البصيرة ثم التضحية.. معادلة الإمام زيد الخالدة لصناعة النصر وكسر شوكة الطغاة

في عصرنا اليوم، الذي تتعدد فيه وسائط التضليل وتتنوع فيه أدوات التعمية ضمن مسارات الحرب الناعمة بهدف الهيمنة على الشعوب دون الحاجة لتدخل عسكري مباشر من قبل الأعداء، تأتي ذكرى مناسبة استشهاد الإمام الأعظم زيد بن علي عليهما السلام لتُعلّمنا أن البصيرة هي السلاح الأقوى الذي يسبق الجهاد، وأن الوعي الصحيح هو الذي يحمي الأمم من الوقوع في مصائد الخداع، ويمنعها من الرضوخ لاستعباد الطغاة الذين يسعون لطمس الهوية الإسلامية ونهب مقدرات الشعوب.

وفي هذا السياق ليست البصيرة مجرد إدراك للواقع، بل هي القدرة القرآنية الفائقة على اختراق حجب المخططات الاستعمارية، ورؤية الأبعاد الخفية خلف التحالفات الزائفة والعناوين البراقة التي ترفعها قوى الطغيان لتبرير عدوانها على الأوطان وأموال الأمم ودماء شعوبها، وهو ما جعل الإمام زيد ببصيرته القرآنية الخالصة ووعيه الإيماني العالي، يدرك عمق المؤامرة المحيطة بالأمة، فخرج من عزلته ليسكت على الظلم، بل ليعلنها صريحة “وَاللهِ ما يَدعُني كِتابُ اللهِ أَن أَسكُتَ”.

يمانيون| محسن علي

ذكرى فاصلة بين الألم والعظمة

في رحاب ذكرى ثورة الإمام زيد بن علي عليه السلام، نقف عند محطة تاريخية فارقة في مسيرة الأمة الإسلامية، هذه الذكرى تجمع بين شقها الأليم المرتبط بالتضحيات الجسام، وجانبها العظيم الذي يختزل دروساً خالدة في مواجهة الظلم والطغيان، كما تعد نافذة نطل من خلالها على معاني النهضة الحقيقية، ومرآة نرى فيها واقعنا المعاصر، ومدرسة نتزود منها بقوة الإرادة والثبات على المبدأ، فضلا عن أنها صرخة إيقاظ لكل غافل، ودعوة صادقة لمراجعة الحسابات والتدقيق في الخيارات الخاسرة قبل فوات الأوان.

 

الامتداد التاريخي.. من كربلاء إلى رفض الاستعباد

لا يمكن استيعاب ثورة الإمام زيد بمعزل عن امتدادها التاريخي لنهضة جده الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء،فقد شكلت ثورة الإمام زيد استمرارية حية لصوت الحق، وأعطت الأمة فرصة جديدة لتصحيح مسارها المنحرف، ولقد أكمل الإمام زيد المسيرة التي رسمها جده بدمه الزكي، وجسّد معاني رفض الضيم، والتصدي للطغيان، والدفاع عن الدين وإنقاذ الأمة، حينما تحرك الإمام من أجل الأمة بأسرها، مقدمًا نموذجاً للثائر الذي لا يبتغي من نهضته إلا وجه الله وخدمة الناس.

 

طغيان بني أمية.. قراءة في الانحراف والمواجهة

لفهم عمق الثورة الزيدية، يجب استيعاب حجم الطغيان الأموي الذي واجهه، فلقد تجاوز ذلك النظام كل الحدود في استباحة المقدسات وقهر الأمة، ووصلت الجرأة به إلى ضرب الكعبة المشرفة بالمنجنيق، واستباحة المدينة المنورة وقتل خيرة الصحابة والتابعين، والأخطر من ذلك هو التجرد من قيم الإسلام الأصيلة، حيث أصبح الدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جريمة تستوجب العقاب، في هذا المشهد المشحون بالفساد والانحراف، برزت ثورة الإمام زيد كحالة وعي رافضة للسكوت على الباطل مهما كان الثمن.

