رسالة الإمام زيد بن علي إلى علماء الأمة.. صرخة تاريخية من قلب التاريخ ضد سكوت العلماء عن الظلم

تعد “رسالة الإمام الأعظم زيد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) إلى علماء الأمة”، وثيقة تاريخية دينية بالغة الأهمية،؛ كونها تقدم خطاباً واعظياً حاداً موجهاً إلى نخبة علماء الأمة، تحذرهم من عواقب سكوتهم عن الظلم، وتدعوهم إلى أداء دورهم الحقيقي في قيادة المجتمع نحو الحق والعدل، كما تعكس هذه الوثيقة عمق الشعور بالمسؤولية التاريخية والأخلاقية الملقاة على عاتق العلماء كورثة الأنبياء، وتبرز أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كركيزة أساسية لاستقامة المجتمعات، وصدرت الطبعة الرابعة عن دار النشر عام 2018م (1440هـ)، مما يؤكد القيمة المتجددة لهذا النص عبر الزمن.

يمانيون| محسن علي

أولاً.. التوبيخ القاسي لعلماء السكوت وبيع الآخرة بعرض الدنيا

يبدأ الإمام زيد رسالته بنبرة إلهية وواعية، حيث يستهلها بالبسملة والحمد والصلاة على النبي وآله، ثم يوجه خطابه إلى “علماء الأمّة الذين وجبت لله عليهم الحجة”. يتسم الخطاب في هذا المحور بالشدة والوضوح، إذ يحذر الإمام العلماء من الانزلاق خلف إغراءات الدنيا، واصفاً إياها بـ “الحقير من البدل، واليسير من العوض”، ويقول: “لا تبيعوه بالمكسب من الثمن، والحقير من البدل، واليسير من العوض، فإن كل شيء آثرتموه وعملتم له من الدنيا ليس بخلفة مازين الله به العلماء من عباده الحافظين لرعاية ما استرعاهم واستحفظهم من أمره ونبيه.”

يستخدم الإمام أسلوباً بلاغياً قوياً، مشبهاً علماء الدنيا الذين يتنازلون عن مبادئهم بأشباه حية لا تُنسى: “كالأطباء الذين أخذوا ثمن الدواء واعطبوا المرضى، وكرعاة استلحقوا الأجر وضلوا عن المرعى، وكحراس مدينة أسلموها إلى الأعداء، هذا مثل علماء السوء، ويذهب أبعد من ذلك، فيشير إلى أن خيانة العلم والدين أخطر من خيانة الأوطان والجدران. ويستشهد بالقرآن الكريم، مبكّتاً علماء السوء الذين “اشترى بعضهم بآيات الله ثمناً قليلاً”، ومحذراً إياهم من أن “الخسرة والندامة والويل الدائم للجائرين الفاجرين.”

 

ثانياً.. عتاب القرآن لعلماء اليهود والنصارى وتحذير علماء الإسلام

في مسار موازٍ، يستحضر الإمام زيد نموذجين تاريخيين كمثال تحذيري لعلماء عصره. يستشهد بقوله تعالى في سورة المائدة: “إنّا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والرهبان والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء…” [المائدة: 44]، يوضح الإمام أن الله عاب على علماء التوراة والإنجيل تركهم ما استحفظهم الله عليه، ومقارنتهم للظالمين، ورضاهم بأعمال المفسدين. فلم يؤثروا الله بالخشية، فسخط الله عليهم إذ اشتروا بآياته ثمناً قليلاً ومتاعاً من الدنيا زائلاً.

ويقول الإمام في هذا السياق: “لعَمْرِي لو لم يكن نال علماء الأزمنة من ظلمتها وأكابرها ومفسديها شدة وغلظة وعداوة، ما وصّاهم الله تعالى وحذرهم.” فهو يرى أن سكوت العلماء ليس ضعفاً بل هو تواطؤ، وأن الله علم بأن “ركوب معصيته، وترك طاعته والمداهنة للظلمة في أمره ونبيه، إنما يلحق بالعلماء للرّهْبة والرغبة من عند غير الله، كما يستشهد بقوله تعالى في سورة التوبة: “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولا تكونوا كالأحبار والرهبان الذين أكلوا أموال الناس بالباطل وصدوا عن سبيل الله” [التوبة: 34]، محذراً العلماء من أن يسلكوا نفس المسلك.

