قاسم زبيدة.. آخر حرّاس الروح الصنعانية الذي رحل بصوتٍ لا يشبه إلا اليمن

خيّم الحزن على الأوساط الفنية والثقافية والشعبية في اليمن عقب الإعلان عن وفاة المنشد اليمني الكبير قاسم زبيدة،” رحمه الله” أحد أبرز أعمدة الإنشاد الصنعاني ورواده الذين ارتبطت أصواتهم بالهوية الإيمانية والروحية والتراثية لليمنيين لعقود طويلة، ومع انتشار خبر رحيله، ضجّت منصات التواصل الاجتماعي بعبارات النعي والاستذكار، فيما استعاد محبوه مقاطع من أناشيده وابتهالاته التي ظلت حاضرة في الذاكرة اليمنية، خصوصاً خلال شهر رمضان والمناسبات الدينية والليالي الصنعانية القديمة، وبرحيله، لا يفقد اليمن مجرد منشد تقليدي، بل يخسر واحداً من آخر الأصوات التي حافظت على نقاء المدرسة الصنعانية الأصيلة، في زمن تراجعت فيه الفنون التراثية أمام التحولات الحديثة والإيقاعات السريعة.

يمانيون| محسن علي

من قلب صنعاء القديمة خرج الصوت

في المدينة التي تتنفس التاريخ من نوافذها المزخرفة ومآذنها العتيقة، وُلد قاسم زبيدة في صنعاء، وسط بيئة شعبية مشبعة بالتراث والإنشاد والموشحات الدينية، هناك، بين الأزقة الحجرية القديمة والمجالس الصنعانية العامرة بالأدب والذكر والمدائح، تشكّل وجدانه الفني منذ سنوات طفولته الأولى.

كان اليمن آنذاك يعيش زمن الأصوات الكبيرة التي تحمل روح المكان، وكانت صنعاء القديمة مدرسة فنية قائمة بذاتها، تحفظ المقامات اليمنية والإنشاد التقليدي جيلاً بعد جيل، وفي هذا المناخ، بدأ الطفل قاسم يكتشف صوته الاستثنائي مبكراً، فلفت الأنظار بعذوبة أدائه وصفاء نبرته وقدرته النادرة على أداء المقامات اليمنية المعقدة بإحساس عميق وهيبة روحانية لافتة’ ومنذ سنواته الأولى، لفت الانتباه بعذوبة صوته وقدرته اللافتة على أداء المقامات اليمنية القديمة بإحساس عالٍ ودقة نادرة، الأمر الذي جعله يقترب سريعاً من عالم الإنشاد التقليدي.

 

الإنشاد بالنسبة له هوية كاملة

لم يتعامل قاسم زبيدة مع الإنشاد باعتباره فناً للتسلية أو الشهرة، بل بوصفه رسالة ثقافية وروحية مرتبطة بتاريخ اليمن وهويته الحضارية، ولهذا ظل طوال مسيرته متمسكاً بالمدرسة الصنعانية الأصيلة، رافضاً الانجراف نحو الأساليب التجارية الحديثة التي غيّرت كثيراً من ملامح الفن التقليدي، كما كرّس حياته لإحياء الموشحات والمدائح النبوية والأناشيد التراثية، وأصبح صوته مع مرور السنوات جزءاً من الطقوس الرمضانية والوجدانية لدى اليمنيين، فكان اليمنيون يعرفون صوته فوراً؛ ذلك الصوت الهادئ العميق الذي يحمل في طبقاته شيئاً من روح صنعاء القديمة، وشيئاً من خشوع المساجد القديمة، وشيئاً من الحنين اليمني العتيق.

 

مدرسة خاصة لا تشبه أحداً

تميّز الراحل بأسلوب إنشادي نادر وفريد، يقوم على الصفاء الصوتي والبساطة والقدرة الهائلة على إيصال المعنى دون تكلف، لم يكن يعتمد على الصخب أو المؤثرات الموسيقية الحديثة، بل كان يؤمن أن جمال الإنشاد الحقيقي يكمن في صدق الأداء وروح الكلمة، ولهذا ظل صوته قادراً على اختراق القلوب بسهولة، خصوصاً في الابتهالات والمدائح التي كان يؤديها بإحساس روحاني عالٍ جعل كثيرين يعتبرونه أحد أكثر المنشدين اليمنيين تأثيراً في الوجدان الشعبي، كما امتلك قدرة استثنائية على التحكم بالمقامات الصنعانية القديمة, وأجاد الانتقال بين الطبقات الصوتية بسلاسة جعلت أداءه قريباً من المدرسة اليمنية القديمة التي يصعب تكرارها اليوم.، وهي مهارة لا يجيدها إلا القليل من أبناء المدرسة اليمنية التقليدية، وكان حريصاً على الحفاظ على النطق اليمني الأصيل والإيقاع الصنعاني التراثي، الأمر الذي جعله مرجعاً فنياً مهماً لدى المهتمين بالإنشاد اليمني.

