“هذه ليست حربنا” .. تصدع التحالف الأطلسي في مواجهة المأزق الأمريكي بمضيق هرمز

يمانيون |
لم يكن مضيق هرمز يوماً مجرد ممر مائي لنقل الطاقة، بل كان دائماً ميزاناً للقوى واختباراً لإرادات الأمم.

واليوم، ومع دخول المغامرة العسكرية التي يقودها ترامب ضد الجمهورية الإسلامية في إيران أسبوعها الثالث، يبدو أن هذا الميزان قد مال بشكل حاسم لغير صالح واشنطن.

وتحت شعارات “النصر الحاسم” وادعاءات تدمير القدرات الإيرانية، يقف البيت الأبيض اليوم معزولاً، يطرق أبواب الحلفاء والخصوم على حد سواء، طلباً لـ “حفنة فرقاطات” تنقذه من مستنقع هرمز.

إن الصرخة التي أطلقها الأوروبيون وبقية الحلفاء التقليديين: “هذه ليست حربنا”، لم تكن مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل كانت إعلاناً صريحاً عن تصدع التحالف الأطلسي وسقوط السردية الأمريكية التي حاولت تصوير العدوان على إيران كمعركة دولية لحماية الملاحة.

الحقيقة التي تفرض نفسها اليوم هي أن “البعبع” الأمريكي الذي حُشدت له الأساطيل لسنوات، يقف عاجزاً أمام ثبات الاستراتيجية الإيرانية التي أثبتت أن مفاتيح المضيق لا تُؤخذ بالتهديد، بل بالاحترام والاعتراف بالحقوق السيادية.

 انكسار العصا الغليظة.. فشل الردع البحري الأمريكي

لسنوات طويلة، سوّقت واشنطن فكرة أن وجود حاملات الطائرات والمدمرات في الخليج هو الضامن الوحيد لاستقرار المنطقة.

لكن الواقع الميداني اليوم يروي قصة مختلفة تماماً.

إن فشل البحرية الأمريكية في فرض إرادتها في مضيق هرمز أمام الصورايخ الإيرانية المتطورة والذكية، قاد إلى “بداية تداعيات الإخفاق” الكبرى.

لقد حشد البيت الأبيض كل ما في جعبته من تكنولوجيا عسكرية ودعاية إعلامية، لكن النتيجة كانت مأزقاً عملياتياً غير مسبوق.

هذا الفشل لم يقتصر على الجانب التقني، بل امتد لضرب العقيدة العسكرية الأمريكية في الصميم؛ فالبحرية التي كانت تُرهب الدول، أصبحت اليوم عاجزة حتى عن تأمين مرور سفينة واحدة دون موافقة ضمنية أو علنية من طهران.

هذا “الشق المحدود” في المأزق الأمريكي اتسع ليصبح فجوة استراتيجية، دفعت قادة البنتاغون للتساؤل خلف الأبواب المغلقة: كيف يمكن لدولة تحت الحصار لعقود أن تحيد أقوى بحرية في التاريخ؟

الرفض الأوروبي.. عندما ترفض بروكسل الانتحار لأجل ترامب

وتجلت ذروة الانكسار الأمريكي في الموقف الأوروبي الصارم.

لقد أوضح وزير الدفاع الألماني الحقيقة المرة التي تتجاهلها واشنطن بقوله: “ماذا نفعل إذا كانت البحرية الأمريكية قد فشلت؟”.

هذا التساؤل لم يكن استفساراً، بل كان إدانة للعجز الأمريكي.

فإذا كانت القوة العسكرية الأعظم غير قادرة على تحقيق أهدافها، فما الذي ستفعله “حفنة أو حفنتان من الفرقاطات الأوروبية” في مياه هرمز المشتعلة؟

لقد أدركت العواصم الأوروبية، من برلين إلى باريس، أن الانجرار خلف ترامب في هذه الحرب يعني الانتحار الاقتصادي والسياسي.

عملية “أسبايتز” في البحر الأحمر، التي تعاني أصلاً من نقص الأصول، كانت بمثابة الدرس القاسي للأوروبيين؛ فهم يدركون أن توسيع نطاقها لتشمل مضيق هرمز وما وراء خط مسقط ليس مجرد نزهة بحرية، بل هو تورط في حرب لم يبدأوها ولا يملكون مصلحة في استمرارها.

إن رفض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي توسيع العمليات العسكرية هو شهادة وفاة للتبعية المطلقة للسياسة الأمريكية.

 سيكولوجية “التغريد” مقابل واقع “الميدان”

وبينما يقضي ترامب ساعات في قراءة تغريداته القديمة وإعادة صياغة “الأكاذيب المملة” في مؤتمراته الصحفية، يتحرك الواقع على الأرض وفق وتيرة مختلفة تماماً.

الادعاءات الأمريكية بتدمير البرنامج النووي والصاروخي والبحرية الإيرانية تحولت إلى مادة للسخرية، خاصة عندما يتبعها ترامب مباشرة بطلبات استجداء للمساعدة من الصين واليابان ودول المنطقة.

