مقايضة الحماية بالمال.. قراءة في استراتيجية واشنطن لتدفيع الخليج كلفة العدوان على إيران
يمانيون |
لطالما كان التاريخ الاستعماري مبنيًا على نهب الثروات، لكن الإدارة الأمريكية الحالية، بقيادة ترامب، ارتقت بهذا النموذج إلى مستويات غير مسبوقة من “الفجاجة” السياسية.نحن اليوم أمام مشهد لا يكتفي فيه المستعمر باستعباد إرادة الأنظمة الوظيفية، بل يطالبها بدفع ثمن الرصاص الذي يقتل أشقاءهم في الدين والجغرافيا.
إن استراتيجية “مقايضة الحماية بالمال” ليست مجرد سياسة اقتصادية، بل هي إعلان عن انتهاء مفهوم السيادة لدى أنظمة الخليج، وتحولها إلى مجرد أدوات لوجستية ومالية في مشروع “الصهيونية العالمية” الذي يستهدف قلب المقاومة النابض في طهران.
هذا التقرير يسلط الضوء على تفاصيل “فاتورة العدوان” وكيف تحول حكام الخليج إلى محرضين وممولين لحربٍ تستهدف تدمير مقدرات الأمة لصالح الكيان الصهيوني.
عقلية “التاجر” وجباية تكاليف العدوان
في سابقة تؤكد مدى الإهانة والارتهان، بدأ البيت الأبيض بالترويج علنًا لفكرة دفع دول الخليج تكاليف العدوان على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
هذا العدوان، الذي أشعله ترامب بإيعاز مباشر من “قاتل الأطفال” بنيامين نتنياهو، لم يعد مجرد عمل عسكري، بل تحول إلى “بيزنس” سياسي.
صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض بوضوح أن ترامب مهتم للغاية بدعوة الدول العربية، وتحديدًا الخليجية، للمساهمة في تغطية الكلفة المالية الباهظة للعمليات العسكرية.
هذه العقلية تعيدنا إلى حقبة حرب الخليج، حين تكفلت السعودية والكويت والإمارات بدفع الغالبية العظمى من التكاليف.
لكن الفرق اليوم هو أن العدوان يستهدف دولة تمثل ركيزة الاستقرار والاستقلال في المنطقة.
واشنطن تدرك أن ميزانيتها المنهكة لا تتحمل حروبًا عبثية جديدة، لذا فهي تبتز هذه الأنظمة التي تعتقد واهمة أن “المظلة الأمريكية” ستحمي عروشها المتهاوية من غضب الشعوب.
التحريض السري والضغط الخليجي لتوسيع رقعة الحرب
وخلف الأبواب المغلقة، تمارس الرياض وأبو ظبي دورًا أكثر خطورة من مجرد التمويل.
كشفت تقارير “أسوشييتد برس” وصحف “واشنطن بوست” و”الغارديان” عن ضغوط هائلة يمارسها حلفاء واشنطن الخليجيون لمواصلة العدوان.
الإمارات، بحسب التقارير، لم تعد تكتفي بالضربات الجوية، بل تدفع باتجاه “غزو بري” شامل، في محاولة يائسة لتحقيق انتصار وهمي على محور المقاومة.
أما في الرياض، فيبدو أن القيادة هناك ترى في “إنهاء العدوان الآن” خطرًا عليها، زاعمة أن التوقف لن ينتج “اتفاقًا جيدًا”.
هذا التحريض يعكس رعب هذه الأنظمة من تنامي قوة إيران وحلفائها، وهي ترى في الجنود الأمريكيين “مرتزقة” يعملون لتثبيت عروشها.
إنهم يتحينون ما يصفونه بـ “الفرصة التاريخية” لإعادة تشكيل المنطقة وفق مقاسات التبعية، متوهمين أن كسر إرادة طهران سيفتح لهم الطريق للسيطرة المطلقة، متناسين أن دماء الأبرياء في اليمن وسوريا وفلسطين هي التي سترسم خارطة المنطقة الجديدة.
التوافق “الصهيو-أمريكي” والارتهان الخليجي الكامل
ويتضح من خلال تحليل المشهد أن هذه الأنظمة باتت في وفاق تام مع الأهداف “الصهيو-أمريكية”.
لم يعد هناك فرق بين الأجندة الإسرائيلية في المنطقة وبين تطلعات بعض العواصم الخليجية.