 

ثالثاً.. فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

في هذا المحور الجوهري، يضع الإمام زيد بن علي مسؤولية كبرى على كاهل العلماء، موضحاً أن “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” ليس مجرد فضيلة ثانوية، بل هو “فريضة الله” التي إذا أقيمت استقامت لها الفرائض بأسرها. يؤكد الإمام أن هذه الفريضة تشمل: الدعاء إلى الإسلام، والإخراج من الظلمة، ورد الظالم، وقسمة الفيء والغنائم على منازله، وأخذ الصدقات ووضعها في مواضعها، وإقامة الحدود، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهد، والإحسان، واجتناب المحارم، ويستشهد بقوله تعالى في سورة التوبة: “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم” [التوبة: 71]، ثم يقابلهم بالمنافقين في قوله تعالى: “والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف” [التوبة: 67]، ويقول: “فلعَمْرِي لقد استفتح الآية في ذمهم بأمرهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف.”

 

رابعاً.. مكانة العلماء ومسؤوليتهم تجاه المجتمع

يصور الإمام زيد المكانة الرفيعة التي يتمتع بها العلماء في المجتمع، قائلاً: “وانتم أيها العلماء عصابة مشهورة، وبالورع مذكورة، وإلى عبادة الله منسوبة، وبدراسة القرآن معروفة، ولكم في أعين الناس مهابة، وفي المدائن والأسواق مكرمة، يهابكم الشريف، ويكرمكم الضعيف، ويرهبكم من لا فضل لكم عليه؛ يبدأ بكم عند الدعوة والتحفة ويشار إليكم في المجالس، وتشفعون في الحاجات إذا امتنعت على الطالبين، وآثاركم متبعة وطرفكم تسلل.”

ولكن يحمّلهم المسؤولية الثقيلة المرتبطة بهذه المكانة: “كل ذلك لما يرجوه عندكم من هو دونكم من النجاة في عرفان حق الله تعالى، فلا تكونوا عند إيثار حق الله تعالى غافلين، ولا لأمره مضيّعين.” ويوضح أن “الأحكام من قبلكم تُلْتَمَس، والسّنن من جهتكم تروى، فيقول المتبعون لكم: أنتم حججنا بيننا وبين ربنا”، محذراً إياهم من الخذلان وبيع الأمانة.

 

خامساً.. الدعوة إلى الجهاد والقيام بالحق ورفض الاستبداد

يتوج الإمام زيد رسالته بدعوة صريحة وواضحة إلى العمل والجهاد، معلناً موقفه بحزم: “وقد كتبت إليكم كتاباً بالذي أريد من القيام به فيكم؛ وهو: العمل بكتاب الله، وإحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.”

ويؤكد أنه ليس طامعاً في “سلطان في الدنيا” ولا يطلب “أثرة على مؤمن ولا مؤمنة ولا حر ولا عبد”، بل غايته الحق والعدل. ويقول بوضوح عن استعداده للتضحية: “ولو كنت أوقد ناراً فأقذف بنفسي فيها، لا يقربني ذلك من سخط الله زهداً في هذه الحياة الدنيا، ورغبة مني في نجاتكم، وخلاصكم.”

ويحدد الهدف السياسي لجهاده بوضوح: “نزع الجائرين عن الجنود والخزائن، والمدائن، والفيء، والغنائم؛ ونُثبت الأمين المؤتمن، غير الرائي والمرتشي الناقض للعهد؛ فإن تَظهّر فهذا عهدنا، وإن نستشهد فقد نصحنا لربنا، وأدينا الحق إليه من أنفسنا.”

 

سادساً.. بيان منزلة أهل البيت والدعوة إلى نصرة الحق

في ختام رسالته، يبرز الإمام زيد منزلة أهل البيت، قائلاً: “نحن أول الناس بكم، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جَدّنا، والسابق إليه المؤمن به أبونا، وبنته سيدة النساء أمّنا، فمن نزل منكم منزلتنا؟” ويؤكد على أنهم “أعلم الأمة بالله، وأوعى الخلق للحكمة؛ وعلينا نزل القرآن، وفينا كان ينزل جبريل عليه السلام، ومن عندنا اقتبس الخير.”

ويختم رسالته بدعاء مؤثر ومساءلة تاريخية: “عباد الله إن الأحبار والرهبان من كل أمة مسؤولون عما استحفظوا عليه فأعدوا جواباً له عز وجل على سؤاله.”

 

الخلاصة التحليلية

تعتبر “رسالة الإمام زيد إلى علماء الأمة” وثيقة سياسية دينية بالغة الأهمية، فهي ليست مجرد وعظ روحي، بل هي بيان سياسِي يدعو إلى تصحيح مسار الأمة، وفضح التواطؤ مع الظلم، وإعادة العلماء إلى دورهم الحقيقي في قيادة المجتمع، كما تعكس الرسالة فلسفة الإمام زيد في الحكم والقيادة، التي تقوم على رفض الطغيان، والتزام الكتاب والسنة، ووجوب تضامن العلماء مع الحق ضد الباطل، مهما كانت التضحيات.

للمزيد.. يرجى الضغط على الرابط أدناه لتحميل الكتاب.

رسالة الإمام زيد إلى علماء الأمة

You might also like