العباس بن علي.. بصيرة كربلاء التي تقود فيالق محور الجهاد نحو أسوار القدس
في القاموس العسكري الحديث، تُقاس القوة بالعتاد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لكن في “مدرسة العباس بن علي”، تُقاس القوة بـ “البصيرة النافذة” والولاء المطلق الذي لا يتزعزع، بيد أن الربط بين ملحمة كربلاء والواقع الراهن لمحور الجهاد والقدس والمقاومة ليس مجرد استحضارٍ عاطفي، بل هو قراءة في الجينات الروحية لمجاهدين يرفضون “صكوك الأمان” العصرية كما رفضها العباس قبل ألف وأربعمائة عام، ممثلة بالوعي العميق بفلسفة “الثبات في الميدان” والثقة العظيمة بنصر الله التي تجعل من “القلة المؤمنة” قوةً قادرة على مواجهة أعتى الترسانات العالمية، مستمدةً من العباس سرَّ بقاء الراية مرفوعةً حتى وإن قُطعت الأيدي، لأن الراية في وعي العباس هي العقيدة، والعقيدة لا تُبتر.
يمانيون| محسن علي
صناعة “ذخر الحسين”
منذ اللحظة التي قبّل فيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ذراعي وليده الصغير “العباس وبكى، لم يكن يبكي ضعفاً، بل كان يقرأ في كف الأقدار ملحمة الفداء التي سيخطها هذا الغلام، فلم يكن العباس مجرد ابنٍ لخير البشر بعد النبي، بل كان “مشروعاً إلهياً” أعدّه والده ليومٍ تذوب فيه القلوب من الظمأ والرهبة، واليوم، وبعد أكثر من أربعة عشر قرناً، لا يزال صدى وقع حوافره على ضفاف الفرات يتردد في أزقة غزة وجبال جنوب لبنان واليمن والعراق وفلسطين وغزة وإيران، حيث يتجسد “قمر بني هاشم” في كل مجاهد يحمل سلاحه وفاءً لعهد القدس، محولاً الانكسار الجسدي إلى انتصارٍ روحي أبدي يقض مضاجع اليهود الغاصبين ومن ورائهم من الغرب الكافر.التكوين الاستثنائي
وُلد العباس بن علي في الرابع من شعبان عام 26 هـ، في بيتٍ يمثل مهبط الوحي يتنفس القرآن ومدرسة البطولة، والده هو الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام، الذي لم يختر زوجته “أم البنين” عبثاً، بل طلب من أخيه عقيل، الخبير بالأنساب، امرأةً “ولدتها الفحولة من العرب” لتلد له غلاماً فارساً يكون ظهيراً وسنداً لأخيه الإمام الحسين عليه السلام في يومه الموعود، نشأ العباس وهو يرى في والده نموذج العدل المطلق، وفي أخويه الحسن والحسين نموذج الإمامة الربانية، فلم يكن العباس يرى نفسه أخاً لهما بالمعنى التقليدي، بل كان يرى فيهما “حجج الله” على خلقه، فصاغ علاقته بهما على قاعدة الولاء المطلق، حتى لُقّب بـ “العبد الصالح” وجعل من نفسه جنديا في سبيل الله ومدافعا عن كرامة الأمة ودينها.
المسيرة السياسية والعسكرية.. البصيرة قبل السيف
لم تبدأ بطولات العباس في كربلاء، بل كانت جذورها ضاربة في التاريخ، حيث تشير الروايات إلى حضوره في معركة صفين إلى جانب والده، حيث أظهر شجاعةً أذهلت الأصحاب والأعداء، وفي عهد أخيه الإمام الحسن، كان العباس هو الجندي المطيع والظهير القوي، ملتزماً بقرار الصلح إطاعةً لإمامه، رغم ما كان يختلج في صدره من عنفوان الفارس، وعندما استُشهد الإمام الحسن ومُنع من الدفن عند جده النبي، كان العباس هو الذي وضع يده على مقبض سيفه، منتظراً إشارةً من أخيه الحسين ليقلب الطاولة على الطغاة، لكنه انصاع لأمر الحسين بالصبر، مجسداً أرقى درجات الانضباط العسكري والشرعي.
