القرآن الكريم وبناء الوعي في مواجهة المشروع الصهيوني
يشكّل الدرس الأول الذي قدّمه السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله ضمن سلسلة “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم” رؤية فكرية وسياسية وثقافية عميقة تجاه طبيعة الصراع مع العدو الصهيوني، ويطرح مقاربة قرآنية تعتبر أن جوهر الأزمة التي تعيشها الأمة الإسلامية اليوم يعود بالدرجة الأولى إلى غياب الوعي الصحيح، والابتعاد عن المنهج الإلهي في تشخيص العدو وفهم طبيعة المواجهة، فالدرس لا يقف عند حدود التوصيف السياسي التقليدي، بل يتجاوز ذلك إلى بناء رؤية متكاملة تؤكد أن القرآن الكريم هو المصدر الأوثق والأهدى لفهم طبيعة المشروع الصهيوني، والكشف عن أساليبه وأهدافه وخطورته على الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
استحالة التعايش مع المشروع الصهيوني
من أبرز المضامين التي ركّز عليها السيد القائد التأكيد على أن الأمة لا يمكن أن تصل إلى نتيجة حقيقية في التعايش أو التفاهم مع اليهود الصهاينة، لأن طبيعة كيانهم بحسب الرؤية القرآنية قائمة على الفساد والاستكبار والهيمنة والإفساد في الأرض، وهذه الرؤية تحمل دلالة عميقة تتمثل في رفض الأوهام السياسية التي روّجت لفكرة “السلام الدائم” مع العدو، أو إمكانية تحويله إلى شريك طبيعي في المنطقة، فالوقائع التاريخية منذ احتلال فلسطين وحتى اليوم تؤكد أن المشروع الصهيوني لم يكن يوماً مشروع تعايش، وإنما مشروع توسع وهيمنة وعدوان، ويعيد هذا الطرح توجيه بوصلة الوعي لدى الأمة، بحيث لا تنخدع بالشعارات السياسية أو الاتفاقيات الشكلية التي أثبتت التجارب أنها لم توقف جرائم الاحتلال ولا سياسات الاستيطان والعدوان.
القرآن الكريم كمصدر للرؤية الصحيحة
يركّز السيد القائد على أن القرآن الكريم هو المرجعية الأساسية التي تقدّم الفهم الدقيق لطبيعة العدو، بعيداً عن التضليل الإعلامي أو التأثيرات السياسية الغربية، وهنا تتجلى دلالة مركزية في الدرس، وهي أن الأزمة الحقيقية ليست فقط أزمة إمكانات عسكرية أو اقتصادية، بل أزمة وعي ومعرفة وتشخيص صحيح، فالقرآن لا يقدّم معلومات عابرة عن اليهود أو قوى الاستكبار، بل يكشف السنن والأساليب والطبائع والمخططات التي تتكرر عبر التاريخ، وهو ما يجعل الأمة أكثر قدرة على فهم الواقع واتخاذ المواقف الصحيحة، ومن هذا المنطلق، يتحول القرآن من مجرد كتاب يُتلى في المناسبات إلى مشروع هداية وبناء حضاري وسياسي وثقافي، يوجّه الأمة في كيفية التعامل مع التحديات والأخطار.
نقد حالة الاضطراب في الموقف الإسلامي
يتناول الدرس بوضوح حالة الاضطراب القائمة في أوساط الأمة الإسلامية تجاه العدو الصهيوني، حيث أشار السيد القائد إلى أن كثيراً من الأنظمة والنخب لا تمتلك رؤية صحيحة، بل تعيش حالة من التخبط والتعامل غير الواقعي مع طبيعة العدو، وتبرز هنا دلالات مهمة، أهمها أن غياب الرؤية القرآنية أدى إلى انقسام المواقف داخل الأمة بين من يرى العدو خطراً وجودياً، ومن يتعامل معه كشريك أو حليف محتمل، كما يشير هذا النقد إلى خطورة الارتهان للرؤية الغربية في فهم القضايا المصيرية، حيث أصبحت بعض الأنظمة تتبنى مفاهيم ومصطلحات تبرّر التطبيع والتنازل، متجاهلة الحقائق التاريخية والجرائم المستمرة بحق الشعب الفلسطيني، ويعكس هذا الطرح دعوة لإعادة بناء الوعي السياسي للأمة على أساس قرآني مستقل، لا على أساس الإملاءات الخارجية أو الحسابات الضيقة.
