الإِمَام أبو هاشم النفس الزَّكِيَّة

[426 – 429هـ / 1035 – 1037م]

يُعَدُّ الإمام أبو هاشم الحسن بن عَبْدالرَّحْمَنِ، المشهور بـالنفس الزكية، أحد أبرز أئمة الدولة الزيدية في القرن الخامس الهجري، ومن الشخصيات التي أسهمت في إعادة توحيد أجزاء واسعة من شمال اليمن في مرحلة اتسمت بالاضطراب السياسي وتعدد مراكز النفوذ. وقد خرج محتسبًا من نَاعِطٍ سنة 426هـ/1035م، متلقبًا بـ”المعيد لدين الله”، واستطاع أن يفرض سلطانه على صنعاء وصعدة وما جاورهما، ثم امتد نفوذه في بعض الفترات إلى ذمار وإب وتعز، ليصبح الحاكم الرابع عشر من حُكَّام الدولة الزَّيْدِيَّة فِيْ الْيَمَن.

ويتناول هذا الموضوع سيرة الإمام أبي هاشم النفس الزكية، ونسبه، وبداية دعوته، واتساع نفوذه، وأبرز أحداث فترة حكمه التي استمرت قرابة ثلاث سنوات، وعلاقاته بالقوى السياسية المعاصرة، ثم اعتزاله الحكم طواعية، ووفاته في ناعط، حيث ظل قبره فيها شاهدًا على إحدى المراحل المهمة من تاريخ الدولة الزيدية في اليمن.

يمانيون/ صالح مقبل فارع

 

 نَسَبُهُ ومكانته:
– هو الإِمَام أَبُوْ هَاشِم الحَسَنُ بن عَبْدِالرَّحْمَنِ بن يَحْيَى بن عَبْداللَّهِ بن الْحُسَيْنِ ابن الإِمَامِ الْقَاسِمِ الرَّسِّيِّ ابن إِبْرَاهِيمَ بن إِسْمَاعِيلَ بن إِبْرَاهِيمَ بن الحَسَنِ ابن الإِمَامِ الحَسَنِ ابن الإِمَامِ عَلِيٍّ بن أَبِي طَالِبٍ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، واشتهر بلقب النفس الزَّكِيَّة(1).

ويُعَدُّ من كبار أئمة الدولة الزيدية في اليمن، كما أنه الجد السادس لِلْإِمَامِ عَبْداللَّهِ بن حَمْزَة(2)، كَمَا يُعَدُّ أحد أبرز أئمة اليمن في القرن السادس الهجري، ويُصنف بوصفه الحاكم الرابع عشر من حكام الدولة الزيدية في الْيَمَن.

 

 قيامه بالدعوة وبداية حكمه:
خرج الإِمَام أَبُوْ هَاشِم النفس الزَّكِيَّة محتسبًا سنة 426هـ(3)، الْمُوَافِق: 1035م، وَقِيْلَ(4): سنة 422هـ، الْمُوَافِق: 1031م، من قرية نَاعِطٍ(5)، الواقعة فِيْ مُدِيْرِيَّة خارف بِمُحَافَظَةِ عمران، واتخذ لقب “المعيد لدين الله”(6).

رافقه في بداية دعوته ابنه حمزة بن أبي هاشم، الجد الجامع للحمزيين، فانتشرت دعوته سريعًا، وبايعه عدد من زعماء القبائل، وفي مقدمتهم شيخ خولان المنصور بن أبي الفتوح الذي ساند حركته وأسهم في دخوله صَنْعَاء.

وفي يوم الخميس 3 شعبان 426هـ(7) الموافق 12 يونيو 1035م دخل صنعاء بعد انسحاب حاكمها الشيخ يحيى بن أبي حاشد، فاستقرت له المدينة، وأصبحت مركزًا مهمًا لنفوذه.

إلا أن الاضطرابات السياسية لم تتوقف؛ إذ غادر صنعاء إلى ناعط في منتصف رمضان من العام نفسه بسبب اضطراب الأَوْضَاع(8)، وظل نفوذه قائمًا في مناطق متعددة من شمال اليمن، قبل أن يعود إلى صنعاء مرة أخرى سنة 433هـ/ 1041م بعد أن بايعته همدان -باستثناء بني حماد- ونصروه، فأقام فيها ثمانية أيام، ثم غادرها بعد تجدد الخلافات، وولّى عليها واليًا، وآثَرَ الإقامة في نَاعِطٍ حتى وَفَاته.