هذا التناقض الصارخ بين السردية الإعلامية والواقع العسكري يكشف عن حالة من “التضليل المستمر” الذي تمارسه الإدارة الأمريكية لتغطية خيبتها.

حتى داخل الكونجرس الأمريكي، بدأت أصوات العقل تتعالى، محذرة من أن هذه الحرب تجر الولايات المتحدة إلى “خراب محقق” دون أهداف واضحة.

إن لجوء ترامب للبروباجندا السطحية هو دليل ضعف، لا قوة، ومحاولة يائسة للتغطية على حقيقة أن “القيصر” الأمريكي بات بلا ملابس في مياه الخليج.

 هرمز.. المفتوح للصداقة، المغلق أمام العدوان

وفي المقابل، قدمت طهران درساً في الدبلوماسية الدفاعية والوضوح الاستراتيجي.

تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي كانت بمثابة “الضربة القاضية” للدعاية الأمريكية؛ فالمضيق مفتوح بالفعل أمام العالم، وهو شريان الحياة الذي تحميه إيران. لكنه، وبكل حزم، “مغلق أمام المعتدين”.

هذه المعادلة الإيرانية البسيطة والعميقة أحرجت واشنطن أمام حلفائها في آسيا، وتحديداً الصين واليابان.

فعندما يطلب ترامب من الصين التدليل للمساعدة في إبقاء المضيق مفتوحاً، تأتي الإجابة من طهران: “المضيق مفتوح بالفعل، لكنه مغلق أمام أعدائنا”.

هذه الرسالة أدركها العالم جيداً؛ فإيران لا تستهدف التجارة العالمية، بل تستهدف اليد التي تحاول خنق شعبها.

وهذا الموقف هو الذي جعل دولاً مثل اليابان وأستراليا ودول الشرق الأوسط ترفض الانخراط في “التحالف الأمريكي الفاشل”، مفضلة الحلول الدبلوماسية التي تضمن أمن الجميع، لا أمن المعتدي وحده.

 الشماتة الدولية والسقوط الأخلاقي للغطرسة

ولم تكن موسكو وحدها من تشعر بـ “الشماتة” وهي تراقب غرق العملاق الأمريكي في رمال هرمز المتحركة، بل إن العالم بأسره بات يرى في “المجازفة” الأمريكية درساً في عواقب الغطرسة.

التوصيف الروسي للحرب، الذي تبنته دول أوروبية ضمناً، يشير إلى أن واشنطن بنت حساباتها على “توقعات خاطئة” تماماً لرد الفعل الإيراني.

لقد ظن ترامب أن سياسة “الضغوط القصوى” ستقود إيران للركوع، لكن ما حدث هو أن الحلفاء هم من تراجعوا، والأسواق هي من ارتعدت، والهيبة الأمريكية هي من تلاشت.

العالم اليوم لا يرى في أمريكا القائد الذي يحمي النظام الدولي، بل يرى فيها المقامر الذي يهدد استقرار العالم من أجل حسابات انتخابية أو أوهام عظمة شخصية.

هذا السقوط الأخلاقي والسياسي هو النتيجة الأهم لهذه المواجهة، حيث بدا الاتحاد الأوروبي واليابان وحتى الحلفاء الإقليميين أكثر حرصاً على السلم الدولي من البيت الأبيض نفسه.

الخاتمة: نهاية حقبة الترهيب الأمريكي

إن تقييم الأسابيع الثلاثة الماضية من المواجهة في مضيق هرمز يوصلنا إلى نتيجة واحدة حتمية: لقد انتهى العصر الذي كانت فيه واشنطن تقود العالم نحو الحروب بالإشارة.

وإن قول الأوروبيين “هذه ليست حربنا” هو المسمار الأخير في نعش القطبية الأحادية التي حاولت فرض إرادتها على منطقة الشرق الأوسط.

إيران، بثباتها الاستراتيجي وقدرتها على تفكيك التحالفات المعادية، أثبتت أن القوة الحقيقية ليست في عدد التغريدات أو حجم الأساطيل المتهالكة، بل في الحق السيادي والقدرة على حمايته.

أما الولايات المتحدة، فتخرج من هذه الأزمة وهي تعاني من “صد الغرق” وفقدان الثقة حتى من أقرب المقربين.

لقد سقط القناع عن الدعاية الأمريكية، وبقي مضيق هرمز شاهداً على أن زمن “البلطجة” الدولية قد ولى، وأن المستقبل هو لمن يملك لغة العقل والدبلوماسية، لا لغة التحريض والتزييف.

الخلاصة: إنها ليست حرب أوروبا، وليست حرب العالم؛ إنها “حرب ترامب الخاسرة” التي لم يحصد منها سوى العزلة، بينما تخرج إيران كلاعب إقليمي ودولي لا يمكن تجاوزه أو كسر إرادته.

You might also like