تحت حماية الشرطة الأمريكية .. إحراق المصحف الشريف جريمة تكشف الوجه الحقيقي للحرب على الإسلام

في مشهدٍ صادمٍ ومشحونٍ بالدلالات السياسية والثقافية والدينية، أعاد المرشح الأمريكي لـ”مجلس الشيوخ” المدعو “جيك لانغ” ارتكاب جريمة استفزازية بحق أكثر من ملياري مسلم حول العالم، عبر إحراق نسخة من المصحف الشريف تحت حماية الشرطة الأمريكية، في حادثة تكشف حجم الانحدار الأخلاقي والسياسي الذي وصلت إليه بعض التيارات المتطرفة في الغرب، ومدى التواطؤ الرسمي مع حملات التحريض والكراهية ضد الإسلام ومقدساته، هذه الحادثة لا يمكن النظر إليها بوصفها تصرفًا فرديًا معزولًا أو مجرد ممارسة “حرية تعبير” كما تحاول بعض الأوساط الغربية تبريرها، بل تأتي ضمن سياق متكامل من الاستهداف الممنهج للإسلام، وإضفاء الحماية السياسية والقانونية على الاعتداءات المتكررة ضد المقدسات الإسلامية، بما يعكس أزمة عميقة في منظومة القيم الغربية التي تدّعي الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان بينما تمارس ازدواجية فاضحة عندما يتعلق الأمر بالإسلام.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

إحراق المصحف.. جريمة كراهية وليست حرية رأي

المصحف الشريف بالنسبة للمسلمين ليس مجرد كتاب ديني، بل هو كلام الله المقدس، والاعتداء عليه يمثل استفزازًا مباشرًا لمشاعر الأمة الإسلامية وعقيدتها وهويتها الحضارية، وعندما يتم تنفيذ هذا الاعتداء تحت حماية الشرطة الأمريكية، فإن الرسالة تتجاوز الفعل الفردي إلى دلالة أخطر مفادها أن كل المستويات الرسمية وغير الرسمية في أمريكا توفر الغطاء والحماية لهذا السلوك العدائي الإجرامي، التي طالما تشدقت بالتسامح الديني واحترام التعددية.
فالحرية في المفهوم الإنساني لا تعني إهانة مقدسات الآخرين أو التحريض على الكراهية أو إذكاء الصراعات الدينية، خصوصًا أن الدول الغربية نفسها تفرض قيودًا صارمة على قضايا تعتبرها “خطاب كراهية” عندما تمس جماعات أو مكونات معينة، لكنها تتعامل بازدواجية واضحة عندما يكون المستهدف هو الإسلام.

 

حادثة إحراق المصحف لا يمكن فصلها عن تصاعد ظاهرة الإسلاموفوبيا في الغرب خلال السنوات الأخيرة، حيث تحولت الكراهية ضد المسلمين إلى خطاب سياسي وإعلامي تتبناه تيارات يمينية متطرفة، بل وتستخدمه بعض القوى السياسية كورقة انتخابية لحشد الأصوات، لقد جرى خلال العقود الماضية، تشويه صورة الإسلام في وسائل الإعلام الغربية، وربط المسلمين بالإرهاب والتطرف بصورة ممنهجة، وتبرير الحروب والاحتلالات تحت عنوان “مكافحة الإرهاب”، والسماح بالإساءات المتكررة للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والمقدسات الإسلامية، وتوفير الحماية القانونية والسياسية للمتطرفين المعتدين على الإسلام،
وفي هذا السياق، تبدو حادثة “جيك لانغ” امتدادًا طبيعيًا لمناخ التحريض والكراهية الذي تمت رعايته سياسيًا وإعلاميًا داخل الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية.

الدلالات السياسية للحماية الأمنية

من أخطر ما في الحادثة ليس فقط إحراق المصحف، بل وقوع الجريمة تحت حماية الشرطة الأمريكية، بما يحمل من دلالات عميقة، إضفاء الشرعية على الكراهية، فحين تؤمّن أجهزة الدولة الحماية لمثل هذه الأعمال، فإنها تمنحها غطاءً ضمنيًا، وتبعث برسالة مفادها أن الاعتداء على الإسلام مقبول ومسموح به، وكذا توظيف العداء للإسلام سياسيًا، فالتيارات اليمينية المتطرفة في الغرب أصبحت تستخدم العداء للإسلام وسيلة لكسب الشعبية الانتخابية، عبر استثارة المخاوف والكراهية تجاه المسلمين والمهاجرين، وكذلك استفزاز الأمة الإسلامية وتكرار هذه الاعتداءات يهدف إلى استفزاز المسلمين ودفعهم نحو ردود أفعال غاضبة، بما يخدم الحملات الغربية التي تسعى لتقديم الإسلام باعتباره دين عنف وصدام، اختبار حدود ردود الفعل الإسلامية، فهناك محاولات مستمرة لقياس مدى تفاعل الشعوب الإسلامية مع الاعتداءات على مقدساتها، في ظل رهان بعض القوى الغربية على حالة الضعف والتفكك التي تعيشها الأمة.