كربلاء.. الانفجار العظيم للوفاء
في العاشر من المحرم، تحول العباس من فارسٍ إلى أسطورة، كان هو “حامل اللواء “الذي اختاره الإمام الحسين ليكون رمزاً لثبات المعسكر، وعندما اشتد الحصار وعزَّ الماء، لم يطلب العباس الميدان للقتال فحسب، بل طلبه ليسقي العطاشى، وتجلى كأعظم رمز للثباتـ حين زحفت جيوش بني أمية لمحاصرة الأطفال والنساء في خيام الإمام الحسين من الماء، كما إن اللحظة التي وقف فيها العباس على شط الفرات، والماء يترقرق بين يديه وهو في قمة العطش، ثم رماه إيثاراً لعطش الحسين وأطفاله، هي اللحظة التي أعاد فيها تعريف “الإنسان” ؛ فلم يكن العباس يقاتل جيشاً من البشر فحسب، بل كان يقاتل الغريزة البشرية وينتصر عليها، وعندما ارتقاء مقطوع اليدين، كان همه الوحيد هو “القربة” والراية، ليعطي درساً للأجيال بأن الجسد قد يُبلى، لكن المبدأ يجب أن يصل.
العباس في عصرنا.. ملهم محور المقاومة والقدس
لا يمكن لأي مراقبٍ منصف أن يغفل طيف العباس بن علي وهو يتجول في خنادق المجاهدين اليوم، إن الربط بين “قمر بني هاشم” ومجاهدي محور المقاومة والقدس هو ربطٌ عضوي وجوهري يتجلى في عدة أبعاد:
أولاً: رفض “صكوك الأمان” العصرية
كما رفض العباس أمان “ابن زياد” و”شمر بن ذي الجوشن” لعنهما الله بكلمته الخالدة “لعنك الله ولعن أمانك”، يرفض المجاهدون اليوم في غزة ولبنان واليمن وإيران وفلسطين كل مشاريع الاستسلام والتطبيع التي تُعرض عليهم تحت مسميات “السلام” و”الازدهار” مقابل التخلي عن سلاحهم وكرامتهم ووفائهم للقدس.
ثانياً: البصيرة النافذة
إن المجاهدين اليوم في أوساط الأمة وأحرارها لا يقاتلون قوى الطاغوت والاستكبار العالمي بدافع العاطفة، بل ببصيرةٍ قرآنية وسياسية وعسكرية حدد معالمها العباس حين قال: “إني أحامي أبداً عن ديني”، هذه البصيرة هي التي تجعل المجاهد يدرك أن معركة القدس هي معركة الوجود والكرامة، وأن التراجع فيها هو تراجعٌ عن قيم السماء.
ثالثاً: الوفاء للعهد والقيادة
إن العلاقة الفريدة بين مجاهدي المقاومة وقادتهم، والذوبان في مشروع التحرير، هي استلهام لعلاقة العباس بأخيه الإمام الحسين، وتوليه الصادق له، فالمقاتل الذي يرابط في أشد الظروف قسوة، وهو يرى أطفاله يعانون الجوع والعطش بسبب الحصار، يستمد صموده من طيف العباس الذي رمى الماء إيثاراً لعطش أطفال الحسين.
رابعاً: حماية “الراية” رغم الجراح
إن الإصرار على استمرار العمليات العسكرية للمحور رغم الاغتيالات والتضحيات الجسيمة، هو تجسيدٌ لموقف العباس الذي حاول حمل الراية بأسنانه بعد قطع يديه، كما إنها الرسالة التي تقول: “قد نُقتل، قد نُجرح، لكن الراية يجب أن تبقى مرفوعةً فوق مآذن القدس”.
ختاما
يبقى أبو الفضل العباس بن علي رمزاً عابراً للزمان والمكان، وقائداً روحياً لكل الأحرار في العالم، كما إن سيرته لم تنتهِ في كربلاء، بل بدأت منها، وهي اليوم تُكتب من جديد بدماء المجاهدين في فلسطين ولبنان واليمن وإيران والعراق وكل جبهات العزة، فكلما حاول الطغاة محاصرة “الحق”، وكلما اشتدت الخطوب، يبرز طيف العباس بيده المقطوعة ليقول للمجاهدين وكل أحرار الأمة: إن الراية لا تسقط ما دام فينا عرق ينبض بالوفاء، والوفاء هو السلاح الذي لا يُهزم، والقدس هي القربة التي يجب أن نملأها بدمائنا لنروي عطش الأمة للحرية، وسيرة بدأت بكربلاء لن تنتهي إلا بتحرير القدس، حتى يكتمل مشهد الوفاء العظيم.