الملكُ رَشِيْدُ الحَبَشِيُّ وميلادُ عصرِ الموالي في الدولةِ الزِّيَادِيَّة.
دراسةٌ في حكمِ زَبِيْد وتحوّلاتِ اليمن خلال القرن الرابع الْهِجْرِيّ.. [371 – 391هـ/ 981 - 1001م].
تُعَدُّ الدولةُ الزِّيَادِيَّةُ من أبرز الدُّوَل التي قامت في اليمن خلال العصر الإسلامي، واتخذت من مدينة زَبِيْد عاصمةً لها، حيث لعبت دورًا مهمًّا في تاريخ تهامة واليمن عمومًا. وبعد وفاة أميرها أبي الجيش إسحاق بن إبراهيم الزيادي سنة (371هـ/981م)، دخلت الدولة مرحلةً جديدة؛ إذ انتقل الحكم من البيت الزيادي إلى موالي بني زياد بسبب صِغَر سنّ وريثه عبد الله بن أبي الجيش، فظهر عدد من الموالي الذين تولّوا إدارة شؤون الدولة نيابةً عنه، وكان أول هؤلاء الموالي وأبرزهم رَشِيْد الحَبَشِيُّ، الذي أصبح الحاكم الفعلي للدولة الزيادية في زَبِيْد.
يمثل عهد رشيد الحبشي مرحلة انتقالية في تاريخ اليمن؛ فقد جمع بين استمرار اسم الدولة الزيادية وبداية نفوذ الموالي في الحكم، وهي ظاهرة شهدتها بعض الدول الإسلامية في ذلك العصر. وعلى الرغم من طول مدة حكمه التي بلغت عشرين عامًا، فإن عهده اتسم بضعف السيطرة على أطراف الدولة، مما أدى إلى استقلال بعض المناطق وتقلص نفوذ الدولة الزيادية، حتى أصبح حكمها مقتصرًا على أجزاء من تهامة اليمن.
يمانيون/ صالح مقبل فارع.
* الملك رَشِيْد الحَبَشِيُّ.. ملك زَبِيْد ومولى بني زِيَاد.. [371 – 391هـ/ 981 – 1001م].
– نسبه ومكانته:
رَشِيْد الحَبَشِيُّ هو أحد موالي بني زياد، وكان خادمًا ومولى للأمير أبي الجيش إسحاق بن إبراهيم الزيادي، آخر حكام البيت الزيادي الأقوياء. عُرف بأنه أول الموالي الذين تولّوا حكم الدولة الزيادية، حيث أصبح الوصي على الطفل عبد الله بن أبي الجيش بعد وفاة أبيه، ثم انفرد بإدارة شؤون الدولة وأصبح الحاكم الفعلي لمدينة زَبِيْد وتهامة.
ويُعد رشيد الحبشي خامس حكام الدولة الزيادية، وأول حكامها من الموالي، وقد حكم خلال الفترة الممتدة من سنة (371هـ/981م) حتى وفاته سنة (391هـ/1001م)، أي مدة عشرين عامًا.
– انتقال الحكم إليه:
بعد وفاة أبي الجيش إسحاق بن إبراهيم الزيادي سنة (371هـ/981م)، لم يخلفه في الحكم رجل قادر على إدارة الدولة، إذ كان ابنه عبد الله صغير السن، فأصبح حكمه اسميًّا فقط، وانتقلت إدارة الدولة إلى أوصيائه من موالي بني زياد وخدمهم.
وكان رشيد الحبشي أول هؤلاء الموالي الذين تسلموا زمام الحكم، فاستمر في إدارة الدولة باسم الطفل عبد الله بن أبي الجيش، لكنه كان صاحب القرار الحقيقي في البلاد، وبذلك بدأت مرحلة جديدة أصبح فيها الحكم بيد الموالي بدلًا من الأسرة الزيادية نفسها.