خطورة إهمال دراسة العدو
من النقاط الجوهرية التي ركّز عليها السيد القائد أن كثيراً من أوساط الأمة لم تتجه لدراسة خطر العدو الصهيوني بالاهتمام والعناية التي يستحقها، وهذه الإشارة تحمل بعداً استراتيجياً مهماً، إذ تؤكد أن مواجهة أي مشروع عدائي لا يمكن أن تتم بفاعلية دون فهم عميق لأهدافه وأدواته وأساليبه، فالعدو وفق هذا المنظور لا يعمل فقط بالقوة العسكرية، بل يستخدم الإعلام والثقافة والسياسة والاقتصاد والحرب الناعمة لإضعاف الأمة وتفكيك هويتها، ومن هنا تأتي الحاجة إلى بناء وعي علمي وثقافي وإعلامي قادر على كشف المخاطر ومواجهة التضليل، وعدم الاكتفاء بردود الفعل المؤقتة أو الموسمية.
هدر الطاقات في خيارات خاطئة
يشير السيد القائد إلى أن الأمة تهدر الوقت والجهود والإمكانات في خيارات خاطئة، وهو تشخيص يعكس حجم الخلل في ترتيب الأولويات داخل الواقع الإسلامي. فبدلاً من توجيه الطاقات نحو مواجهة الأخطار الحقيقية، انشغلت بعض الأنظمة بالصراعات الداخلية، والتحالفات العبثية، والتبعية السياسية والاقتصادية للقوى الكبرى، وتكمن الدلالة هنا في أن أي نهضة حقيقية للأمة لا يمكن أن تتحقق دون تصحيح بوصلة العداء، وإعادة توجيه الإمكانات نحو القضايا المركزية التي تمس حاضر الأمة ومستقبلها.
الحاجة إلى “الطريقة الأهدى والأقوم”
يختتم السيد القائد هذا المحور بالتأكيد على أن الأمة اليوم في أمسّ الحاجة إلى “الطريقة الأهدى والأقوم” في مواجهة أعدائها، وهي الطريقة التي يقدمها القرآن الكريم، وهذه العبارة تختصر جوهر المشروع الفكري الذي يطرحه السيد القائد، والقائم على أن القرآن ليس مجرد مصدر روحي، بل منهج شامل للحياة والمواجهة وبناء الوعي والحضارة، كما تحمل هذه الرؤية دعوة صريحة للعودة إلى القرآن باعتباره المرجعية العليا في التربية والثقافة والسياسة والاجتماع، وبما يمكّن الأمة من استعادة استقلالها الفكري وموقفها الحق تجاه القضايا المصيرية.
ختاما ..
يكشف درس السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي عن رؤية تعتبر أن معركة الأمة مع المشروع الصهيوني ليست معركة حدود وجغرافيا فقط، بل معركة وعي وهوية وموقف،
فالقرآن الكريم هو الأساس الذي يمكن للأمة أن تبني عليه موقفها الصحيح، وأن تتحرر من التضليل والارتهان، وأن تدرك طبيعة الصراع وأبعاده الحقيقية، كما يسلط الدرس الضوء على خطورة الاستسلام للأوهام السياسية، أو الانخداع بشعارات السلام والتطبيع، مؤكداً أن الوعي القرآني هو الطريق الأقوم لبناء موقف ثابت وفاعل يحفظ للأمة كرامتها واستقلالها وهويتها الإيمانية.