كيف يواجه المشروع القرآني الهيمنة الفكرية؟ قراءة في كتاب التشريع والتقنين

في خضم التحولات السياسية والفكرية التي يعيشها العالم الإسلامي، يبرز كتاب التشريع الإسلامي والتقنين الوضعي في المشروع القرآني بوصفه واحداً من الإصدارات الفكرية التي تحاول مقاربة هذا الصراع من زاوية تتجاوز الجدل الفقهي التقليدي إلى فضاء أوسع يتعلق بمعركة الوعي وبناء الأمة، فالكتاب لا يطرح التشريع الإسلامي باعتباره مجرد منظومة قانونية بديلة، بل يقدمه كمشروع حضاري متكامل يرتبط ببناء الإنسان والهوية والاستقلال الثقافي والسياسي، في مقابل ما يصفه بمنظومة “التقنين الوضعي” المرتبطة – وفق رؤيته – بمشاريع الهيمنة الغربية الحديثة، ومن خلال قراءة تجمع بين البعد الفكري والسياسي والثقافي، يحاول الكتاب تفكيك طبيعة الصراع الدائر داخل الأمة، مركزاً على مفهوم “المشروع القرآني” باعتباره مشروعاً للتحصين الداخلي واستعادة الوعي في مواجهة ما يسميه “الحرب الناعمة” والاستهداف الشامل.

يمانيون| محسن علي

كتاب يتجاوز المقارنة القانونية التقليدية

منذ الصفحات الأولى، يتضح أن الكتاب لا يقف عند حدود المقارنة بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية من الناحية الفقهية أو الدستورية فحسب، بل يتعامل مع القضية باعتبارها صراعاً بين مرجعيتين مختلفتين في الرؤية للإنسان والحياة والدولة والمجتمع، فالكتاب ينطلق من فرضية أساسية مفادها أن الأزمة التي تواجهها الأمة الإسلامية اليوم ليست أزمة نصوص وتشريعات فقط، وإنما أزمة وعي وهوية ومرجعية حضارية، نتجت – بحسب طرحه – عن الانفصال التدريجي عن القرآن الكريم كمصدر للهداية والبناء الحضاري، ومن هنا، يحاول المؤلف إعادة تقديم “المشروع القرآني” كإطار شامل لمعالجة الاختلالات الفكرية والسياسية والثقافية التي تعيشها الأمة.

 

المشروع القرآني من النص الديني إلى مشروع النهضة

واحدة من أبرز الأفكار المركزية في الكتاب هي تقديم المشروع القرآني بوصفه مشروعاً عملياً للتحرر والنهضة، لا مجرد خطاب وعظي أو تعبدي، فالكتاب يرى أن القرآن الكريم لا يقتصر دوره على تنظيم العلاقة الروحية بين الإنسان وربه، بل يمتد – وفق رؤيته – إلى بناء الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي للأمة، وتحديد طبيعة علاقتها بأعدائها وبقضاياها المصيرية، كما يؤكد أن المشروع القرآني استطاع – بحسب توصيفه – نقل الجمهور من حالة “الركود والخوف” إلى حالة “الفاعلية والمواجهة”، عبر إعادة توجيه بوصلة الوعي نحو ما يصفه بـ“العدو الحقيقي للأمة، ويربط بين هذا التحول وبين كسر حالة الصمت وإعادة بناء الثقة بالهوية والانتماء، معتبراً أن الوعي الشعبي شكّل أحد أهم عناصر الصمود في مواجهة مشاريع الاختراق والتطويع.

 

الوعي الديني في مواجهة التضليل

يخصص الكتاب مساحة واسعة للحديث عن مفهوم “الوعي الديني” باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة التضليل الفكري والسياسي والإعلامي، ويشير إلى أن كثيراً من مشاريع الهيمنة الحديثة تُمرر – أحياناً – عبر عناوين دينية أو شعارات براقة، الأمر الذي يجعل من “الوعي القرآني” ضرورة لحماية الأمة من الوقوع في فخاخ التطرف أو الاستسلام والتبعية،  وفي هذا السياق، يقدّم الكتاب القرآن الكريم باعتباره مرجعية تمنح الإنسان القدرة على فهم الواقع وكشف المؤامرات وتشخيص عوامل القوة والضعف داخل الأمة، بما يخلق – بحسب وصفه – حالة من “الوعي الشامل” القادر على مواجهة التضليل المنظم.

