومة، بوصفها الركيزة الأساسية للأمن الوطني اللبناني، في مواجهة الطروحات التي تدعو إلى حصر السلاح بيد الدولة.

 

إبراز الدور الإيراني باعتباره عامل حماية للبنان

يمنح البيان مساحة واسعة للدور الإيراني، ويقدمه باعتباره العامل الحاسم في وقف الحرب ومنع استمرار العمليات العسكرية، ويذهب الخطاب إلى أبعد من مجرد الإشادة السياسية، إذ يصور إيران كضامن مباشر للسيادة اللبنانية، من خلال الحديث عن إدراج لبنان في أي تفاهمات إقليمية أو دولية مرتبطة بوقف إطلاق النار، وتحمل هذه الرسالة عدة أبعاد أهمها ، التأكيد على الترابط الاستراتيجي بين ساحات محور المقاومة، وتثبيت شرعية الموقف الإيراني الداعم للمقاومة اللبنانية، وتقديم إيران بوصفها شريكاً في حماية الاستقرار الإقليمي وليس مصدراً للتوتر كما تروج بعض الأطراف الدولية.

 

رفض ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح المقاومة

يشكل هذا البند جوهر الاعتراض الاستراتيجي في البيان، فالحزب يعتبر أن ربط الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة بعملية نزع السلاح يمثل تحولاً خطيراً في قواعد الاشتباك السياسية والعسكرية، لأنه ينقل ملف السلاح من كونه قضية لبنانية داخلية إلى أداة ضغط إسرائيلية مباشرة، ومن منظور الحزب، فإن هذا الربط يفتح الباب أمام استمرار الاحتلال لفترات طويلة، واستخدام ملف السلاح ذريعة دائمة لتأجيل الانسحاب، ومنح العدو الإسرائيلي حق التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، وتحويل السيادة اللبنانية إلى ملف مشروط بالإرادة الإسرائيلية.

 

التخوف من إنشاء “حزام أمني” جديد

يعكس البيان مخاوف واضحة من إمكانية إعادة إنتاج نموذج الحزام الأمني الذي كان قائماً في جنوب لبنان قبل عام 2000.

وتنبع هذه المخاوف من الحديث عن مناطق تجريبية وآليات مراقبة وانتشار مشروط للقوات اللبنانية بإشراف أو متابعة إسرائيلية، ويرى الحزب أن مثل هذه الترتيبات قد تؤدي إلى تكريس واقع احتلال طويل الأمد، وتأخير عودة السكان إلى مناطقهم، وتحويل أجزاء من الجنوب اللبناني إلى مناطق أمنية معزولة، وإعادة إنتاج نماذج الوصاية الأمنية التي رفضها اللبنانيون تاريخياً.

 

الانتقال من الخطاب الدفاعي إلى خطاب التعبئة والاستنفار

لا يكتفي البيان بالرفض السياسي، بل ينتقل إلى مرحلة التعبئة المعنوية والتنظيمية، فالتأكيد المتكرر على الاستمرار في المقاومة وعدم مغادرة الميدان يحمل رسالة مزدوجة، طمأنة البيئة الشعبية للحزب بأن خيار المقاومة ما يزال قائماً، وتوجيه رسالة ردع إلى إسرائيل بأن الضغوط السياسية لن تؤدي إلى إنهاء دور المقاومة، ويشير ذلك إلى أن الحزب يسعى إلى الحفاظ على الجهوزية السياسية والشعبية والعسكرية تحسباً لأي تطورات مستقبلية.

 

الصراع على رواية الانتصار والهزيمة

إحدى أهم الدلالات غير المباشرة في البيان تتمثل في الصراع على تفسير نتائج الحرب الأخيرة، فالسلطة اللبنانية وبعض القوى السياسية تنظر إلى الاتفاقات السياسية باعتبارها فرصة لإنهاء الحرب وإعادة الاستقرار، بينما يسعى الحزب إلى تقديم الرواية المعاكسة التي ترى أن العدو الإسرائيلي لم يتمكن من تحقيق أهدافه العسكرية، وأن أي تنازلات سياسية لاحقة تمثل هدراً لثمار الصمود العسكري، ومن هنا يتحول الخلاف من مجرد نقاش حول اتفاق سياسي إلى صراع على كتابة الرواية التاريخية للحرب ونتائجها.

 

رسائل متعددة الاتجاهات

يحمل البيان رسائل موجهة إلى عدة أطراف في آن واحد، إلى الداخل اللبناني أن قضية السلاح والسيادة ليستا محل مساومة، وإلى كيان العدو الإسرائيلي أن المقاومة لن تقبل بأي ترتيبات تنهي دورها العسكري، وإلى الولايات المتحدة أن الضغوط السياسية لن تغير موازين الردع القائمة، وإلى محور المقاومة أن الحزب ما يزال جزءاً من المنظومة الإقليمية المشتركة، وإلى البيئة الشعبية للمقاومة أن التضحيات التي قُدمت لن تتحول إلى مكاسب سياسية للطرف الآخر.

 

ختاما ..

يكشف بيان “اتفاق العار والخيانة” عن انتقال السجال اللبناني من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة الصراع على نتائجها السياسية والاستراتيجية، فالبيان يعبر عن رؤية تعتبر أن أي اتفاق لا يضمن الانسحاب الإسرائيلي الكامل وغير المشروط، ولا يحافظ على معادلة الردع التي تمثلها المقاومة، هو اتفاق ينتقص من السيادة اللبنانية ويعيد تشكيل التوازنات الداخلية والإقليمية لمصلحة إسرائيل، وفي المقابل، يعكس البيان تمسك حزب الله بخيار المقاومة باعتباره الضمانة الأساسية للأمن الوطني اللبناني، وإصراره على أن مستقبل لبنان وسيادته لا يمكن أن يُبنى على التنازلات السياسية، وإنما على عناصر القوة والردع التي فرضت نفسها في الميدان طوال السنوات الماضية.

You might also like