 

حليف القرآن.. الأساس الفكري وركيزة الثورة

من أبرز ما ميز شخصية الإمام زيد هو لقبه العظيم “حليف القرآن”، فلقد كان القرآن الكريم هو الأساس الفكري والروحي لكل مواقفه وقراراته،  إذ كانت حركته قرآنية في مبادئها وأهدافها ووسائلها، ومن هنا انطلق شعاره الخالد الذي نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى: “البصيرة البصيرة، ثم الجهاد” وبهذا الشعار، لخص الإمام معادلة النهضة الحقيقية التي تبدأ بالوعي والإدراك الصحيح للواقع، ثم تنطلق إلى العمل والتضحية.

 

البصيرة.. أداة مواجهة التضليل المعاصر

تحتاج الأمة اليوم إلى البصيرة النافذة في مواجهة أعتى حملات التضليل والتشويش التي تستهدف وعيها، كما إن البصيرة هي القدرة على فهم الأبعاد الحقيقية للمواقف، والتمييز بين الصديق والعدو، وبين الناصح والغاش، وقد ضرب القرآن الكريم أروع الأمثلة على أهمية البصيرة بقوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا}، والمؤكد إن بديل البصيرة هو عمى القلوب الذي يحجب الإنسان عن إدراك الحقائق الجلية،ونحن اليوم نشهد نماذج صارخة من هذا العمى، حيث يتعامى البعض عن حقيقة العدوان الأمريكي الإسرائيلي على أمتنا، ويتجاهلون أدوار العملاء والمنافقين الذين ينفذون المخططات الاستعمارية تحت عناوين براقة، كما إن المقارنة بين طغيان بني أمية وطغيان القوى الاستعمارية الحالية تكشف تطابقاً مذهلاً في استهداف دين الأمة، ونهب ثرواتها، وانتهاك كرامتها.

وقد تجلى هذا الاستهداف بوضوح في العدوان على اليمن، حيث ارتكبت قوى العدوان أبشع الجرائم (القتل، الحصار، التدمير)، ورغم إدراك العالم لبشاعة هذه الجرائم، إلا أن فاقدي البصيرة لا يزالون يتأثرون بتضليل العدو لتبرير هذا العدوان.

 

الجهاد.. الترجمة العملية للوعي

إذا كانت البصيرة هي الأساس، فإن الجهاد هو الترجمة العملية لها، فالجهاد ليس مجرد حمل للسلاح، بل هو الجهاد بالكلمة والمال والموقف والصبر، ولقد أثبت الشعب اليمني، ببصيرته وجهاده، قدرة الإرادة الصلبة على مواجهة أعتى الآلات العسكرية، مشكلاً نموذجاً حياً يستلهم من نهج الإمام زيد، سيما وقد حالت البصيرة والجهاد دون تحقيق أهداف العدوان (جعل اليمن قاعدة عسكرية أمريكية بريطانية)، وحفظا كرامة الشعب وحرية القرار.

 

درس المسؤولية.. “والله ما يدعني كتاب الله أن أسكت”

من أروع المواقف التاريخية تلك الكلمة الخالدة للإمام زيد: “وَاللهِ ما يَدعُني كِتابُ اللهِ أَن أَسكُتَ” هذه الكلمة تجسد حقيقة الإيمان الحي الذي يرفض الخنوع للظالمين، وإن كتاب الله يمنعنا من السكوت وهو يأمرنا بالجهاد، ويعدنا بالنصر {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} خاصة وإننا في مواجهة الطغيان المعاصر نستلهم هذه الكلمة، فلا يجوز السكوت والأمة تستباح من فلسطين إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران.

 

مواصلة المشوار نحو النصر والتحرير

إن ثورة الإمام زيد هي مشعل ينير الطريق نحو المستقبل. بروح هذه الثورة وبالصمود والجهاد، سيواصل الشعب اليمني مشواره لتحرير كل شبر من أرضه، واستعادة المناطق المحتلة، والتكامل مع أحرار الأمة في قضايانا الكبرى وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

 

على درب الإمام زيد ماضون

إن الإمام زيد باقٍ في وجدان الأمة، وثورته نبراس يضيء سبل النهضة الحقيقية، وإن الأمة التي تحمل في ذاكرتها تضحيات آل البيت الأطهار لهي أمة جديرة بالنصر والغلبة في النهاية، مهما طال ليل الظلم والطغيان.

You might also like