حضور مهيب للشهيد القائد في ميدان السبعين بصنعاء
تابعت الحشود المليونية في ميدان السبعين اليوم مقطعا مرئيا للشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه مقتطف من محاضرة “الإرهاب والسلام” تمثل رؤية لصناعة الوعي ووحدة الموقف ومواجهة التحديات، تمثل الرؤية مشروعاً فكرياً وتربوياً يسعى إلى إعادة تشكيل وعي الأمة الإسلامية تجاه التحديات التي تواجهها، انطلاقاً من القرآن الكريم باعتباره المرجعية العليا في فهم الواقع وتحديد طبيعة الصراع وبناء الموقف، ويكشف الشهيد القائد عن جملة من الأبعاد الفكرية والدلالات التعبوية التي ترتبط بمسألة الوعي، ووحدة الكلمة، ورفض حالة الجمود، والعودة إلى القرآن باعتباره منبع الهداية ومصدر القوة والبصيرة.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الشعار كأداة لبناء الهوية والوعي
يركز الشهيد القائد في حديثه على مسألة “ترديد شعار الصرخة باعتباره أقل الواجبات التي ينبغي القيام بها في مواجهة التحديات، ولا يظهر الشعار هنا كعبارة لفظية مجردة، بل كوسيلة لإحياء الوعي الجمعي، وتثبيت الهوية الإيمانية، وإيجاد حالة من الحضور النفسي والثقافي في مواجهة ما يراه مشروعاً يستهدف الأمة، وتكشف هذه الرؤية عن إدراك عميق لأهمية “الرمزية التعبوية” في صناعة المواقف، إذ تتحول الشعارات في التجارب الكبرى إلى أدوات لحشد الوعي وتعزيز الانتماء وربط الجماهير بقضاياها المركزية، ومن هذا المنطلق، فإن الشهيد القائد يربط بين ترديد الشعار وبين صناعة حالة من اليقظة الفكرية المستمرة، بحيث لا تتحول الأمة إلى حالة من التبلد أو الاعتياد تجاه الأخطار المحدقة بها.
صناعة الوعي القرآني تجاه الأحداث
يؤكد النص على ضرورة أن يتحرك الخطباء والعلماء والإعلاميون للحديث الدائم عن القضايا المصيرية “حتى نخلق وعياً لدى المسلمين”، وهنا تتجلى إحدى أهم ركائز المشروع القرآني لدى الشهيد القائد، وهي أن المعركة الحقيقية تبدأ من معركة الوعي، فالإنسان قد يُهزم قبل أن يُهزم عسكرياً إذا فقد البصيرة الصحيحة تجاه الأحداث، أو إذا تم تضليل وعيه بحقائق الصراع،
ولهذا يدعو الشهيد القائد إلى استحضار الرؤية القرآنية في قراءة الواقع، وربط الأمة بالآيات التي تتناول سنن الصراع ومواقف الأمم المعادية للرسالات الإلهية، ويحمل هذا الطرح دلالة مهمة تتمثل في أن القرآن الكريم ليس كتاباً للعبادات الفردية فحسب، بل مشروعاً متكاملاً لبناء الوعي السياسي والثقافي والاجتماعي للأمة.
رفض الصمت والجمود في القضايا المصيرية
من أبرز ما يلفت الانتباه في النص هو حديث الشهيد القائد عن خطورة “الصمت والسكوت والجمود” في المراحل الحساسة التي تمر بها الأمة، فهو يفرق بين الصمت التكتيكي المحدود في بعض الحالات الاستثنائية، وبين التحول إلى حالة عامة من العجز والاستسلام، ويعتبر أن السكوت في القضايا الكبرى لا يقود إلا إلى
خسارة الدين، والتفريط بالكرامة، وضياع العزة، وتكريس الإهانة للأمة، وهذه الرؤية تعكس فلسفة قائمة على أن الأمم لا يمكن أن تحافظ على وجودها وكرامتها إذا استسلمت للخوف أو اللامبالاة، وأن التحرك الواعي والمسؤول يمثل ضرورة وجودية وليس مجرد خيار ثانوي، كما أن النص يقدم “الحركة” باعتبارها نقيضاً لحالة الجمود، ويقرنها بالجهاد والوحدة والأخوة، بما يعكس رؤية تعتبر الفعل الجماعي الواعي أساساً للخروج من حالة الضعف.