 

صوته كان جزءاً من ذاكرة اليمنيين

على مدى عقود، لم يكن قاسم زبيدة مجرد فنان يؤدي أناشيد دينية، بل تحوّل إلى صوت مرتبط بذكريات اليمنيين أنفسهم، فصوته كان حاضراً في ليالي رمضان، وفي المجالس الروحانية، وفي المناسبات الاجتماعية، وفي أوقات الحنين التي يبحث فيها اليمنيون عن شيء يعيدهم إلى يمنهم القديم، وحين كانت البلاد تمر بالأزمات والحروب، بقيت أناشيده بالنسبة لكثيرين مساحة للسكينة والطمأنينة والارتباط بالهوية الإيمانية الأصيلة ومثّل بالنسبة لجيل كامل صورة الفن اليمني النظيف المرتبط بالقيم والجمال والتراث، بعيداً عن الابتذال والضجيج، خصوصاً في زمن شهد تحولات كبيرة في الذائقة الفنية

 

حارس التراث في زمن الانهيارات

في السنوات الأخيرة، ومع التغيرات الكبيرة التي شهدها اليمن، تراجع حضور كثير من الفنون التراثية، واختفت أصوات عديدة كانت تمثل المدرسة الصنعانية القديمة، لكن قاسم زبيدة ظل ثابتاً في موقعه، مؤمناً بأن الحفاظ على التراث مسؤولية وطنية وثقافية لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، وكان يدرك أن الإنشاد اليمني ليس مجرد لون فني، بل ذاكرة حضارية تختزن تاريخ اليمن الروحي والاجتماعي والثقافي، ولهذا استمر في الحضور والمشاركة وإحياء المناسبات رغم الظروف الصعبة، محافظاً على أصالة الأداء ونقاء الرسالة الفنية، وكان يدرك أن الإنشاد اليمني ليس مجرد فن، بل ذاكرة حضارية وروحية تعبّر عن تاريخ اليمن العريق وعمقه الثقافي الممتد عبر القرون.

 

الرحيل الذي أبكى اليمنيين

حين أُعلن خبر وفاته، بدا المشهد وكأن اليمنيين يودعون جزءاً من ذاكرتهم الجماعية،.امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بصوره ومقاطع أناشيده، وكتب كثير من الفنانين والمثقفين كلمات مؤثرة عن خسارة اليمن لصوت نادر من أصواته التراثية الأصيلة، ورأى كثيرون أن رحيله يمثل خسارة كبيرة للإنشاد الصنعاني، خصوصاً في ظل تناقص عدد الفنانين القادرين على حمل هذا الإرث الفني العريق بنفس المستوى من الإتقان والالتزام، لقد شعر اليمنيون أن صوتاً من أصوات صنعاء القديمة قد انطفأ، وأن جزءاً من روح المدينة غادر معها بصمت موجع.

 

إرث سيبقى أطول من الغياب

قد يغيب الجسد، لكن الأصوات الصادقة لا تموت بسهولة، وقاسم زبيدة لم يكن مجرد منشد عابر، بل واحداً من الرجال الذين حملوا التراث اليمني على أصواتهم، وحافظوا عليه في زمن كان كل شيء يتغير بسرعة، سيظل اسمه حاضراً كلما ارتفعت الابتهالات في ليالي رمضان، وكلما عاد اليمنيون للاستماع إلى الموشحات القديمة التي تحمل عبق صنعاء وروحها، وسيبقي معلقاً في ذاكرة اليمنيين، كأنشودة قديمة ترفض أن تنتهي.

 

ختاما..

برحيل قاسم زبيدة، طوى الإنشاد الصنعاني صفحة من أكثر صفحاته نقاءً وخصوصية، بعدما ظل الرجل لعقود طويلة واحداً من أبرز حراس الهوية الإنشادية اليمنية، وصوتاً ارتبط في ذاكرة اليمنيين بالأصالة والسكينة والوجدان العميقـ الذين رأوا فيه واحداً من آخر حرّاس النغمة اليمنية العتيقة.

You might also like