أضواء على البعد الاجتماعي.. كيف حوّل الإمام زيد ثورة الفقراء والمحرومين إلى أيقونة ضد الاستبداد؟

في زقاق مظلم من أزقة الكوفة، حيث يتكدس الفقراء والمحرومون وتثقل كواهلهم الضرائب والأهواء، كان صمت الأمويين يُكسر بانتفاضات متتالية لم تنسَ قط أنها رُميت خارج أسوار السلطة والثروة، هناك، وُلدت الثورة لا من فراغ، بل من رحم الفقر والإقصاء، لتعلن بصوت حليف القرآن الإمام زيد بن علي (ع) أن الدين ليس مجرد طقوس، بل هو صرخة من أجل الكرامة والعدل.

يمانيون| محسن علي

تتجه هذه الدراسة، التي استخلصت جوهرها من كتاب “البعد الاجتماعي في ثورة الإمام زيد بن علي” للدكتور حمود الأهنومي، لتسليط الضوء على جانب قد يغفله الكثيرون حين يتذكرون الثورات: الجانب الاجتماعي والاقتصادي. فلم تكن ثورة الإمام زيد في عام 122هـ مجرد طموح سياسي لانتزاع الحكم، بل كانت استجابة صادمة لمشهدٍ عامٍ انفلت فيه “الأشراف” والوجهاء ليتربعوا على الثروات والأراضي الخراجية، تاركين عامة الناس، وبخاصة الموالي والسودان، يكابدون السخرة والقهر، في هذه الأوراق، سنرى كيف تحولت المعركة ضد الاستبداد إلى مواجهة حقيقية بين من احتكروا المال والذين سُلبوا حقوقهم، وكيف أثبت الإمام زيد أن رسالة الإصلاح لا تكتمل إلا بمواجهة الظلم الاجتماعي في صميم أبنية الدولة.

 

استبداد التاريخ واستئثار السلطة

عبر مراحل التاريخ السياسي، يميل المتسلطون إلى تثبيت أقدامهم عبر سبل متنوعة. ومن أبرز هذه السبل، كما توضح المصادر التاريخية، هو الاستئثار بالأموال والأراضي، وفرض الضرائب المجحفة، والتلاعب بالوضع الاجتماعي للشرائح الفقيرة، ونشر المخاوف وشراء الولاءات، إن حماية الكراسي السياسية غالباً ما تتطلب إيقاع الناس في الفقر والجوع، حتى لا يملكوا الطاقة للثورة أو المطالبة بحقوقهم. هذا كان المنهج الذي رسخه الحكم الأموي بوضوح في تلك الحقبة.

 

استئثار الأمويين بالأرض الخراجية

من أبرز ملامح الظلم الاقتصادي والاجتماعي في تلك الحقبة هو تحويل الأراضي الخراجية المفتوحة من حقوق عامة إلى أوقاف وملاكات شخصية لفئة محدودة، فقد تحول بعض الولاة والخلفاء إلى الاستيلاء على هذه الأراضي والتصرف فيها كأنها أملاك خاصة لهم ولعائلاتهم، مما أفرغ الأرض من قيمتها كملكية مشتركة للمسلمين. وقد عمّق ذلك التفاوت الطبقي، وأضعف العدالة الاقتصادية، وأفضى إلى تغوّل السلطة على المال العام، ما جعل الفقر واقعاً يعيشه ملايين من العامة من الفلاحين والعمال وأصحاب الحرف.

 

العصبية العربية ومحنة الموالي

لم يكن الظلم مقتصراً على الجانب الاقتصادي، بل امتد ليشمل التمييز العنصري البنيوي، فقد رسّخ الحكم الأموي السيادة العربية وجعلها معياراً لتوزيع الامتيازات والمناصب، مما أدى إلى تهميش “الموالي” وغير العرب. ورغم إسلامهم وجهادهم، حُرموا من مساواة فعلية في العطاء والتقدير الاجتماعي. وتوضح الدراسة أن هذا الإقصاء الاجتماعي هو ما دفع الكثيرين إلى الانضمام لمعارضة الدولة، فوجدوا في مدرسة الإمام زيد وأهل البيت فضاءً أرحب للعدالة والمساواة.