وحدة الكلمة والرؤية باعتبارها شرطاً للنهوض
يمنح الشهيد القائد مساحة كبيرة للحديث عن ضرورة توحيد الكلمة والقرار والرؤية للأحداث، باعتبار أن الانقسام الداخلي يمثل أحد أخطر عوامل الضعف في الأمة، ويبرز هنا بُعد مهم في الفكر القرآني الذي يطرحه، وهو أن الخلاف في تشخيص التحديات أو في الموقف منها يؤدي إلى تشتيت الأمة وإضعاف قدرتها على المواجهة، ولهذا يدعو إلى بناء موقف موحد قائم على الوعي المشترك والبصيرة الجماعية، وتحمل هذه الدعوة دلالة استراتيجية؛ إذ إن أي مشروع نهوض لا يمكن أن ينجح في ظل الانقسامات والتناقضات الداخلية، خصوصاً عندما تتحول بعض الأصوات إلى أدوات لتثبيط الأمة ودعوتها إلى الاستسلام أو الصمت.
القرآن الكريم كمنهج للمواجهة وصناعة السلام
على الرغم من أن الملزمة تحمل عنوان “الإرهاب والسلام”، فإن الشهيد القائد يطرح مفهوماً للسلام يرتبط بالكرامة والوعي والقوة، وليس بالخضوع أو الاستسلام، فهو يدعو إلى “البحث عن سبل السلام من خلال القرآن الكريم”، بما يعني أن السلام الحقيقي لا يتحقق عبر التنازل عن الثوابت أو القبول بالهيمنة، وإنما عبر امتلاك الأمة لعناصر القوة والبصيرة والوحدة، ويشير الشهيد القائد إلى أن القرآن الكريم يقدم فهماً لطبيعة التحديات، ومنهجية للتعامل مع الأعداء، ووسائل للحكمة في المواجهة، وأسساً لتحويل كيد الخصوم إلى حالة من الضعف والعجز، وفي هذا السياق يستشهد الشهيد القائد بالآية الكريمة: {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}، وهي دلالة على أن الثقة بالله والاعتماد على المنهج القرآني يمثلان أساس الثبات والانتصار.
البعد التربوي والإيماني في الخطاب
لا تقف الرؤية عند حدود التحليل السياسي أو التعبوي، بل يتجاوز ذلك إلى البعد التربوي والإيماني، فالشهيد القائد يربط بين العمل الميداني وبين الدعاء، وتزكية النفوس، والصبر، والثبات، والاعتماد على الله، ويختتم حديثه بالدعاء القرآني: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}، وهذا يكشف عن طبيعة المشروع الذي يقدمه باعتباره مشروعاً إيمانياً متكاملاً، يجمع بين الوعي والتحرك، وبين التربية الروحية والموقف العملي.
ختاما ..
تكشف رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي عن مشروع فكري يقوم على إعادة بناء الأمة من الداخل عبر صناعة الوعي القرآني، وتوحيد الكلمة، وكسر حالة الجمود، وربط المسلمين بقضاياهم المصيرية، ويظهر من خلال النص أن القضية الجوهرية في هذه الرؤية ليست مجرد المواجهة العسكرية أو السياسية، بل معركة الوعي والبصيرة، باعتبار أن الأمة التي تمتلك وعياً حقيقياً بواقعها وتتحرك وفق منهج قرآني موحد ستكون أكثر قدرة على الصمود والثبات ومواجهة التحديات، كما تؤكد الرؤية أن السلام الحقيقي لا يُبنى على الاستسلام، وإنما على الوعي والكرامة ووحدة الموقف، وأن القرآن الكريم يمثل المرجعية القادرة على صناعة الإنسان الحر الواعي القادر على مواجهة التحديات بثبات وحكمة وإيمان.