رسائل ردع يمنية ثقيلة.. فهل يفهم النظام السعودي رسالة استهداف الأبراج الزجاجية قبل فوات الأوان؟
مع استهداف القوات المسلحة اليمنية مبنى تابع لشركة أرامكو في مركز الملك عبدالله المالي بالرياض، ردا على جرائم الإبادة السعودية بحق أبناء شعبنا اليمني والتي كان آخرها مجزرتي سوق الحضارة في الوازعية وقرية الشرية في بني حشيش، انتقلت الرسائل إلى قلب الواجهة الاقتصادية السعودية، حيث الأبراج الزجاجية التي تختصر صورة الاستثمار والانفتاح والاستقرار، أصبحت في مرمى عمليات اليمن وتفتح فصلا جديدا في مسار المواجهة، وبينما تفرض العملية نفسها بوصفها تطورًا لافتًا، تتجاوز دلالاتها حدود الموقع المستهدف، لتطرح سؤالًا أكبر حول قدرة الرياض على حماية مراكزها الحيوية، وإدارة كلفة التصعيد المتواصل مع اليمن، وتكشف أن مسار المواجهة بات يلامس مناطق حساسة تتجاوز الحسابات التقليدية للمعركة.
يمانيون| محسن لي
تكتسب عمليات القوات المسلحة اليمنية اليوم وفق ما ورد في بيان المتحدث الرسمي للقوات المسلحة، أهمية خاصة بسبب طبيعة الموقع الذي تم استهدافه في العاصمة السعودية الرياض، فالمبنى التابع لشركة أرامكو داخل مركز الملك عبدالله المالي لا يمثل منشأة عادية، بل يقع في نطاق يرتبط بصورة المملكة الاقتصادية والمالية، ويجسد جانبًا من مشاريعها الرامية إلى جذب الاستثمارات وتقديم نفسها مركزًا إقليميًا للأعمال.
ومن هنا، فإن دلالة العملية لا تتوقف عند حجم الأضرار المادية أو طبيعة المبنى المستهدف، بل تمتد إلى الرسالة التي يحملها وصول العمليات إلى منطقة ذات قيمة رمزية واقتصادية عالية، فكلما اقتربت الضربات من مراكز المال والأعمال، أصبحت القضية مرتبطة بصورة الأمن والاستقرار التي تحرص الرياض على ترسيخها أمام المستثمرين والشركات الدولية، وبحسب المعلومات الواردة عن نتائج الضربة فقد تضرر أكثر من خمسة أدوار بشكل مباشر في ثاني أكبر برج في قلب الرياض، مع احتمالية انهيار البرج في أقرب وقت.
اختبار للصورة السياسية والاقتصادية
سياسيًا، تضع العملية الرواية السعودية حول قدرتها على تأمين عمقها الداخلي أمام اختبار جديد، فالمملكة التي تقدم نفسها باعتبارها بيئة مستقرة ومفتوحة للاستثمار، تجد نفسها أمام مشهد يربط بين استمرار التصعيد العسكري وبين احتمال انتقال آثاره إلى المنشآت الاقتصادية الحيوية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن عملية واحدة قادرة وحدها على تغيير اتجاهات الاستثمار، غير أن تكرار استهداف المواقع ذات الحساسية الاقتصادية قد يفرض حسابات إضافية على الشركات والمستثمرين، خصوصًا في ما يتعلق بأمن المنشآت واستمرارية الأعمال وتكاليف الحماية والتأمين.
اتساع بنك الأهداف
عسكريًا، تعكس العملية، بحسب القراءة التي تقدمها المعطيات، اتساعًا في نطاق الخيارات العملياتية وانتقالًا من استهداف المواقع العسكرية المباشرة إلى منشآت مرتبطة بالطاقة والمال والاقتصاد، وهذا الانتقال يرفع مستوى الحساسية؛ لأن المنشآت الاقتصادية الكبرى لا تعمل بمعزل عن القرار السياسي، بل تشكل جزءًا من القوة الشاملة للدولة.
كما أن اختيار موقع داخل مركز الملك عبدالله المالي يبعث برسالة مفادها أن العمق السعودي لم يعد يُقرأ فقط من زاوية القواعد العسكرية والمطارات، بل يشمل أيضًا مراكز الطاقة والمال والأعمال، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات جديدة في مسار المواجهة إذا استمر التصعيد ولم تتجه السعودية لوقف عدوانها وحصارها وجرائمها في اليمن.
معادلة الردع والتصعيد
استراتيجيًا، تندرج هذه التطورات ضمن معادلة التصعيد بالتصعيد والحصار ، وبالنسبة إلى الجانب اليمني، فإن استهداف مواقع اقتصادية حساسة يقدم رسالة مفادها أن استمرار الاعتداءات والجرائم، ، لن يبقى من دون رد وعقاب،
لكن هذه المعادلة تحمل في الوقت نفسه مخاطر واسعة؛ فكل انتقال للمواجهة إلى منشآت مدنية أو اقتصادية قد يضاعف الخسائر ويهدد استقرار المنطقة وسلامة السكان والعاملين مع تكرار تحذيرات صنعاء لرجال المال والأعمال والمستثمرين وشركات الطيران العالمية، ولذلك فإن اتساع بنك الأهداف يعني دخول المملكة في مستنقع لا يحمد عقباه.
الرسالة الأبعد
الرسالة الأبرز في تطورات اليوم أن استمرار الحرب يخلق مسارات جديدة للمواجهة، ويجعل المنشآت الحيوية جزءًا من حسابات الردع، فكلما ارتفعت وتيرة الاعتداءات والجرائم السعودية بحق أبناء الشعب اليمني، ازدادت انتقال الردود إلى مستويات أكثر حساسية، بما يرفع كلفة الصراع على النظام السعودي.
ولهذا، فإن السؤال الذي تفرضه العملية لا يتعلق فقط بما حدث، بل بما قد يحدث لاحقًا: هل ستتعامل الرياض مع التطور باعتباره إنذارًا سياسيًا يدفع نحو التهدئة، أم ستواصل سياسة التصعيد التي قد توسع دائرة الاستهداف وتزيد أعباءها الاقتصادية والأمنية؟
ختاما
دخول الأبراج الزجاجية إلى مشهد المواجهة، ليس تفصيلًا عابرًا؛ إنه تطور يكشف أن الصراع بات يقترب من أكثر المناطق ارتباطًا بصورة السعودية ومصالحها الاقتصادية، وبينما تستطيع المنشآت إصلاح الأضرار المادية، فإن استعادة الثقة تحتاج إلى معالجة أصل الأزمة لا الاكتفاء بإدارة نتائجها.
فالرسالة الأثقل ليست في المبنى الذي استُهدف، بل في الكلفة التي قد تترتب على استمرار الحرب،وكلما تمادى النظام السعودي في ارتكاب مجازر الإبادة الجماعية بحق الشعب اليمني ، اتسعت مساحة المخاطرعليه، وازدادت الحاجة إلى قرار شجاع يوقف التصعيد قبل أن تتحول الأبراج الزجاجية من رموز للنهضة الاقتصادية إلى شواهد على ثمن الحرب والعدوان.