المسجد الأقصى بين حصار الفرنجة وغدر الصهاينة.. قراءة في دلالات الإغلاق الأطول منذ ثمانية قرون
يمانيون |
لم تكن المآذن في المسجد الأقصى المبارك يوماً مجرد منارات لرفع الأذان، بل كانت نبضاً يطمئن الأمة على هوية القدس وبوصلتها.اليوم، يمر المسجد الأقصى بلحظة تاريخية فارقة، لحظة تعيد الذاكرة إلى عصور الظلام حين سقطت القدس في يد الفرنجة قبل ثمانية قرون، حيث توقفت الصلاة ومُنع المسلمون من دخول قبلتهم الأولى.
إننا اليوم نشهد “الأيام الثلاثين” الأطول والأخطر في التاريخ الحديث؛ ثلاثون يوماً والمسجد مغلق تمام الإغلاق، ممنوع تمام المنع، في مشهد يتجاوز التضييق الأمني التقليدي ليدخل في سياق “الحرب الوجودية” وفرض الوقائع الجيوسياسية التي لم يجرؤ الاحتلال على فرضها منذ عام 1967.
هذا التقرير يحلل أبعاد هذا الإغلاق، ودلالاته الزمانية والمكانية، ومخاطره التي تتدحرج ككرة الثلج وسط صمت عربي وإسلامي مريب.
دلالة التوقيت.. كسر القدسية في الشهر الفضيل
لقد تعمد العدو الصهيوني أن يكون هذا الإغلاق متزامناً مع أقدس الأوقات لدى المسلمين، ليضرب العصب الروحي للقدس وسكانها.
لأول مرة في التاريخ المعاصر، تُعطل صلاة التراويح في رمضان، ويُحرم المصلون من الاعتكاف في ليلة القدر، وتُغلق أبواب المسجد في وجه صلاة الجمعة طوال الشهر الفضيل، وصولاً إلى منع صلاة “الجمعة اليتيمة” ومنع صلاة عيد الفطر.
هذا التوقيت ليس عبثياً؛ ففي الوعي الصهيوني، يمثل رمضان ذروة التلاحم الشعبي الفلسطيني في الأقصى، وبإغلاقه تماماً، يسعى الاحتلال إلى تحويل المسجد من “مركز روحي وجامع” إلى “مساحة جغرافية معزولة”.
إن مآذن مسرى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم التي ظلت صامتة لثلاثين نهاراً وليلة، بلا صلاة تُقام ولا أذان يُرفع، تعلن للعالم أن الاحتلال انتقل من مرحلة “التقسيم الزماني والمكاني” إلى مرحلة “الاستحواذ الشامل”، مستغلاً الصمت الدولي والوهن العربي.
فرية “الطوارئ” وهندسة العزل الجغرافي
ويتذرع الاحتلال بحالة “الطوارئ” والأسباب الأمنية لتبرير هذا الإغلاق، وهي حجة داحضة وكاذبة جملة وتفصيلاً.
فالواقع الميداني يثبت أن إجراءات الطوارئ هذه لا تُطبق على المساجد الأخرى في القدس بنفس الصرامة، ولا تُطبق على تجمعات المستوطنين أو المواقع السياحية التهويدية.
إنها “طوارئ انتقائية” تستهدف هوية المسجد الأقصى حصراً.
ترافق مع هذا الإغلاق إجراءات تضييقية وحشية طالت البشر والحجر، ولم تقتصر على المسلمين فحسب، بل امتدت لتطال المقدسات المسيحية، حيث استمر إغلاق كنيسة القيامة أمام المصلين والزوار.
هذه السياسة تعكس رغبة صهيونية في عزل المدينة المقدسة عن محيطها بشكل كامل. فعلى الحواجز العسكرية، يُمارس الاحتلال أبشع صور الفصل العنصري: “أنت من بيت حنينا؟ ارجع لبيت حنينا.. أنت من العيزرية؟ ارجع للعيزرية.. أنت من الطور؟ ارجع للطور”.
هي محاولة لتمزيق النسيج الاجتماعي للمقدسيين، ومنع أي زحف بشري نحو البلدة القديمة، وتحويل الأقصى إلى نقطة مهجورة يسهل الانفراد بها.
