المبادرة الخليجية.. مؤامرة الوصاية ومشروع تمزيق اليمن الذي أسقطته الإرادة الوطنية

لم تكن المبادرة الخليجية التي وُقّعت في الرياض أواخر عام 2011 حدثًا سياسيًا عابرًا في تاريخ اليمن الحديث، بل مثلت نقطة تحول مفصلية أعادت تشكيل المشهد اليمني برمته، وفتحت الباب أمام مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، اختلطت فيها شعارات التسوية السياسية بمخاوف الوصاية الخارجية، وتداخلت فيها حسابات الداخل مع رهانات الإقليم،  فبينما قُدمت المبادرة في خطابها المعلن باعتبارها مخرجًا سلميًا لتجنيب اليمن الانزلاق نحو الفوضى، فإن مسارها العملي ونتائجها اللاحقة أثارا تساؤلات عميقة حول ما إذا كانت هذه الوثيقة قد جاءت فعلًا لإنقاذ الدولة، أم أنها دشّنت مسارًا لإعادة هندسة اليمن سياسيًا وجغرافيًا بما يبقيه في دائرة النفوذ الإقليمي، ويحول دون تحوله إلى دولة مستقلة القرار وقوية السيادة.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

من التسوية إلى الوصاية ..  كيف أُعيد تشكيل القرار اليمني؟

جاءت المبادرة الخليجية في لحظة كان اليمن يعيش فيها واحدة من أخطر أزماته السياسية والأمنية، بعد احتجاجات 2011 والانقسام الحاد داخل مؤسسات الدولة والجيش والقوى السياسية،  وفي هذا السياق، تدخلت دول خليجية، وفي مقدمتها السعودية، لطرح صيغة انتقال سياسي تقوم على نقل السلطة وتشكيل حكومة وفاق وبدء حوار وطني شامل،  غير أن جوهر الجدل لم يكن في النصوص المعلنة بقدر ما كان في مركز صناعة القرار،  فالتوقيع الذي جرى في الرياض، والإشراف الإقليمي المباشر على المرحلة الانتقالية، عززا لدى كثير من القوى الوطنية الشعور بأن القرار اليمني لم يعد يُصنع داخل صنعاء، بل بات مرهونًا بمراكز النفوذ الخارجية،  ومن هنا برزت قراءة سياسية ترى أن المبادرة لم تكن مجرد وساطة، بل إطارًا لإدارة اليمن من الخارج، بما يكرّس حالة من الوصاية غير المعلنة على مساره السياسي.

الأهداف الخفية .. تقسيم اليمن المشروع غير المعلن

أحد أكثر الملفات خطورة  في مرحلة ما بعد المبادرة تمثل في الدفع نحو مخرجات الحوار الوطني، خصوصًا ما يتعلق بالفيدرالية وتقسيم البلاد إلى أقاليم،  وهذا الطرح قُدم رسميًا باعتباره صيغة حديثة لإدارة الدولة وتوزيع السلطة والثروة، إلا أن كثيرًا من التحليلات السياسية رأت فيه محاولة لإعادة رسم الخريطة اليمنية على أسس جغرافية وسياسية قابلة للتفكيك،  وقد استندت هذه الاستنتاجات إلى عدة مؤشرات، أبرزها  إضعاف المركز السياسي للدولة،  وتكريس الهويات المناطقية،  وفتح المجال أمام المشاريع الانفصالية التي تكرس نفوذ  ومصالح السعودية والإمارات على وجه التحديد ، وتوزيع النفوذ بما يخدم مصالحها ، وبحسب هذه النتيجة،  فإن الهدف لم يكن معالجة الأزمة بقدر ما كان إنتاج يمن مجزأ وضعيف، يسهل التأثير على قراره الوطني وتوجيه مساراته الاستراتيجية.

السعودية والرهان على يمنٍ تحت الوصاية

في قلب هذا الجدل، يبرز الدور السعودي بوصفه أحد أكثر المحاور حضورًا في النقاش السياسي اليمني، حيث سعت الرياض عبر هذا المسار، إلى الإبقاء على اليمن ضمن نطاقها الاستراتيجي، بحيث لا يتحول إلى دولة مستقلة في قرارها السياسي والعسكري والاقتصادي، حيث كان الهدف يقوم على ثلاثة مستويات :
الأول التحكم بالقرار السياسي ،  من خلال رعاية الانتقال السياسي والإشراف على تفاصيله،  والثاني منع تشكل قوة وطنية مستقلة، عبر إدارة التوازنات الداخلية بطريقة تمنع بروز مشروع سيادي جامع،  والثالث إبقاء ورقة التقسيم قائمة
بما يجعل وحدة اليمن أداة ضغط سياسية يمكن تحريكها عند الحاجة، وهذا الدور السعودي الحقيقي من المبادرة والذي كان أبعد من الهدف المعلن ان لها دور يمنع الانهيار الشامل وحماية أمن المنطقة.

المسيرة القرآنية المباركة وإفشال مشروع التفكيك

في مقابل هذا المسار، تقدمت المسيرة القرآنية بقيادة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله للتصدي لمشاريع الوصاية والتقسيم، من خلال التحرك الواعي الذي جاء رفضًا لفرض القرار اليمني من الخارج، ورفضًا لمشاريع إعادة هندسة الدولة بما يخدم مصالح إقليمية ودولية، وتقديم  مشروع تحرر وطني،  يدافع عن وحدة اليمن واستقلاله،  ومواجهة للوصاية الخارجية، وإفشال مخططات التقسيم،  وما جرى بعد 2014 شكّل نقطة فاصلة في كسر المسار الذي أُريد لليمن أن يسلكه منذ توقيع المبادرة.

اليمن اليوم ..  معركة السيادة لم تنتهِ

بعد سنوات من تلك المحطة، لا تزال آثار المؤامرة الخليجية حاضرة في المشهد اليمني، سواء في شكل الانقسام السياسي، أو في الجدل المستمر حول وحدة الدولة وسيادتها، خصوصا في المناطق والمحافظات التي لا تزال تحت الاحتلال السعودي.

 

الرسالة الحاسمة من السيد القائد إلى الرياض ..  نفاد الصبر اليمني واستحقاق الحقوق والسيادة

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها الملف اليمني، برز تحذير السيد القائد  في خطابه الأخير في رسالة وُصفت بأنها من أكثر الرسائل وضوحًا وحسمًا تجاه الرياض، مفادها أن صبر اليمن لم يعد مفتوحًا إلى ما لا نهاية، وأن مرحلة الانتظار والترقب لا يمكن أن تستمر في ظل استمرار الحصار، وتعطيل الوصول إلى تسوية شاملة،  وحصول الشعب اليمني على حقوقه المنهوبة، مؤكدا  أن رفع الحصار واستعادة القرار الوطني والسيطرة على الثروات لم تعد قضايا قابلة للتأجيل، بل تحولت إلى عنوان للمرحلة المقبلة  واستمرار الوضع الراهن سيقود إلى مرحلة أكثر إيلاما وأشد كلفة على السعودية  وأن الشعب اليمني لن يقبل باستمرار حرمانه من حقوقه وثرواته وأرضه.

You might also like