ازدواجية المعايير الغربية

تكشف هذه الحوادث الإجرامية حجم التناقض الغربي في التعامل مع قضايا الحريات وحقوق الإنسان. ففي الوقت الذي تُسن فيه القوانين لمعاقبة أي خطاب يُعتبر معاديًا لبعض الفئات أو الأقليات، يتم التساهل مع الاعتداءات على الإسلام تحت ذريعة “حرية التعبير”، وهذا يثبت أن القضية ليست دفاعًا عن الحرية، بل انتقائية سياسية وثقافية تحكمها المصالح والأيديولوجيات، ولو أن الاعتداء استهدف مقدسات ديانات أو جماعات أخرى، لتحركت المؤسسات الرسمية والإعلامية الغربية بسرعة لإدانته وتجريمه، لكن عندما يتعلق الأمر بالإسلام، يصبح الأمر في نظرهم “رأيًا شخصيًا” أو “نشاطًا احتجاجيًا”.

 

الأبعاد الحضارية والثقافية

إن استهداف المصحف الشريف ليس مجرد إساءة دينية، بل يمثل عدوانًا على هوية حضارية وثقافية تمتد لقرون، ومحاولة لضرب مكانة الإسلام في الوعي العالمي، فالقرآن الكريم شكّل عبر التاريخ مصدرًا للقيم والأخلاق والعلم والحضارة، وأسهم في بناء حضارة إنسانية كبرى أثرت العالم في مختلف المجالات، ومن هنا، فإن إحراق المصحف يعكس حالة إفلاس فكري وأخلاقي لدى التيارات المتطرفة التي تعجز عن مواجهة الإسلام بالحجة والمنطق، فتتجه إلى الاستفزاز والإهانة والكراهية.

مسؤولية الأمة الإسلامية

أمام هذه الاعتداءات المتكررة، تبرز مسؤولية الأمة الإسلامية على عدة مستويات وعلى رأسها التحرك الإعلامي والثقافي، وضرورة كشف الصورة المشرقة عن الإسلام وتعزيز حضوره الحضاري والإنساني في مواجهة حملات التشويه، كذلك توحيد المواقف الرسمية والشعبية، من خلال إصدار مواقف واضحة وحازمة من الحكومات والمؤسسات والمنظمات الإسلامية تجاه هذه الجرائم، استخدام الوسائل القانونية والدبلوماسية، والضغط من أجل تجريم الإساءة للمقدسات الدينية ضمن القوانين الدولية، كذلك تعزيز الوعي والتمسك بالقرآن وتحويل هذه الاعتداءات إلى دافعٍ أكبر للارتباط بالقرآن الكريم والتمسك بقيمه وتعاليمه.

صمتُ علماء السوء.. تماهٍ فاضح مع المشروع الصهيوأمريكي

ومن أبرز الدلالات الخطيرة التي كشفتها جريمة إحراق المصحف الشريف، ذلك الصمت المريب للأصوات الدينية المرتبطة بالأنظمة الموالية للغرب، والذين يُفترض أنهم يتصدرون واجهة الدفاع عن الدين والمقدسات، لكنهم اختاروا الغياب أو التبرير أو التجاهل أمام واحدة من أبشع الجرائم بحق القرآن الكريم، هذا الغياب لا يمكن تفسيره باعتباره موقفًا عابرًا أو تقصيرًا فرديًا، بل يعكس حالة من التماهي السياسي والفكري مع المشروع الصهيوأمريكي الذي يستهدف الأمة الإسلامية في هويتها وثقافتها ومقدساتها.

وهذا يكشف أن معيار التحرك لدى هؤلاء العلماء ليس الانتصار للدين، وإنما الالتزام بالسقف السياسي الذي يرسمه العدو الصهيوأمريكي ، حيث تم توظيفهم لتبرير السياسات الأمريكية والصهيونية، وتحييد الأمة عن قضاياها الكبرى، وتحويل الخطاب الديني إلى أداة تخدير وتطويع بدل أن يكون مشروع نهضة ومواجهة، وفي الوقت الذي تُحرق فيه المصاحف وتُدنّس المقدسات، ينشغل هؤلاء بتبرير التطبيع، أو مهاجمة قوى المقاومة، أو إثارة الخلافات الهامشية داخل الأمة، ومن هنا، فإن صمت علماء السوء أمام جرائم الإساءة للقرآن الكريم يفضح حجم الارتباط السياسي والوظيفي بتلك المشاريع، ويؤكد أنهم أصبحوا جزءًا من منظومة الهيمنة التي تستهدف الأمة ومقدساتها وهويتها الحضارية.

ختاما ..

إن جريمة إحراق المصحف الشريف تحت حماية الشرطة الأمريكية تكشف بوضوح أن الحرب على الإسلام لم تعد مجرد ممارسات فردية معزولة، بل باتت جزءًا من مناخ سياسي وإعلامي وثقافي تُغذيه قوى اليمين المتطرف وتحظى فيه الاعتداءات على المقدسات الإسلامية بمساحات واسعة من الحماية والتبرير.
كما تؤكد هذه الحوادث أن الأمة الإسلامية تواجه معركة وعي وهوية وقيم، تتطلب حضورًا إعلاميًا وثقافيًا وسياسيًا أكثر فاعلية، وتستلزم التمسك بالقرآن الكريم باعتباره مصدر القوة والوحدة والنهضة، ورغم كل حملات الكراهية والاستفزاز، يبقى القرآن الكريم أعظم من أن تنال منه أفعال الحاقدين، وسيظل نورًا وهدايةً للملايين حول العالم، فيما تسقط مشاريع الكراهية والتطرف في مستنقع الانحطاط الأخلاقي والتاريخي.

You might also like