– سياسته وأوضاع الدولة في عهده
اتسم عهد رشيد الحبشي بالضعف وقلة الحزم في إدارة الدولة، فلم يستطع المحافظة على جميع أراضي الدولة الزيادية، بل بدأت الدولة تتفكك تدريجيًّا، وانخفض نفوذها السياسي والعسكري.
فقد تقلصت حدود الدولة حتى أصبح نفوذها مقتصرًا على منطقة تهامة من ميدي شمالًا إلى باب المندب جنوبًا، بينما بدأت المناطق التابعة لها تستقل عن مركز الحكم في زَبِيْد.
وفي عهده استقل عامله سليمان الحكمي بالمخلاف السليماني، الذي شمل مناطق جيزان وعسير وتهامة العليا، واتخذ من مدينة عَثْر عاصمةً له، وسُمّي هذا الإقليم بالمخلاف السليماني نسبةً إليه. كما استقل عدد من نواب الدولة في مناطق أخرى مثل المعافر وعدن وأبين ولحج وحضرموت، مما زاد من ضعف الدولة الزيادية.
ومن الأحداث المهمة التي وقعت خلال فترة حكمه انتهاء الدولة اليعفرية في اليمن سنة (997م)، حيث شهدت البلاد آنذاك تغيرات سياسية كبيرة وصراعات بين القوى المحلية.
– معاصروه:
عاصر رشيد الحبشي عددًا من كبار الشخصيات السياسية في العالم الإسلامي واليمن، ومن خلفاء الدولة العباسية:
– الخليفة الطائع لله عبد الكريم بن المطيع العباسي، الذي حكم بين (363 – 381هـ / 974 – 991م).
– الخليفة القادر بالله أحمد بن إسحاق بن المقتدر العباسي، الذي حكم بين (381 – 422هـ / 991 – 1031م).
كما عاصر من حكام اليمن:
– الإمام الداعي يوسف بن يحيى بن أحمد بن الإمام الهادي، إمام الزيدية وحاكم صعدة، خلال الفترة (368 – 389هـ / 978 – 999م).
– الإمام المنصور بالله القاسم بن علي العياني، إمام الزيدية وحاكم اليمن خلال الفترة (389 – 393هـ / 999 – 1003م).
– وفاته وخلافته:
توفي رشيد الحبشي في مدينة زَبِيْد سنة (391هـ/1001م)، بعد حكم استمر عشرين عامًا، فانتقل الحكم بعده إلى خادمه حسين بن سلامة، الذي كان أكثر قوة وتنظيمًا، واستطاع أن يعيد للدولة شيئًا من هيبتها ونفوذها.
– الخلاصة:
كان رشيد الحبشي شخصية بارزة في تاريخ الدولة الزيادية، إذ مثّل بداية انتقال الحكم من الأسرة الزيادية إلى الموالي، فكان أول مولى يتولى الحكم الفعلي في زَبِيْد. حكم تهامة اليمن نيابةً عن الطفل عبد الله بن أبي الجيش، واستمر حكمه من (371هـ/981م) إلى (391هـ/1001م). ورغم طول فترة حكمه، فقد شهد عهده ضعف الدولة الزيادية وتفكك أطرافها واستقلال عدد من المناطق عنها، حتى اقتصر نفوذها على جزء من تهامة. وبعد وفاته تولى حسين بن سلامة الحكم، لتدخل الدولة الزيادية مرحلة جديدة من تاريخها.
– المراجع:
– المُفِيْدُ فِيْ أَخْبَارِ صَنْعَاءَ وَزَبِيْد، وشعراء ملوكها وأعيانها وأدبائها، (تاريخ اليمن)، تأليف: نجم الدين عمارة بن علي اليمني الشاعر المشهور.
– تَارِيْخ حَضْرَمُوْت للحامد: تَارِيْخ حَضْرَمَوْت، تأليف: صَالِح الْحَامِد.
* * *