الخطر الوجودي.. ما وراء الجدران المغلقة
وراء هذا الإغلاق ما وراءه؛ فالعدو الصهيوني، الذي “لا تؤمن بوائقه ولا تستبعد كوارثه”، يستغل غياب المصلين وحراس المسجد والمرابطين لفرض وقائع داخل الباحات والمصليات المسقوفة.
إن خلو الأقصى من عمارة المصلين يمنح الجماعات المتطرفة والجيش فرصة ذهبية لإجراء تغييرات معمارية، أو حفريات سرية، أو حتى طقوس تلمودية صامتة داخل المصليات، تمهيداً للمخطط الأكبر: “بناء الهيكل المزعوم” على أنقاض قبة الصخرة والمصلى القبلي.
الخطر هنا يتعدى كونه مجرد تعنت وصلف؛ إنه “مكر شيطاني” يهدف إلى اعتياد الأمة على رؤية الأقصى مغلقاً.
فإذا مرّ الشهر الأول دون رد فعل يزلزل الأرض، فإن الاحتلال سيمدد الإغلاق لشهور، وسيحوله إلى قاعدة ثابتة، مما يجعل فكرة هدم المسجد أو تحويل أجزاء منه إلى كنس يهودية أمراً “ممكناً” من الناحية العملية والأمنية.
صمود على العتبات في مواجهة آلة القمع
في ظل هذا الإغلاق، تبرز ملامح البطولة الفردية والجماعية لأهل القدس. تلك المرأة المرابطة التي تقف عند “باب العمود” لتقول بصوت مخنوق بالحق: “جاي أصلي منعوني، دفعتني المجندة ورجعتني، بس رح أضل كابة باب العمود لعل الله يفرزها علينا”.
هذا الصمود العفوي هو الذي يقض مضاجع الاحتلال.
القدس اليوم تعيش حالة من “الزحف الشعبي الصامت”؛ ناس يجتمعون في الحارات، شباب يرابطون على أقرب نقطة من السور، وأنفاس محتقنة تنتظر لحظة الانفجار. إن كلمات المقدسيين: “أرضنا وبلادنا وحالنا ومحتامنا.. الأقصى بناديكو”، هي نداء استغاثة مباشر لأمة المليارين، وتذكير بأن السيادة على هذا المكان لا تُستجدى من الهيئات الدولية، بل تُنتزع بالصدور العارية التي تأبى الركوع إلا لله.
الخذلان العربي والإسلامي.. شراكة في الجريمة
ولا يمكن قراءة خطورة ما يمر به الأقصى دون تسليط الضوء على “الصمت العربي والاسلامي” المطبق.
إن غياب الموقف الرسمي الحقيقي، والاكتفاء ببيانات الإدانة الباهتة ومواقف المناشدة العقيمة، يمنح العدو الصهيوني “ضوءاً أخضر” لتصعيد اعتداءاته.
سياسياً واقتصادياً وتربوياً، يُعتبر خذلان الأقصى المبارك في هذه المرحلة الحرجة “شراكة مؤكدة” في مخططات الهدم والخراب.
إن أمة الستين دولة، بجيوشها وإمكاناتها وثرواتها، تقف اليوم أمام “حجة دامغة”؛ فإما التحرك لاستعادة كرامة القبلة الأولى، وإما القبول بالهزيمة الروحية والتاريخية.
إن هذا الصمت ليس حياداً، بل هو إسهام مباشر في تمكين الاحتلال من بناء هيكله، وهو وصمة عار ستطارد الأجيال القادمة إذا ما سقط الأقصى لا قدر الله.
الخلاصة: جرس الإنذار الذي يزلزل المتصاممين
إن المسجد الأقصى يمر اليوم في أخطر مراحله منذ عقود، وما يحدث ليس “أزمة عابرة” بل هو “زلزال وجودي”.
إن الأيام الثلاثين الماضية دقت جرس الإنذار بصوت يزلزل كل من كان في أذنيه وقر، ويقيم الحجة على كل متغافل أو متخاذل.
إن الأقصى ينادي، والزحف نحوه -شعبياً ورسمياً- هو السبيل الوحيد لكسر هذا القيد.
فالصمت هو الخراب، والخذلان هو الشراكة في الهدم، ومسرى رسول الله لا يحرره إلا من آمن بأن “الأقصى عقيدة وليس مجرد قطعة أرض”.
إنها رسالة واضحة لأمة المليارين: الأقصى في خطر، والوقت ينفد، والتاريخ لا يرحم المتفرجين.