سقوط وهم التفوق .. من صمود إيران إلى ضربات حزب الله

في مشهد إقليمي بالغ الحساسية والتعقيد، تكشّفت تحولات استراتيجية عميقة أعادت رسم معادلات الصراع، بعدما اصطدمت رهانات العدو الصهيوأمريكي وادواته بواقع مغاير تماماً لتوقعاته،  فبدلاً من انهيار داخلي سريع في إيران نتيجة استهداف القيادات العليا، برز صمود استثنائي ترافق مع مفاجآت ميدانية على جبهات أخرى، كان أبرزها أداء حزب الله في جنوب لبنان، ما شكّل صدمة مركبة للعدو على المستويين الاستراتيجي والميداني.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

رهان الاغتيال .. وسقوط فرضية الانهيار

اعتمدت استراتيجية العدو على فرضية أن استهداف رأس الهرم القيادي في إيران سيؤدي إلى تفكك داخلي سريع، يُفضي إلى إضعاف النظام أو إسقاطه، غير أن هذه القراءة الحمقاء أغفلت طبيعة البنية الإيرانية القائمة على تماسك مؤسسي وعقائدي متجذر، فبدلاً من الانهيار، تحوّل التهديد إلى عامل تعبئة داخلية، عزّز من وحدة الصف ورفع من مستوى الجاهزية في مختلف المؤسسات.

تماسك داخلي وقدرة على امتصاص الصدمة

أظهرت الجمعورية الإسلامية في إيران قدرة عالية على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى قوة دفع، حيث تجلت سرعة اتخاذ القرار، وانسيابية الأداء المؤسسي، وتوحيد الخطاب السياسي والإعلامي،  هذا التماسك لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تراكم طويل من البناء التنظيمي، ما جعل النظام أقل عرضة للاهتزاز أمام الضغوط المفاجئة.

من الدفاع إلى فرض معادلات الردع

في قلب هذا المشهد، برز دور الحرس الثوري الإيراني ووحدات القوة الصاروخية والجو فضائية كقوة فاعلة انتقلت من موقع الدفاع إلى المبادرة،  فقد نفذ ضربات نوعية موجعة، لم تكن مجرد رد فعل، بل رسائل استراتيجية متعددة،
ردع مباشر تم التأكيد فيها أن استهداف القيادات سيقابله رد مكلف، وكذلك إظهار القدرة من خلال  إبراز تطور الإمكانات العسكرية ودقة التنفيذ.

كسر الهيمنة ..  تقويض صورة التفوق المطلق للعدو.

بدلاً من تحقيق أهدافه، وجد العدو نفسه أمام واقع مغاير، حيث انتقلت زمام المبادرة إلى الردع الإيراني ، وبرزت حالة من الإرباك داخل دوائر صنع القرار،  هذه الصدمة لم تكن عسكرية فحسب، بل نفسية واستراتيجية، إذ كشفت حدود القدرة على التنبؤ بسلوك خصم يمتلك مرونة عالية.

حزب الله  .. مفاجأة الميدان التي أربكت الزحف نحو الجنوب

في موازاة الصمود الإيراني، برز تطور ميداني لافت تمثّل في الأداء العسكري لـحزب الله، والذي شكّل مفاجأة استراتيجية غير متوقعة مع محاولات التقدم الصهيوني باتجاه جنوب لبنان،
فقد اعتمد الحزب على تكتيكات متقدمة جمعت بين حرب العصابات والقدرات العسكرية الحديثة، ما أدى إلى إبطاء الزحف وإلحاق خسائر مباشرة، من خلال ضربات مركزة ودقيقة استهدفت تحركات وآليات العدو،  ومرونة تكتيكية عالية أربكت قدرة الخصم على التكيّف، وكذلك توظيف ذكي للجغرافيا عزّز من فعالية العمليات القتالية.

صدمة ميدانية ونفسية مزدوجة

ما واجهه العدو في الجبهة اللبنانية لم يكن تقليدياً، بل نمطاً قتالياً منظماً ومتطوراً، انعكس في تعطيل خطط التقدم السريع،  ورفع كلفة المواجهة بشكل كبير، وإرباك القيادة العسكرية في ظل تعدد الجبهات.

تكامل الجبهات ..  من التشتت إلى وحدة التأثير

الأبرز في هذه المرحلة هو بروز حالة تكامل غير معلنة بين جبهات المواجهة، حيث ساهمت عمليات حزب الله في تخفيف الضغط عن جبهات أخرى، فيما عزز الصمود الإيراني من زخم هذا التكامل،  وبهذا، لم يعد الصراع محصوراً في ساحة واحدة، بل تحول إلى شبكة مترابطة من التأثيرات المتبادلة، وهذه المعركة فرضت نتائج ميدانية كبيرة جدا لها دلالات استراتيجية هامة منها  فشل نظرية الضربة القاصمة القائمة على استهداف القيادات،  سقوط رهان عزل الجبهات أمام واقع التكامل الميداني،  وتعاظم دور القوى غير التقليدية في رسم موازين القوة، وكذلك
إعادة تعريف الردع كمعادلة متعددة الساحات.

ختاما ..

إن ما جرى لا يمكن اعتباره مجرد جولة من جولات الصراع، بل لحظة مفصلية أعادت صياغة معادلات القوة في المنطقة،  فبينما سقط رهان إسقاط الداخل الإيراني، تعثّر رهان الحسم السريع في جنوب لبنان، لتتشكل معادلة جديدة عنوانها تعدد مراكز القوة، وتكامل ميادين الردع، وانكسار وهم الهيمنة المطلقة.

You might also like