 

الفئات المسحوقة هي الأكثر تضرراً

انعكست السياسات المالية والاجتماعية للأمويين بشكل قاسٍ على الطبقات الضعيفة، ولا سيما الموالي والسودان وغيرهم من الفئات الأقل حظاً، وقد أدت هذه السياسات إلى جعلهم أكثر عرضة للفقر والتهميش والتمييز، وأكثر قابلية للتفاعل مع دعوات الإصلاح والثورة. وتُبرز الدراسة أن مشاركة الفئات الاجتماعية البسيطة في ثورة الإمام زيد لم تكن صدفة، بل كانت تعبيراً حيوياً عن مظالمهم الواقعية ورغبتهم في كسر طوق القمع.

 

استقطاب الشرائح حتى بالأشراف

أحياناً، يصل الجور إلى حد أن يستقطب حتى بعض الفئات التي كانت تستفيد سابقاً من النظام. فقد انجذب بعض الأشراف والوجهاء إلى الثورة حين أدركوا أن سياسات الحكم الأموي أضرت بمصالحهم أيضاً، وأن القمع لم يبقَ حكراً على طبقة محددة، وقد كان غياب الكثير منهم عن نصرة ثورة الإمام زيد ناتجاً عن تشبثهم ببنية المصالح التي صنعها الأمويون، بينما بقي العلماء والمدارس الإسلامية الأقرب للمبادئ المناهضة للظلم.

 

“المال شهرة هشام بن عبدالملك”

تبرز الدراسة شخصيات محورية مثل الخليفة الأموي هشام بن عبدالملك، الذي عُرف بشدة حبه للمال وتكديسه، لتعكس ثقافة سياسية قائمة على الاستئثار أكثر من الرعاية الاجتماعية، هذا النموذج من الحكم دفع الناس إلى الاحتجاجات المتكررة، وولد ثورات مثل ثورة يزيد بن المهلب التي كانت تعبيراً عن اختلالات اجتماعية واقتصادية وسياسية متداخلة.

 

البرنامج الاجتماعي لثورة الإمام زيد

لم تكن ثورة الإمام زيد مجرد طلب للحكم، بل كانت دعوة صريحة لإرساء العدل، ورفع الحاجة والفقر، وإعادة أهل البيت لموقعهم القيادي في الإصلاح، فقد كان خطابه موجهاً لمناهضة الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإغاثة المحرومين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتؤكد الدراسة أن البعد الاجتماعي في ثورته لم يكن ثانوياً، بل كان أحد أهم دوافعها ومكوناتها، إلى جانب بعدها الديني والسياسي.

 

الخاتمة

إن استقراء الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية في الحقبة الأموية، وصولاً إلى ثورة الإمام زيد بن علي (ع)، يكشف بوضوح أن التاريخ الإسلامي مليء بالصراعات التي لم تكن سياسية بحتة، لقد كانت ثورة الفقراء والمحرومين امتداداً واعياً لنهج أهل البيت، ورفضاً قاطعاً لاستبداد يتربع على الأموال ويستضعف الناس، وتبقى رسالة الإمام زيد خالدة لتؤكد أن مقاومة الظلم لا تكتمل إلا بمواجهة أسبابه الاقتصادية والاجتماعية، وأن العدل المنشود يجب أن يمس كل شريحة في المجتمع، من الفقير المستضعف إلى العاقل الواعي.

للمزيد.. يرجى الضغط على الرابط أدناه لتحميل الكتاب.

البعد_الاجتماعي_في_ثورة_الإمام_زيد_بن_علي

You might also like