 

 اتساع نفوذه وإدارته لِلدَّوْلَةِ:
حَكَمَ الإِمَام أَبُوْ هَاشِم النفس الزَّكِيَّة أَجْزَاء واسعة من شمال الْيَمَن قرابة ثلاث سنوات، من [426هـ/1035م]، حتى [429هـ/1037م]، خلال الفترة: [426 – 429هـ / 1035 – 1037م]، وشمل نفوذه صَنْعَاء وَصَعْدَه وَمَا جاورهما، كَمَا امتد فِيْ بعض الفترات إِلَى ذَمَار وإب وتعز.

واتخذ من “نَاعِط” عاصمةً لإدارة دولته، وَمِنْهَا كَانَ يدير شؤون الحكم، حَتَّى اعتزل سنة 429هـ/1037م، مفضلاً الابتعاد عَن الصِّرَاع السِّيَاسِي، مَعَ بقائه فِيْ ناعط حَتَّى وَفَاته.

 

 أبرز مُعَاصِرِيْهِ:
عَاصَرَ الإمام أَبُوْ هَاشِم النفس الزَّكِيَّة عددًا من أبرز الحكام في العالم الإسلامي واليمن، من أبرزهم:

·    الْخَلِيْفَة الْعَبَّاسِيّ الْقَائِم بِأَمْرِ الله عَبْداللَّهِ بن الْقَادِر الْعَبَّاسِيّ [422 – 467هـ /1031 – 1075م].

·    الأَمِيْرُ الْمُؤَيَّدُ نَجَاحُ الحَبَشِيُّ، مُؤَسِّس الدَّوْلَة النَّجَاحِيَّة فِيْ زَبِيْد [412 – 452هـ / 1022 – 1060م].

·    الأمير عَلِي بن مَعْنٍ، مؤسس دَوْلَة بَنِيْ مَعْنٍ، الأَصَابِحُ في خنفر وأبين وعدن [412 – 470هـ / 1021 – 1077م].

·   الأَمِيْر الزَّيْدِي جَعْفَر بن الْقَاسِم العِيَانِي، إِلَى جانب عدد من أُمَرَاء الْيَمَن فِيْ تِلْكَ المرحلة.

 

 نِهَايَة حُكْمِهِ:
بعد نحو ثلاث سنوات من الحكم، اعتزل الإمام أبو هاشم النفس الزكية السلطة طواعية سنة 429هـ/1037م، في خطوة نادرة في تاريخ اليمن الوسيط، مفضّلًا الإقامة في ناعط بعيدًا عن الصراعات السياسية التي شهدتها صنعاء، والتي تعاقب على السيطرة عليها عدد من الحكام خلال تلك الْفَتْرَة.

 

وَفَـــــاتــــه:
تُوُفِّيَ الإِمَام أَبُوْ هَاشِم النفس الزَّكِيَّة فِيْ نَاعِطٍ سنة [433هـ/1041م]، وَقِيْلَ(9): سنة [431هـ/1040م]، وَقِيْلَ(10): سنة [436هـ/1044م]، وقَبْرُهُ في قَرْيَة نَاعِطٍ الواقعة فِيْ مُدِيْرِيَّة خارف، بالقرب من “رَيْدَة”، شرق مدينة عمران، ويُعد من المعالم التاريخية المرتبطة بسيرته.

 

 الْخَاتِمَة:
يحتل الإمام أبو هاشم النفس الزكية مكانة بارزة في تاريخ الدولة الزيدية؛ إذ نجح في إعادة بسط نفوذها على أجزاء واسعة من شمال اليمن خلال فترة اتسمت بالانقسام السياسي وكثرة المنافسين. وقد عُرف بلقب المعيد لدين الله، واتخذ من ناعط مقرًا لحكمه، واستمر سلطانه قرابة ثلاث سنوات، قبل أن يعتزل الحكم بإرادته، تاركًا أثرًا واضحًا في مسيرة الدولة الزيدية، وفي التاريخ السياسي لليمن خلال القرن الخامس الْهِجْرِيّ، الْحَادِي عشر الْمِيْلادِي.

 

– الهوامش:
(1) الحدائق الوردية [2/170]، غاية الأماني 244، تاريخ الواسعي 190، التحف شرح الزلف 215، المقتطف 174، اللطائف السنية للكبسي 61 وما بعدها.

(2) التحف 215، وستأتي تَرْجَمَة الإِمَام عَبْداللَّهِ بن حَمْزَة، انظر الملك رقم 501.

(3) المقتطف 174، التحف 215، الكبسي 61، الحدائق [2/170]، الواسعي 190، غاية الأماني 244.

(4) التحف 215، وعزاه إلى ابن حابس.

