السنن القرآنية تكشف حقيقة الهيمنة الأمريكية وسقوط أوهام الارتهان
تتجدد مع كل محطةٍ من محطات الصراع في المنطقة دلالات الرؤية القرآنية التي طرحها الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، والتي لم تكن قراءةً سياسيةً مرتبطةً بحدثٍ عابر، بل مشروعًا فكريًا استند إلى القرآن الكريم في فهم طبيعة الصراع مع قوى الاستكبار العالمي. وقد جاءت التطورات الأخيرة، وتهديداتٍ وتصريحاتٍ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المسيئة للكعبة المشرفة، لتعيد التأكيد على أن السنن التي تحدث عنها القرآن الكريم لا تتغير، وأن العلاقة التي يسعى الغرب إلى فرضها على الأمة الإسلامية تقوم على منطق الهيمنة والإخضاع لا على الاحترام المتبادل أو الشراكة الحقيقية، وفي هذا السياق، تبرز رؤية الشهيد القائد باعتبارها قراءةً استشرافيةً كشفت مبكرًا أن سياسة الاسترضاء، وكثرة الاتفاقيات، وتقديم التنازلات للقوى المستكبرة، لن تمنح الأمة أمناً ولا كرامة، وإنما ستقود إلى مزيدٍ من الضغوط والابتزاز، حتى تصل المطالب إلى استهداف هوية الأمة وعقيدتها واستقلال قرارها.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
القرآن الكريم يضع القاعدة الحاكمة للعلاقة مع قوى الاستكبار
انطلق الشهيد القائد من قول الله تعالى:
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ وأوضح أن هذه الآية لا تصف مرحلةً تاريخيةً محددة، وإنما تكشف سنةً إلهيةً ثابتةً تحكم طبيعة العلاقة مع القوى التي تحمل مشروعًا معاديًا للإسلام. فالرضا ليس مرتبطًا بحجم التنازلات أو الاتفاقيات، وإنما يتحقق فقط عندما تتخلى الأمة عن هويتها واستقلالها وتذوب في المشروع الذي يراد فرضه عليها، ومن هنا فإن القرآن، وفق هذه الرؤية، لا يدعو إلى سوء الظن بالآخر لمجرد الاختلاف، وإنما يحذر من الارتهان لمشروعٍ يستهدف الأمة في عقيدتها وسيادتها وقرارها.
سقوط وهم التحالف مع أمريكا
أكد الشهيد القائد أن التجربة السياسية أثبتت أن الولايات المتحدة لا تتعامل مع حلفائها باعتبارهم شركاء متساوين، وإنما باعتبارهم أدواتٍ لتحقيق مصالحها، فإذا انتهت الحاجة إليهم أو تغيرت أولوياتها مارست عليهم مختلف أشكال الضغط والابتزاز. وضرب مثالًا بالعلاقة الأمريكية مع السعودية، موضحًا أن عقودًا طويلةً من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني لم تمنع استمرار الضغوط الأمريكية، وهو ما يكشف أن المشكلة ليست في مستوى الولاء، وإنما في طبيعة المشروع الأمريكي نفسه، الذي لا يعرف الوفاء للحلفاء بقدر ما يعرف استثمارهم لتحقيق مصالحه، وتكشف التطورات الراهنة أن سياسة الاسترضاء لم تنتج احترامًا، بل فتحت الباب أمام مزيدٍ من المطالب والضغوط والإملاءات، والاهانات والتي كان آخرها تصريحات ترامب المسيئة للكعبة المشرفة .
العدو لا يتحول إلى ناصح أمين
من أهم المرتكزات التي أكد عليها الشهيد القائد أن العداء التاريخي للمشروع الاستكباري ليس خلافًا سياسيًا عابرًا، بل هو صراعٌ مرتبط بالمصالح والهوية والسيطرة، ولهذا قال إن العدو لا يمكن أن يكون ناصحًا للأمة، ولا حريصًا على عزتها أو استقلالها، مهما قدم من شعارات أو وعود أو اتفاقيات، لأن هدفه النهائي هو إخضاع الأمة وإبقاؤها في دائرة التبعية، ومن هذا المنطلق، فإن أي قراءةٍ للأحداث تتجاهل هذه الحقيقة ستقود إلى أخطاء استراتيجية متكررة، أثبت الواقع نتائجها في أكثر من بلدٍ عربي وإسلامي.
اتباع ملتهم .. أخطر صور التبعية
يفسر الشهيد القائد قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾، بأن المقصود لا يقتصر على الجانب الديني، بل يشمل التبعية السياسية والثقافية والفكرية والإعلامية، بحيث تفقد الأمة شخصيتها المستقلة، وتصبح خاضعةً لمنظومة القيم والمفاهيم التي يفرضها الآخر، ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست معركة حدود أو مصالح اقتصادية فحسب، وإنما معركة هوية ووعي واستقلال حضاري.
الأحداث الراهنة تؤكد صدقية الرؤية
أعادت التطورات الأخيرة إلى الأذهان كثيرًا من مضامين هذه الرؤية، إذ أظهرت أن القوى الكبرى لا تتردد في استخدام لغة التهديد والابتزاز حتى مع أقرب حلفائها عندما تقتضي مصالحها ذلك.
ويؤكد ذلك أن سياسة التنازلات لا تؤدي إلى إنهاء الضغوط، بل تمنح الطرف الآخر أدواتٍ إضافيةً لفرض المزيد من الشروط، وهو ما يتوافق مع التحذير القرآني الذي استند إليه الشهيد القائد في قراءته للواقع.
القرآن يصنع الوعي والاستقلال
يرى الشهيد القائد أن الحل لا يكمن في البحث عن رضا القوى المستكبرة، وإنما في العودة الصادقة إلى القرآن الكريم باعتباره مصدرًا لبناء الوعي، وصناعة الشخصية المؤمنة، وتعزيز الاستقلال السياسي والثقافي والاقتصادي،
فالقرآن لا يقتصر على توجيه السلوك الفردي، بل يقدم منهجًا متكاملًا لفهم الواقع، وكشف طبيعة الصراع، وبناء موقف الأمة على أساس العزة والثقة بالله، لا على أساس الخوف أو الارتهان.
ختاما ..
تكشف المتغيرات المتسارعة في المنطقة أن الرؤية القرآنية التي قدمها الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه لم تكن قراءةً لمرحلةٍ زمنيةٍ محددة، وإنما تفسيرًا لسننٍ إلهيةٍ ثابتةٍ تحكم طبيعة العلاقة بين الأمة الإسلامية وقوى الهيمنة والاستكبار، وكلما تعاقبت الأحداث، برزت شواهد جديدة تؤكد أن الاعتماد على القوى المستكبرة لا يصنع أمنًا ولا يحفظ كرامة، وأن الطريق إلى السيادة يبدأ بالتمسك بالهوية الإيمانية، والوعي القرآني، وبناء عناصر القوة والاستقلال، ومن هنا تبقى هذه الرؤية دعوةً متجددةً إلى قراءة الواقع بميزان القرآن، واستلهام السنن الإلهية في مواجهة التحديات، بعيدًا عن أوهام الارتهان أو التعويل على رضا الأعداء.