مبادرات شعبية تُعيد رسم خارطة التنمية لدعم سبل العيش.. اليمنيون يصنعون الأمل بأيديهم
لم يعد التعافي الاقتصادي وتحسين الخدمات الأساسية حبراً على ورق في اليمن، بل تحول إلى مبادرات ميدانية ملموسة يتولاها الأهالي بجهود ذاتية عبر المبادرات المجتمعية في مختلف المحافظات وشراكة فاعلة مع الجمعيات التعاونية والسلطات المحلية؛ حيث تنتشر مشاريع شق الطرق، وإنشاء المدارس، ودعم قطاعات الزراعة والإنتاج الحيواني، مُشكّلة نموذجاً يُحتذى به في التنمية المستدامة لكتابة ملاحم تنموية تتصدى لتبعات السيول والظروف الاقتصادية الصعبة.
يمانيون| محسن علي
موجة المبادرات المجتمعية تُجسّد التكافل
شهد الأسبوع الماضي حراكاً مجتمعياً مكثفاً ومباركاً في عدد من المحافظات اليمنية، تجلى في إطلاق وتنفيذ العشرات من المبادرات المجتمعية التي تلامس احتياجات المواطنين المباشرة، وقد تنوعت هذه المبادرات لتشمل البنية التحتية، التعليم، الصحة، والتمكين الاقتصادي، مما يعكس تزاوجاً ناجحاً بين الروح التطوعية للأهالي والدعم الفني واللوجستي الذي تقدمه الجمعيات التعاونية والسلطات المحلية و”وحدة التدخلات المركزية
البنية التحتية.. شق الطرق وصيانة السدود
تصدرت مشاريع شق وتوسعة الطرق وصيانة السدود قائمة المبادرات المجتمعية، حيث شكلت شريان حياة أساسياً لمئات الأسر، لا سيما في المناطق الجبلية الوعرة أو تلك المتضررة من السيول، ففي محافظة المحويت، نفذ أهالي قرية بيت طاهر بمديرية الرجم المرحلة الرابعة من مبادرة “طريق عقبة مهاجر”، والذي يربط قرى عزلة البشاري ويسهل نقل المنتجات الزراعية،وفي السياق ذاته، نفذ أهالي بيت هبة مبادرة لشق ورصف طريق بديل بطول 800 متر بتكلفة تقدر بخمسة ملايين ريال، وذلك بعد أن عزلت السيول والانهيارات الطريق القديم. كما تفقدت جمعية بلاد الطعام التعاونية بمحافظ ريمة مبادرة توسعة طريق “صنب – جشمان” الجبلي الذي ينفذه الأهالي بكسر عزلة المنطقة.
أما في محافظة حجة، فقد نفذ أبناء قرية القيلة بمديرية نجرة مبادرة لإصلاح طريق متضرر من الأمطار، فيما تتواصل أعمال شق طريق “المعين – دحية” بعزلة مديخة بمديرية الشاهل بطول 1500 متر وعرض 7 أمتار، بمشاركة واسعة وأدوات ذاتية (بوكلين وكمبريش) وبدعم من السلطة المحلية ووحدة التدخلات المركزية بمادتي الديزل والإسمنت.
وفي مجال تنمية الموارد المائية، تجسدت الجهود في مشروع سد شعب علي بعزلة الوحج في محافظة الضالع، حيث نفذت جمعية قعطبة التعاونية أعمال تنظيف حوض السد وبناء المصدات الحجرية، كما أطلق أهالي عزلة بني عاطف بمديرية السبرة في محافظة إب مبادرة لتنظيف سد الهوبة من الرسوبيات، بهدف الحفاظ على المخزون المائي لخدمة القطاع الزراعي.