(5) ناعط تقع في حاشد، خارف، بالقرب من ريدة، محافظة عمران، وهو قرية وجبل أثري يبعد 12 كيلو متراً من مدينة عَمْرَان شرقاً في اليمن.

(6) حاشية اللطائف السنية للكبسي 61، وعزاه إلى بلوغ المرام للعرشي.

(7) الحدائق [2/170]

(8) الحدائق [2/170].

(9) المقتطف 174.

(10) اللطائف للعلامة الكبسي 65.

 

– المصادر والمراجع:
– بلوغ المرام للعَرَشِي: بلوغ المرام في شرح مسك الختام، فيمن من تولَّى مُلْك اليمن من مَلِكٍ وإمامٍ، تأليف المؤرخ القاضي/ حسين بن أَحْمَد العَرَشي، وقد ختم حوادثه في سنة 1318هــ/ 1900م، فأوصل حوادثه إلى آخر شهر ربيع الأول 1358من الهجرة، الموافق لمنتصف أَيَار “مايو” سنة 1939 للميلاد، الأب أنستاس ماري الكرملي، عضو مجمع اللغة العربية، مكتبة الثقافة الدينية. المدينة، الدولة؛ غير مذكور رقم الطبعة وسنة الطبع.

– تَارِيْخ المُطَاع: تَارِيْخ الْيَمَن الإِسْلامِيّ، تأليف: العلامة المؤرخ: أحمد بن أحمد بن محمد المطاع، تحقيق: عَبْداللَّهِ محمد الحِبشي، الناشر: منشورات المدينة، شركة دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1407هـ – 1986م.

– تَارِيخ الْيَمَن للواسعي الْمُسَمَّى: “فُرْجَةُ الْهُمُومِ وَالحَزَنِ فِيْ حَوَادِثِ تَارِيْخ الْيَمَنِ”، تأليف: العلامة المؤرخ: عَبْدالْوَاسِعِ بن يَحْيَى الواسعي اليماني، الدار اليمنية للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، 1984م.

– التُّحَفُ شَرْحُ الزُّلَفِ، تأليف الإمام مَجْدالدِّيْنِ مُحَمَّد الْمُؤَيَّدِيّ، إصدار: مكتبة أهل البيت عليهم السلام، اليمن، صعدة، الطبعة السادسة، 1441هـ/2020م.

– الحدائق الوردية في مناقب أئمة الزيدية، تأليف: الشهيد حُميد المحلي، تحقيق الدكتور المُرْتَضَى بن زيد الْمَحَطْوَرِي، 1423هـ/2002م، الطبعة الأولى، طبعة مركز بدر العلمي والثقافي، صنعاء، الْيَمَن.

– غَايَةُ الأَمَانِيِّ فِيْ أَخْبَارِ القُطْرِ اليَمَانِيّ [ملخص أنباء الزمن]، تأليف العلامة المؤرخ: يحيى بن الحسين بن القاسم بن محمد بن علي، تحقيق وتقديم: د. سعيد عَبْدالفَتَّاحِ عاشور، مراجعة: د. محمد مصطفى زيادة، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، مصر، 1388هـ – 1968م، منتدى سور الأزبكية.

– اللَّطائِفُ السَّنِيَّةُ فِيْ أَخْبَارِ المَمَالِكِ الْيَمَنيةِ؛ تأليف: العلامة المؤرخ محمد بن إِسْمَاعِيْل الكبسي المتُوُفِّيَ 1308هـ، تحقيق: خالد الأذرعي؛ أبو حسان، مكتبة الجيل الجديد، الْيَمَن، صنعاء؛ الطبعة الأولى 1426هـ – 2005م.

– مآثر الأبرار في تفصيل مجملات جواهر الأخبار، ويسمى اللواحق الندية بالحدائق الوردية (شرح بسامة السيد صارم الدين الوزير)، تأليف: العلامة محمد بن علي بن يونس الزحيف المعروف بابن فَنَد، تحقيق: عَبْدالسَّلامِ عَبَّاس الوجيه، وخالد قاسم محمد المتوكل، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، المملكة الأردنية الهاشمية، وفرعها صنعاء، الجمهورية اليمنية، الطبعة الأولى، 1423هـ – 2002م.

– المُقْتَطَفُ من تَارِيْخ الْيَمَن، تأليف: عَبْداللَّهِ عَبْدالْكَرِيْمِ الْجِرَافِيّ، تَقْدِيْم: زيد بن علي الوزير، منشورات العصر الحديث، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1407هـ – 1987م.

 

 

You might also like