من كربلاء إلى الواقع المعاصر.. كيف يصبح “الـتـفـريـط” عامل هدم وبوابة للضياع والتبعية؟

يُعدّ (التفريط) في المبادئ والقيم، والتقاعس عن أداء المسؤوليات، من أخطر الأمراض التي تفتك بالأمم والشعوب،  وفي ذكرى عاشوراء، تتجلى لنا صور التفريط وعواقبه الوخيمة التي أدت إلى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، فبينما تتصاعد وتيرة المؤامرات الخارجية وتتفاقم الأزمات الداخلية، يبرز مفهوم “التفريط” كخطر داهم يهدد كيان الأمة ومستقبلها.

يستعرض هذا التقرير، مستنداً إلى الرؤية القرآنية من محاضرات الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي وخطابات السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، مفهوم التفريط من منظور قرآني، ويكشف عن عوامله ومظاهره بالربط بين مأساة كربلاء واقع الأمة المعاصر، مقدماً رؤية شاملة لكيفية تجنب هذا الخطر واستعادة الأمة لدورها الريادي.

 يمانيون| محسن علي

 

 التفريط.. جذوره التاريخية وعواقبه المدمرة في ضوء دروس عاشوراء

تُشكل دروس عاشوراء محطة تاريخية فارقة في الوعي الإسلامي، لا تقتصر على الجانب العاطفي فحسب، بل تمتد لتكون منبعاً للعبر والدروس العميقة التي تُسهم في فهم واقع الأمة وتحدياتها، حيث يرى الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي أن التفريط هو جوهر المأساة التي حلت بالإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، وفي هذا يقول” التفريط عامل هدم”؛ فالتفريط لا يقتصر على لحظة التخاذل عن نصرة الحق في أشد المواقف، بل يبدأ قبل ذلك بكثير، حينما لا تُعطى التوجيهات الإلهية والقرآنية أهميتها، وحينما يسود اللامبالاة وعدم الاهتمام بالقضايا المصيرية .

ولقد أشار الشهيد القائد إلى أن التفريط الأول الذي حدث في الأمة بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي مهد الطريق للانحرافات اللاحقة، وصولاً إلى حكم يزيد وما ترتب عليه من مآسٍ ، فالناس الذين سمعوا علياً (عليه السلام) يتحدث ببلاغته وحجته، ثم فرطوا في توجيهاته، هم أنفسهم من وجدوا أنفسهم لاحقاً في صف الباطل يواجهون الحسين (عليه السلام) ،هذا التفريط التاريخي لم يؤدِ فقط إلى استشهاد الإمام الحسين، بل أدى إلى سلسلة من النكبات والكوارث التي توالت على الأمة جيلاً بعد جيل، ولا يزال صداها يتردد في واقعنا المعاصر .

كما إن عواقب التفريط وخيمة، فهي تحول الأمة من موقع القوة والعزة إلى حالة من الضعف والتبعية، وتجعلها عرضة للسيطرة الخارجية، وهنا حذر السيد حسين الحوثي من أن التفريط في هذا العصرسيهيئ الساحة لحكم أمريكا وإسرائيل، مؤكداً أن من يهيئ الساحة لذلك هو أسوأ ممن شهروا سيوفهم في وجه الحسين.

 

كيف يصبح التفريط بوابة للضياع والتبعية؟

يربط قائد الثورة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي بين دروس عاشوراء والواقع المعاصر للأمة، مؤكداً أن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) هي امتداد أصيل للإسلام، ومدرسة لمواجهة الطغيان، ويشير إلى أن التفريط في هذا العصر يتجلى في صور متعددة، منها التخاذل عن نصرة الحق، والسكوت عن الظلم، والقبول بالهيمنة الأجنبية.

 

مظاهر التفريط في الواقع المعاصر

إن الواقع الذي تعيشه الأمة اليوم، من حروب ناعمة تستهدف الفكر والثقافة، وحروب صلبة تتجسد في الإبادة الجماعية والفتك بالمجتمعات، هو نتيجة حتمية للتفريط في المبادئ والقيم ، فالتخاذل عن نصرة الشعب الفلسطيني، والتفرج على معاناته، يعد مظهر من مظاهر التفريط الذي يفتح الباب أمام الأعداء لفرض هيمنتهم، وهنا يشير قائد الثورة إلى أن الأمة التي تفرط في مسؤولياتها تجاه قضاياها المصيرية، وتتجاهل آيات الله وأوامره الصريحة بالجهاد في سبيله، ستجد نفسها في حالة من الضياع والتبعية، فالتواطؤ مع الأعداء، وخدمة أجنداتهم، وتثبيط الأمة عن التحرك، كلها مظاهر للتفريط الذي يقود إلى الخزي والعار.

 

الوعي والبصيرة.. الدرع الواقي للأمة ضد التفريط

لمواجهة خطر التفريط، يقدم الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي والسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي رؤية متكاملة ترتكز على الوعي والبصيرة المستمدة من القرآن الكريم، فالحكمة الحقيقية تكمن في العودة إلى التاريخ والقرآن، واستخلاص العبر والدروس من الأحداث، وتحديد المقاييس الثابتة للوعي والبصيرة.

ويؤكدان على ضرورة أن يجب على الأمة أن تتجاوز عقلية “لن نؤمن لك حتى نرى الأحداث ماثلة”، التي وصفها الشهيد القائد بالغباء والجهالة ؛ إذ أن التاريخ مليء بالشواهد الحية على عواقب التفريط، وكربلاء نفسها هي شاهد حي يجب أن نستلهم منه العبر.

 

أهمية الوعي في أوساط الأمة

يدفع الوعي الحقيقي بالأمة إلى النهوض بمسؤولياتها، وعدم الركون إلى السكوت والجمود، فالتفريط والسكوت ليسا حكمة، بل هما سبب النكال والخزي في الدنيا ، ويشدد السيد القائد عبدالملك الحوثي على أهمية الثبات على الموقف الحق، ومناصرة المستضعفين، وعدم التراجع عن المبادئ الإيمانية، كسبيل وحيد لمواجهة الأعداء وتحقيق النصر، ولأهمية الوعي والبصيرة يذهب الشهيد القائد والسيد القائد إلى أن بناءهما مستمراً في التدبر في آيات القرآن، وفهم سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الأطهار، واستيعاب دروس التاريخ، هذا الوعي هو الذي يمكن الأمة من تمييز الخبيث من الطيب، والوقوف في الاتجاه الصحيح، المتمسك بالحق والموقف الإيماني .

 

ختاما

إن دروس عاشوراء، كما قدمها الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي والسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، ليست مجرد سرد لأحداث تاريخية، بل هي منارة تهدي الأمة في مسيرتها نحو العزة والكرامة، كما إن خطر التفريط، بأشكاله المتعددة، يظل تحدياً قائماً يتطلب يقظة مستمرة ووعياً عميقاً، فبالتمسك بالقرآن، واستلهام العبر من التاريخ، والنهوض بالمسؤوليات، يمكن للأمة أن تتجنب مصير الأمم السابقة التي فرطت في حقها، وأن تبني مستقبلاً يقوم على العدل والقوة والسيادة.

You might also like