التعليم والصحة.. تعزيز الخدمات الأساسية في المناطق النائية
لم تقف المبادرات المجتمعية عند حدود البنية التحتية، بل امتدت لتشمل قطاعي التعليم والصحة، استجابة للأوضاع الصعبة التي يواجهها المواطنون في توفير الخدمات الأساسية، ففي منطقة الحصبة بعزلة المغرس، أطلقت جمعية البلدة الطيبة التعاونية مبادرة طارئة لإنشاء فصول دراسية لمدرسة الإمام الحسين، استجابة لحاجة الطلاب المضطرين للدراسة في العراء، وقد تم إنشاء فصول مؤقتة من المواد المحلية (سعف النخيل والطرابيل) بجهود ذاتية وبدعم من الجمعية، تكللها تبرع أحد وجهاء المنطقة بقطعة أرض لبناء فصول ثابتة مستقبلاً، وفي مديرية الشاهل بمحافظة حجة، قام أبناء منطقة صاية فضايل بتمويل ذاتي بلغ خمسة ملايين ريال لبناء مدرسة جديدة تضم ثلاثة فصول دراسية، لتوسيع فرص التعليم.
أما في قطاع الصحة، فقد تم إطلاق مبادرة استكمال وحدة معين الصحية في محافظة مأرب، بدعم من وحدة التدخلات المركزية بمقدمة إسمنت، بهدف تحسين جودة الرعاية الطبية وتقديم خدمات أفضل للحالات الإسعافية والطارئة، مما ينعكس إيجاباً على الوضع الصحي لأبناء المديرية بشكل عام.
التمكين الاقتصادي والإنتاج الزراعي مشاريع مستدامة
شكلت المبادرات الرامية لتعزيز سبل العيش وتحقيق الاكتفاء الذاتي ركيزة مهمة في الموجة التنموية الأخيرة، حيث تم استهداف الأسر المتضررة والمنتجين الزراعيين، ففي محافظة الحديدة، دشنت مؤسسة بنيان التنموية المرحلة الثانية من مشروع التمكين الاقتصادي للأسر المتضررة من السيول في مديرية بيت الفقيه، بتوزيع 55 قرضًا أبيض عبارة عن أبقار، مما يفتح آفاقاً للإنتاج الداجني والحيواني المستدام. كما نظمت جمعية الزهرة التعاونية ورشة تدريبية لـ 40 نحالاً لتطوير أساليب تربية النحل وإنتاج العسل وحبوب اللقاح.
وفي محافظة ذمار، تم تدشين المركز المتخصص لإكثار الدجاج البلدي من سلالة “فيومي” عبر جمعية جبل الشرق التعاونية، بهدف إرساء منظومة إنتاجية متكاملة تبدأ من تربية الأمهات مروراً بالتفقيس والرعاية الفنية وصولاً لتوزيع الأجيال على الأسر الريفية، مع الاعتماد على البدائل العلفية المحلية لتقليل التكاليف.
وعلى صعيد تحسين القطاع الزراعي، نفذت جمعية المخادر التعاونية بمحافظ إب مبادرة لقلع أشجار القات واستبدالها بغرس شتلات بن عالية الجودة في عزلة المعشار، تماشياً مع التوجهات الوطنية لتقليل فاتورة الاستيراد وتحسين دخل المزارع، كما نظمت جمعية وصاب العالي التعاونية بذمار برنامجاً لصرف 16,826 لتر ديزل لدعم مشاريع المبادرات المجتمعية والبنى التحتية الطارئة تحت شعار “تكامل رسمي وشعبي لنهضة تنموية مستدامة”.
نموذج يُحتذى به في العمل المجتمعي
إن المشهد العام لهذه المبادرات في محافظات متعددة (الحديدة، المحويت، مأرب، حجة، ذمار، صنعاء، إب، ريمة، والضالع) يؤكد وجود وعي مجتمعي متنامٍ بأهمية المبادرة الذاتية والعمل التشاركي، ومن أبرز النماذج المُلهمة، مبادرة أهالي قرية “بيت الأسدي” بمديرية بلاد الروس في صنعاء، الذين مولوا بجهود ذاتية (تجاوزت تكلفتها مليوني ريال) صيانة وإصلاح بئر مياه الشرب الذي يخدم ألف نسمة، بدعم من جمعيتي بلاد الروس التعاونية والعبس التنموية.
ختاما
إن هذا التكامل بين الجهود الذاتية للأهالي، الدعم الفني من الجمعيات التعاونية، والإسناد اللوجستي من السلطات المحلية ووحدة التدخلات المركزية، يمثل صيغة مثالية للتنمية المستدامة التي تضمن استدامة المشاريع واستمرار أثرها الإيجابي في تخفيف معاناة المواطنين وتعزيز عجلة الإنتاج المحلي.