ترامب، في تصريحاته المستفزة، أكد أن دول الخليج (السعودية، قطر، الإمارات، الكويت، البحرين) “جميعهم يحاربون ويقفون إلى جانبنا بالكامل”.
هذا الاصطفاف خلف “المجرم ترامب” يضع هذه الدول في خانة العداء المباشر مع شعوب المنطقة.
وبينما ينتقد ترامب الدول الغربية والأوروبية لرفضها استخدام أجوائها في العدوان، فإنه يثني على “الأنظمة المنبطحة” التي فتحت قواعدها وأجواءها وخزائنها أمام القاذفات الأمريكية.
إن مشاركة هذه الدول في العدوان ليست مجرد دعم سياسي، بل هي مشاركة ميدانية ولوجستية تجعل منها شريكًا أصيلًا في كل قطرة دم تسقط.
القواعد الأمريكية في الخليج.. منطلق الاعتداء وخناجر الغدر
وتنطلق الطائرات والصواريخ الأمريكية من قواعد جاثمة على صدر الجزيرة العربية، لتستهدف شعبًا لم يعتدِ يومًا على جيرانه، بل كان السند الأول للقضية الفلسطينية.
استخدام هذه القواعد يمثل “إهانة وإذلالاً” للسيادة العربية، حيث تحولت هذه الدول إلى مسارح للعمليات العسكرية الأمريكية دون أدنى اعتبار لتبعات ذلك على أمن المنطقة.
المحللون يؤكدون أن هذه الأنظمة مستعدة لتحمل “تبعات الحرب” مهما كانت قاسية، ليس حباً في أمريكا، بل خوفاً من لحظة الحقيقة التي ستواجه فيها شعوبها دون حماية خارجية.
إنهم يدفعون بالمنطقة نحو “انتحار جماعي” خدمةً للمشروع الصهيوني الذي يهدف إلى تفتيت الدول الكبرى في المنطقة، وفي مقدمتها إيران، لتظل إسرائيل هي القوة الوحيدة المهيمنة.
رؤية محور المقاومة.. الثبات مقابل الانهزامية
في المقابل، تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحور المقاومة بموقف الصمود والتحدي.
إن الرهان الخليجي على “تغيير السلوك” أو “إضعاف إيران” عبر المال الأمريكي هو رهان خاسر تاريخيًا.
لقد أثبتت التجارب أن القوة المستمدة من الشعوب ومن الحق أقوى بكثير من القوة المشتراة بالدولارات.
إيران، التي واجهت حصارًا لعقود، طورت قدرات ذاتية جعلتها “كابوسًا” للمستعمر.
أما الأنظمة التي تستجدي الحماية وتدفع ثمنها، فهي تدرك في قرارة نفسها أن ترامب سيتركها لمصيرها بمجرد جفاف آبار النفط أو انتهاء مصلحته.
إن التهديد الحقيقي ليس في طهران، بل في تلك العقود المذلة التي تجعل من ثروات الشعوب العربية وقودًا لآلة الحرب الصهيونية.
الخاتمة: زوال الوهم وبزوغ الفجر
إن ما كشفته التقارير الأخيرة من استجداء خليجي للعدوان، واستعداد لدفع مليارات الدولارات مقابل تدمير إيران، يمثل السقوط الأخلاقي الأخير لهذه الأنظمة.
لقد تحولت عواصم الخليج إلى غرف عمليات للتآمر، وتحولت خزائنها إلى تمويل لمشاريع القتل والدمار.
لكن الحقيقة التي يغفل عنها ترامب وأدواته في المنطقة هي أن “إعادة تشكيل المنطقة” لن تتم وفق “المزاعم الصهيو-أمريكية”، بل ستتم بإرادة الشعوب التي سئمت التبعية والإذلال.
إن فاتورة الحرب التي يدفعها الخليج اليوم لن تشتري له أمناً، بل ستعجل في زوال العروش التي بنيت على أنقاض السيادة والكرامة.
وفي نهاية المطاف، ستبقى إيران قلعة صامدة، وسيرحل الغزاة ومعهم كل من راهن على ذبح شقيقه بسكين “المجرم الأمريكي”.
لقد سقطت الأقنعة، وبات الصراع واضحاً بين محور يقاوم من أجل العزة، ومحور يمول ذله بماله ودمائه.