 

التحصين الداخلي الفكرة الأكثر حضوراً

من أكثر المفاهيم حضوراً في الكتاب مفهوم “التحصين الداخلي”، حيث يربط المؤلف بين قوة الأمة وقدرتها على المواجهة وبين مستوى الوعي والأخلاق والبصيرة داخل المجتمع، ويؤكد أن المشروع القرآني يعمل على بناء “حصانة داخلية” تحمي المجتمع من التفكك والانهيار، عبر ترسيخ القيم الأخلاقية والشعور بالمسؤولية والوعي بالمخاطر المحدقة بالأمة ، كما يرى أن الاستهداف المعاصر لم يعد عسكرياً فقط، بل بات يستهدف البنية الداخلية للمجتمعات عبر الإعلام والثقافة والحرب النفسية، وهو ما يجعل التحصين الفكري والثقافي ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية.

 

من التنظير إلى “الخطوات العملية

اللافت في الكتاب أنه لا يكتفي بالتأصيل الفكري والنظري، بل يتحدث عن “خطوات عملية” للمشروع القرآني، مثل الشعار والمقاطعة الاقتصادية والتعبئة الجماهيرية، باعتبارها أدوات عملية للمواجهة وبناء الوعي، ويعتبر أن هذه الخطوات ساهمت في:

رفع المعنويات الشعبية

فضح “العناوين المخادعة”

توجيه الوعي الجماهيري

تحريك المجتمع نحو الفاعلية والموقف العملي

ويشير الكتاب إلى أن نجاح هذه الأدوات ارتبط – وفق رؤيته – بوضوح الخطاب وصدقه وقدرته على مخاطبة المجتمع بصورة مباشرة بعيداً عن الأطر النخبوية الضيقة.

 

قراءة للصراع الحضاري المعاصر

في عمقه الفكري، يحاول الكتاب تقديم تفسير شامل للصراع الدائر في المنطقة والعالم الإسلامي، باعتباره صراعاً حضارياً وثقافياً بقدر ما هو صراع سياسي أو عسكري، فالكتاب يرى أن القوى الكبرى لا تستهدف الأرض والثروات فقط، بل تستهدف أيضاً تشكيل وعي الشعوب وهويتها وقيمها، عبر أدوات ثقافية وإعلامية وتشريعية متعددة، ومن هنا، يطرح المشروع القرآني باعتباره مشروعاً للتحرر الحضاري واستعادة الاستقلال الفكري والثقافي والسياسي للأمة.

 

لغة الكتاب وطبيعته الفكرية

يتسم الكتاب بلغة فكرية ذات طابع تعبوي وتحليلي في آنٍ واحد، حيث يمزج بين الطرح الأكاديمي والخطاب الفكري المرتبط بقضايا الأمة والصراع المعاصر، كما يعتمد بصورة واضحة على خطابات ومحاضرات السيد عبد الملك الحوثي في تفسير مفهوم المشروع القرآني وأبعاده الفكرية والسياسية والاجتماعية، وهو ما يجعل الكتاب أقرب إلى “رؤية فكرية شاملة” للمشروع القرآني أكثر من كونه دراسة قانونية تقليدية بحتة.

 

خلاصة الاستعراض

يقدّم هذا الكتاب قراءة فكرية وسياسية تتجاوز حدود النقاش القانوني التقليدي، لتضع قضية التشريع ضمن سياق أوسع يتعلق بالهوية والسيادة والوعي الحضاري، فهو ينظر إلى القرآن الكريم باعتباره مشروعاً لبناء الأمة وتحصينها، لا مجرد مرجعية دينية، ويرى أن المعركة الأساسية التي تواجهها الأمة اليوم هي معركة وعي واستقلال حضاري في مواجهة الهيمنة الثقافية والسياسية الحديثة، ولهذا، يمكن اعتبار الكتاب واحداً من الإصدارات الفكرية التي تسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدين والسياسة والهوية.

للمزيد .. يرجى الضغط على الرابط أدناه لتحميل الكتاب

كتاب_التشريع_الإسلامي_والتقنين_الوضعي_في_المشروع_القرآني

You might also like